الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

إن تجتنبوا أي: تتركوا جانبا كبائر ما تنهون أي: ينهاكم الله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلم –عنه، أي: عن ارتكابه مما ذكر، ومما لم يذكر، وقرئ: (كبير) على إرادة الجنس، فيطابق القراءة المشهورة، وقيل: يحتمل أن يراد به الشرك نكفر أي: نغفر ونمحو، واختيار ما يدل على العظمة بطريق الالتفات تفخيم لشأن ذلك الغفران، وقرئ: (يغفر) بالياء التحتانية عنكم أيها المجتنبون سيئاتكم أي: صغائركم، كما قال السدي، واختلفوا في حد الكبيرة على أقوال:

الأول: أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وإليه ذهب بعض الشافعية.

والثاني: أنها كل معصية أوجبت الحد، وبه قال البغوي وغيره.

والثالث: أنها كل ما نص الكتاب على تحريمه، أو وجب في جنسه حد.

والرابع: أنها كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة، وبه قال الإمام.

والخامس: أنها ما أوجب الحد، أو توجه إليه الوعيد، وبه قال الماوردي في فتاويه.

والسادس: أنها كل محرم لعينه، منهي عنه لمعنى في نفسه، وحكي ذلك بتفصيل مذكور في محله عن الحليمي.

والسابع: أنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم.

وقال الواحدي: الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد؛ ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه؛ رجاء أن تجتنب الكبائر.

ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر، وساعة الإجابة، انتهى.

وقال شيخ الإسلام البارزي: التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن بنص كتاب أو سنة، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن، أو أكثر من مفسدته، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك، كما لو قتل معصوما فظهر أنه مستحق لدمه، أو وطئ امرأة ظانا أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته.

وقال بعضهم: كل ما ذكر من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط، وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه؟! وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبطها بحد، فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره الله تعالى من أول هذه السورة إلى هنا، وقيل: هي سبع، ويستدل له بخبر الصحيحين: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله تعالى، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» وفي رواية لهما: «الكبائر: الإشراك بالله تعالى، والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس» زاد البخاري: [ ص: 18 ] «واليمين الغموس»، ومسلم بدلها: «وقول الزور» والجواب أن ذلك محمول على أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذكره قصدا لبيان المحتاج منها وقت الذكر، لا لحصره الكبائر فيه.

وممن صرح بأن الكبائر سبع علي - كرم الله تعالى وجهه – وعطاء، وعبيد بن عمير، وقيل: تسع؛ لما أخرجه علي بن الجعد، عن ابن عمر، أنه قال حين سئل عن الكبائر: سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول: «هن تسع: الإشراك بالله تعالى، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا».

ونقل عن ابن مسعود أنها ثلاث، وعنه أيضا أنها عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع، وروى عبد الرزاق، عن ابن عباس أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال له: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وأنكر جماعة من الأئمة أن في الذنوب صغيرة، وقالوا: بل سائر المعاصي كبائر، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في الإرشاد، وابن القشيري في المرشد، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في تفسيره، فقال: معاصي الله تعالى كلها عندنا كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة وكبيرة بالإضافة، وأول الآية بما ينبو عنه ظاهرها، وقالت المعتزلة: الذنوب على ضربين: صغائر وكبائر، وهذا ليس بصحيح، انتهى.

وربما ادعى في بعض المواضع اتفاق الأصحاب على ما ذكره، واعتمد ذلك التقي السبكي، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال في معصية: إنها صغيرة، إلا على معنى أنها تصغر عند اجتناب الكبائر، ويوافق هذا القول ما رواه الطبراني، عن ابن عباس - لكنه منقطع - أنه ذكر عنده الكبائر فقال: «كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة»، وفي رواية: «كل ما عصي الله تعالى فيه فهو كبيرة» قاله العلامة ابن حجر، وذكر أن جمهور العلماء على الانقسام، وأنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية، والإطلاق لإجماع الكل على أن المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح فيها، وإنما الأولون فروا من التسمية، فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة؛ نظرا إلى عظمة الله تعالى وشدة عقابه، وإجلالا له عز وجل عن تسمية معصيته صغيرة؛ لأنها إلى باهر عظمته تعالى كبيرة، وأي كبيرة، ولم ينظر الجمهور إلى ذلك؛ لأنه معلوم، بل قسموها إلى قسمين كما يقتضيه صرائح الآيات والأخبار، لا سيما هذه الآية، وكون المعنى إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح الحرام، وأكل الأموال، وغير ذلك مما تقدم نكفر عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف، ونظير ذلك من التنزيل: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف بعيد غاية البعد، ولذلك قال حجة الإسلام الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بين الصغائر والكبائر، وقد عرفتا من مدارك الشرع، نعم، قد يقال لذنب واحد: كبير وصغير باعتبارين؛ لأن الذنوب تتفاوت في ذلك باعتبار الأشخاص والأحوال، ومن هنا قال الشاعر:


لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة في السهو فيها للوضيع معاذر     فكبائر الرجل الصغير صغائر
وصغائر الرجل الكبير كبائر

قال سيدي ابن الفارض قدس سره:


ولو خطرت لي في سواك إرادة     على خاطري سهوا حكمت بردتي



وأشار إلى التفاوت من قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، هذا، وقد استشكلت هذه الآية مع ما في [ ص: 19 ] حديث مسلم من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «الصلوات الخمس مكفرة لما بينها ما اجتنبت الكبائر» ووجهه أن الصلوات إذا كفرت لم يبق ما يكفره غيرها، فلم يتحقق مضمون الآية، وأجيب عنه بأجوبة أصحها - على ما قاله الشهاب-: إن الآية والحديث بمعنى واحد؛ لأن قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم – فيه: «ما اجتنبت» إلخ دال على بيان الآية؛ لأنه إذا لم يصل ارتكب كبيرة، وأي كبيرة، فتدبر.

وندخلكم مدخلا الجمهور على ضم الميم، وقرأ أبو جعفر ونافع بفتحها، وهو على الضم إما مصدر، ومفعول (ندخلكم) محذوف، أي: ندخلكم الجنة إدخالا، أو مكان منصوب على الظرف عند سيبويه، وعلى أنه مفعول به عند الأخفش، وهكذا كل مكان مختص بعد دخل فيه الخلاف، وعلى الفتح قيل: منصوب بمقدر أي: (ندخلكم) فتدخلون مدخلا، ونصبه كما مر، وجوز كونه كقوله تعالى: أنبتكم من الأرض نباتا ورجح حمله على المكان لوصفه بقوله سبحانه وتعالى: كريما أي: حسنا، وقد جاء في القرآن العظيم وصف المكان به، فقد قال سبحانه: ومقام كريم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث