الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس أو سبع من شوال

( الفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس ، أو سبع من شوال )

اعلم أنه قد ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر } فورد في هذا الحديث مباحث للفضلاء ، وإشكالات للنبهاء وقواعد فقهية ومعان شريفة عربية .

الأول : لم قال صلى الله عليه وسلم بست ولم يقل بستة ، والأصل في الصوم إنما هو الأيام دون الليالي واليوم مذكر والعرب إذا عدت المذكر أنثت عدده فكان اللازم في هذا اللفظ أن يكون مؤنثا ؛ لأنه عدد مذكر كما قال الله تعالى { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما } أنث مع المذكر وذكر مع المؤنث .

الثاني : لم قال من شوال وهل لشوال مزية على غيره من الشهور أم لا .

الثالث : لم قال بست ، وهل للست مزية [ ص: 190 ] على الخمس أو السبع أم لا .

الرابع : قوله صلى الله عليه وسلم { فكأنما صام الدهر } شبه صوم شهر وستة أيام بصوم الدهر مع أن القاعدة العربية أن التشبيه يعتمد المساواة أو للتقريب ، وأين شهر وستة أيام من صوم الدهر بل أين هو من صوم سنة فإنه لم يصل إلى السدس ونحن نعلم بالضرورة من الشريعة أن من عمل عملا صالحا ، وعمل الآخر قدره مرتين لا يحسن التشبيه بينهما فضلا عن أن يعمل مثله ست مرات ، ولا يقال : إن من صام يوما يشبه من صام يومين في الأجر ولا من تصدق بدرهم يشبه من تصدق بدرهمين في الأجر فضلا عمن تصدق بستة دراهم فإن ذلك يوهم التسوية بين ستة دراهم ودرهم ولا مساواة بينهما فيبعد التشبيه .

الخامس : هل لنا فرق بين قوله صلى الله عليه وسلم { فكأنما صام الدهر } وبين قوله فكأنه صام الدهر فإن " ما " هنا كافة لكأن عن العمل فدخلت لذلك على الفعل ولو لم تدخل ما لدخل كأن على الاسم فهل بين ذلك فرق أم لا .

السادس : أن التشبيه بين هذا الصوم وصوم الدهر : كيف كان صوم الدهر أو على حالة مخصوصة ووضع مخصوص ، .

السابع : هل بين هذه الستة الأيام الواقعة في الحديث وبين الستة الأيام الواقعة في الآية في قوله تعالى { خلق السموات والأرض في ستة أيام } فرق أم لا فرق ، والحكمة في ذلك واحدة .

والجواب عن الأول أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال بست ولم يقل بستة ؛ لأن عادة العرب تغليب الليالي على الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالي وتكون الأيام هي المرادة ولذلك قال تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ولم يقل وعشرة مع أنها عشرة أيام فذكرها بغير هاء التأنيث قال الزمخشري ولو قيل عشرة لكان لحنا ومنه قوله تعالى { إن لبثتم إلا عشرا } { نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } قال العلماء يدل الكلام الأخير وهو قوله تعالى إلا يوما على أن المعدود الأول أيام فكذلك ههنا أتت العبارة بصيغة [ ص: 191 ] التذكير الذي هو شأن الليالي ، والمراد الأيام مثل هذه الآيات .

وعن الثاني أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال من شوال عند المالكية رفقا بالمكلف ؛ لأنه حديث عهد بالصوم فيكون عليه أسهل ، وتأخيرها عن رمضان أفضل عندهم لئلا يتطاول الزمان فيلحق برمضان عند الجهال قال لي الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث رحمه الله تعالى إن الذي خشي منه مالك رحمه الله تعالى قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم ، والقوانين ، وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ويؤيد سد هذه الذريعة ما رواه أبو داود { أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الفرض وقام ليتنفل عقب فرضه ، وهنالك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب الله بك يا ابن الخطاب } ومقصود عمر رضي الله عنه أن اتصال النفل بالفرض إذا حصل معه التمادي اعتقد الجهال أن ذلك النفل من ذلك الفرض ولذلك شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان إلا في يوم الجمعة فإنه ثلاث ركعات ؛ لأنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة ، وسد هذه الذرائع متعين في الدين وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة فيها .

وقال الشافعية رحمهم الله : خصوص شوال مراد لما فيه من المبادرة للعبادة والاستباق إليها لقوله عز وجل { فاستبقوا الخيرات } و { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } ولظاهر لفظ الحديث ومن ساعده الظاهر فهو أولى وجوابهم ما تقدم من سد الذريعة وعن الثالث أن مزية الست على السبع ، أو الخمس تظهر بتقرير معنى الستة وذلك أن شهرا بعشرة أشهر ، وستة أيام بستين يوما ؛ لأن الحسنة بعشرة والستون يوما بشهرين ، وشهران مع عشرة أشهر سنة [ ص: 192 ] كاملة فمن فعل ذلك في سنة هو بمنزلة من صام تلك السنة لتحصيله اثني عشر شهرا فإذا تكرر ذلك منه في جميع عمره كان كمن صام الدهر والمراد بالدهر عمره إلى آخره فلو قال سبعا لكان ذلك سبعين يوما ، وكان أزيد من شهرين فيكون أكثر من صيام الدهر وأعلى ، والأعلى لا يشبه بالأدنى فكان يبطل التشبيه ولو زاد على السبع لكان أولى بالبطلان ولو قال خمسا لكانت بخمسين يوما فينقص عن الشهرين فلا يحصل التشبيه الحقيقي وكذلك لو نقص أكثر من الخمس فظهر أن قاعدة الست مباينة للسبع فما فوقها وقاعدة الخمس فما دونها وهو كان المقصود بهذا الفرق ، وبقية الأسئلة تبع وزيادة في الفائدة ، والمنافاة في السبع فما فوقها أشد من المنافاة في الخمس فما دونها ؛ لأن تشبيه الأعلى بالأدنى منكر مطلقا وأما الأدنى بالأعلى فجائز إجماعا .

غير أنه مع المساواة أحسن كما { قال صلى الله عليه وسلم لما آلمته رجله فمدها بين أصحابه فقال أي شيء تشبه هذه فأشكل ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم أي شيء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمد رجله الأخرى وقال هذه } فكان ذلك من بسطه صلى الله عليه وسلم وتأنيسه مع أصحابه وكراهة أن يمد رجله بينهم إلا لعذر فأظهر هذا السؤال عذرا ، وذكر التشبيه مع المساواة فإن التفاوت بين الرجلين بعيد جدا .

وعن الرابع أن صائم سنة لا يشبه عند الله تعالى من صام شهرا وستة أيام ، وإنما معنى هذا الحديث أن من صام رمضان من هذه الأمة وستة أيام من شوال يشبه من صام سنة من غير هذه الملة ؛ لأن معنى قوله تعالى { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } أي له عشر مثوبات أمثال المثوبة التي كانت تحصل لعامل من غير هذه الأمة فإن تضعيف الحسنات إلى عشر من خصائص هذه الأمة ، وإذا كان معنى قوله " عشر أمثالها " أمثال المثوبة التي كانت تحصل لمن كان قبلنا فيصير صائم رمضان كصائم عشرة أشهر من غير هذه الملة ، وصائم ستة بعده كصائم شهرين من غير هذه الملة فصائم المجموع كصائم سنة [ ص: 193 ] من غير هذه الملة فإذا تكرر ذلك منه كان كصائم جميع العمر من غير هذه الملة فهذا تشبيه حسن ، وما شبه إلا المثل بالمثل لا المخالف بالمخالف بل المثل المحقق من غير زيادة ولا نقصان فاندفع الإشكال .

وعن الخامس أنه لو قال صلى الله عليه وسلم فكأنه صام الدهر لكان بعيدا عن المقصود فإن المقصود تشبيه الصيام في هذه الملة إذا وقع على الوضع المخصوص بالصيام في غير هذه الملة لا تشبيه الصائم بغيره فلو قال فكأنه لكانت أداة التشبيه داخلة على الصائم وكان يلزم أن يكون هو محل التشبيه لا الصوم .

والمقصود تشبيه الفعل بالفعل لا الفاعل بالفاعل ، وإذا قال فكأنما ، وكفت " ما " دخلت أداة التشبيه على الفعل نفسه ووقع التشبيه بين الفعل والفعل باعتبار الملتين وهو المقصود بالتشبيه لتنبيه السامع لقدر الفعل وعظمته فتتوفر رغبته فيه فهذا هو المرجح لقوله " فكأنما " على " فكأنه " .

وعن السادس أن المراد صوم الدهر على حالة مخصوصة لا الدهر كيف كان وذلك أن صوم رمضان واجب ، وصوم الست مندوب فيكون نسبة الستة المقدرة في غير هذه الملة ، خمسة أسداسها فرض وسدسها وهو الشهران الناشئان عن الستة الأيام مندوبة ويكون معنى الكلام فكأنما صام الدهر ، خمسة أسداسه فرض وسدسه نفل ، وليس المراد صوم الدهر كله فرض ولا كله نفل ولا البعض فرض والبعض نفل على غير النسبة التي ذكرتها بل يتعين ما ذكرته تحقيقا للتشبيه ولما دل عليه الدليل من فرضية رمضان وندبية الست فلو كان الجميع مندوبا لقلنا المراد بالدهر صومه مندوبا ولو كان الجميع فرضا لقلنا المراد بالدهر جميعه فرضا ولو قال صلى الله عليه وسلم من صام ستة أيام بعد رمضان فكأنما صام شهرين لقلنا هما شهران مندوبان وكذلك نقول في قوله تعالى { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } أي من جاء بالمندوبات فله عشر أمثال هذا المندوب أن لو فعله أحد من غير هذه الملة ومن جاء بالفرض من هذه الملة فله مثوبات عشر كل واحدة منها [ ص: 194 ] مثوبة هذا الفرض أن لو فعله أحد من غير هذه الملة وكذلك نقول في جميع رتب الواجبات والمندوبات ، وإن علت فظهر أن التشبيه إنما وقع على وجه خاص .

وعن السابع أن الست في هذا الحديث قد تقدمت حكمتها وهي كونها شهرين فتكمل السنة بها من غير زيادة ولا نقصان وأن هذا الحكم لا يحصل بما فوقها من العدد ولا بما دونها من العدد .

وأما الستة في الآية فقال بعض الفضلاء : الأعداد ثلاثة أقسام عدد تام وعدد زائد وعدد ناقص فالعدد التام هو الذي إذا جمعت أجزاؤه انقام منها ذلك العدد كالستة فإن أجزاءها النصف وهو ثلاثة والثلث اثنان والسدس واحد فلا جزء لها غير هذه ومجموعها ست وهو أصل العدد من غير زيادة ولا نقصان ، والأربعة لها نصف وربع خاصة ومجموعها ثلاثة فلم يحصل ذلك العدد فالأربعة عدد ناقص والعشرة لها نصف وهو خمسة وخمس وهو اثنان وعشر وهو واحد ، ومجموعها ثمانية فهو عدد ناقص والاثنا عشر لها نصف وهو ستة وثلث وهو أربعة وسدس وهو اثنان ونصف سدس وهو واحد ومجموعها ثلاثة عشر فهو عدد زائد ، والمقصود من الأجزاء أن تكون بغير كسر في هذه الطريقة فالعدد الناقص عندهم كآدمي خلق بغير يد ، أو عضو من أعضائه فهو معيب ، والعدد الزائد أيضا معيب ؛ لأنه كإنسان خلق بإصبع زائدة ، والعدد التام كإنسان خلق خلقا سويا من غير زيادة ولا نقص وهو عندهم أفضل الأعداد كما أن الإنسان السوي أفضل الآدميين خلقا ، وإذا تقرر أن الستة عدد تام محمود فهو أول الأعداد التامة فلذلك ذكر لتمامه ولأنه أولها وذكره الله تعالى في قوله { خلق السموات والأرض في ستة أيام } وكان المقصود تنبيه العباد على أن الإنسان مع القدرة على التعجيل ينبغي أن يكون فيه أناة فما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا فقد من شيء إلا شانه { قال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس إن فيك [ ص: 195 ] لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة } وهذا المعنى يحصل بذكر العدد كيف كان لكن يرجح هذا بأنه أول عدد يكون تاما ووقع في الحديث لغير هذا الغرض كما تقدم فالبابان مختلفان .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال : ( الفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس ، أو سبع من شوال ) .

قلت : جميع ما قاله فيه صحيح إلا ما قاله في جواب السؤال الثاني من أن تخصيص شوال رفق بالمكلف وسد للذريعة فإن ذلك ليس بالقوي ، وإلا ما قاله في تأويل ذكر ستة أيام من أنه لكون الستة عددا تاما فإن ذلك ليس بالقوي أيضا والله أعلم ، وما قاله في الفرقين بعد هذا صحيح .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

[ ص: 190 - 195 ] الفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس ، أو سبع من شوال ) وذلك أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح { من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر } هو أن من صام من هذه الأمة رمضان وستة أيام من شوال يشبه من صام سنة من غير هذه الأمة ، خمسة أسداسها فرض وسدسها نفل لقوله تعالى { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } فإن معناه أن من جاء من هذه الأمة بحسنة فله عشر أمثال المثوبة التي كانت تحصل لمن كان قبلها من الأمم فإن [ ص: 191 ] تضعيف الحسنات إلى عشرة من خصائص هذه الأمة وحينئذ فيصير صائم رمضان منهم كصائم عشرة أشهر من غيرهم ، وصائم ستة بعده منهم كصائم شهرين من غيرهم فيكون صائم المجموع منهم كصائم سنة من غيرهم سدسها فقط نفل وباقي أسداسها فرض فإذا تكرر ذلك من صائمه منهم كان كصائم جميع العمر من غيرهم خمسة أسداسه فرض وسدسه نفل فالمراد بالدهر عمره ، فبإتباع رمضان بستة أيام من شوال مع التضعيف في هذه الملة حسن التشبيه بصيام الدهر من غيرها لكن بنسبة أن خمسة أسداسه فرض وسدسه نفل فلا يحصل التشبيه الحقيقي بالمساواة بين الطرفين إلا بأحد أمرين : الأول بالست لا بالسبع لأن السبع بالتضعيف سبعون يوما وهي زائدة عن الشهرين وتشبيه الأعلى بالأدنى باطل ، ولو زاد على السبع لكان أولى بالبطلان ولا بالخمس لأن الخمس بالتضعيف خمسون وهي ناقصة عن الشهرين وكذلك ما دون الخمس ، وتشبيه الأدنى بالأعلى ، وإن كان جائزا إجماعا إلا أنه مع المساواة أحسن منه مع عدمها فقاعدة الست مباينة لقاعدة السبع فما فوقها والخمس فما دونها .

الأمر الثاني : أن يكون صوم الدهر على حال مخصوصة بأن يكون نسبة الستة المقدرة في غير هذه الملة خمسة أسداسها فرض وسدسها وهو الشهران الناشئان عن الستة أيام نفل ، ومن التشبيه مع المساواة قوله صلى الله عليه وسلم { لما آلمته رجله فمدها بين أصحابه فقال أي شيء تشبه هذه فأشكل ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم أي شيء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمد رجله الأخرى وقال هذه } فكان ذلك من بسطه صلى الله عليه وسلم وتأنيسه مع أصحابه وكراهة أن يمد رجله بينهم إلا لعذر فأظهر هذا السؤال عذرا وذلك لأن التفاوت بين الرجلين بعيد جدا ، فظهر الفرق بين القاعدتين وبانت مزية الست على الخمس ، أو السبع وأن التشبيه في الحديث جار على قاعدة العرب في كون التشبيه يعتمد المساواة ، أو التقريب وقال صلى الله عليه وسلم بست ولم يقل بستة مع أن الأصل في الصوم إنما هو الأيام دون الليالي ، واليوم مذكر وقاعدة العرب ما في قوله في الخلاصة :

ثلاثة بالتاء قل للعشره في عد ما آحاده مذكره

لأن عادة العرب تغليب الليالي على الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالي ومرادهم الأيام ولذلك قال تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ولم يقل وعشرة ، مع أنها عشرة أيام قال الزمخشري ولو قيل عشرة لكان لحنا ومنه قوله تعالى { إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } قال العلماء يدل الكلام الأخير وهو قوله تعالى إلا يوما على أن المعدود الأول أيام وللمالكية وغيرهم في قوله صلى الله عليه وسلم من شوال أقوال :

الأول لابن العربي في الأحكام أنه على جهة التمثيل والمراد أن صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين وذلك المذهب فلو كانت من غير شوال لكان الحكم فيها كذلك قال وهذا من بديع النظر فاعلموه ا هـ

القول الثاني لابن المبارك واللخمي والشافعي أنه على جهة التعيين من أوله وأن خصوص شوال مراد لما فيه من المبادرة للعبادة والاستباق إليها لقوله عز وجل { فاستبقوا الخيرات } ، { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } [ ص: 192 ] ولظاهر لفظ الحديث ومن ساعده الظاهر فهو أولى قال في العارضة ولست أراه لما سيأتي من سد الذريعة ولو علمت من يصومها أول الشهر وملكت الأمر آذيته وشددت عليه لأن أهل الكتاب غيروا دينهم ا هـ

القول الثالث لجمهور أصحابنا أنه على جهة التعيين أيضا إلا أن صومها بأول شوال متصلة متتابعة مكروه جدا لأن الناس صاروا يقولون تشييع رمضان وكما لا يتقدم لا يشيع فصومها من غيره أفضل من أوسطه ومن أوسطه أفضل من أوله وهذا بين وهو أحوط للشريعة وأذهب للبدعة كما في العارضة وفي الذخيرة استحب مالك صيام الست في غير شوال خوفا من إلحاقها برمضان عند الجهال ، وإنما عينه الشرع من شوال للتخفيف على المكلف لقربه من الصوم ، وإلا فالمقصود حاصل في غيره فيشرع للتأخير جمعا بين المصلحتين ا هـ .

وفي التوضيح عن الجواهر لو صامها في عشر ذي الحجة لكان أحسن لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة والسلامة مما اتقاه مالك ا هـ ومثله للشبيني ويوضحه قول الأصل إنما قال من شوال عند المالكية رفقا بالمكلف لأنه حديث عهد بالصوم فيكون عليه أسهل ، وتأخيرها عن رمضان أفضل عندهم لئلا يتطاول الزمان فيلحق برمضان عند الجهال قال لي الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث رحمه الله تعالى إن الذي خشي منه مالك رحمه الله تعالى قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم ، والقوانين ، وشعائر رمضان إلى آخر الستة أيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ويؤيد سد هذه الذريعة ما رواه أبو داود أن { رجلا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الفرض وقام ليتنفل عقب فرضه وهناك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب الله بك يا ابن الخطاب } ومقصود عمر رضي الله عنه أن اتصال التنفل بالفرض إذا حصل معه التمادي اعتقد الجهال أن ذلك النفل من ذلك الفرض ولذلك شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان إلا في يوم الجمعة فإنه ثلاث ركعات لأنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة وسد هذه الذرائع متعين في الدين وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة فيها ا هـ وخلاصة هذا القول أن تخصيص شوال رفق بالمكلف فيشرع التأخير لسد الذريعة جمعا بين المصلحتين قال ابن الشاط وهذا ليس بالقوي ا هـ .

القول الرابع للمازري عن بعض الشيوخ أن خصوص شوال ، وإن كان مرادا للمبادرة للعبادة كما هو ظاهر الحديث إلا أن الحديث لعله لم يبلغ مالكا رحمه الله تعالى فكره صيامها من شوال ولما كان مقصوده صلى الله عليه وسلم تشبيه الصيام في هذه الملة إذا وقع على الوضع المخصوص بالصيام في غير هذه الملة لا تشبيه الصائم بغيره قال فكأنما ولم يقل فكأنه ، فأدخل كأن الدالة على التشبيه مكفوفة بما على الفعل نفسه وأوقع التشبيه بين الفعل والفعل باعتبار الملتين لتنبيه السامع لقدر الفعل وعظمته فتتوفر رغبته فيه قيل والفرق بين الستة أيام الواقعة في الحديث [ ص: 193 ] والستة أيام الواقعة في قوله تعالى { خلق السموات والأرض في ستة أيام } هي كون الحكمة فيها في الحديث أمرين أحدهما كونها شهرين فتكمل الستة بها من غير زيادة ولا نقصان بخلاف ما فوقها وما تحتها ، وثانيهما كونها أول الأعداد التامة فهو لتمامه ، ولأنه أولها عندهم أفضل الأعداد كما أن الإنسان السوي الذي لا زيادة في أعضائه ولا نقص أفضل الآدميين خلقا وذلك أن بعض الفضلاء قال :

الأعداد ثلاثة أقسام : عدد تام وهو الذي إذا جمعت أجزاؤه المنطقة انقام منها ذلك العدد من غير زيادة ولا نقصان كالستة أجزاؤها : النصف ثلاثة ، والثلث اثنان ، والسدس واحد ولا جزء لها غير هذه ومجموعها ست .

وعدد ناقص وهو الذي إذا جمعت أجزاؤه المنطقة لم يحصل منها ذلك العدد بل أنقص منه كالأربعة أجزاؤها : النصف اثنان ، والربع واحد ولا جزء لها غيرهما ومجموعهما ثلاثة أقل من الأربعة .

وعدد زائد وهو الذي إذا جمعت أجزاؤه المنطقة حصل عدد زائد عنه كالاثني عشر أجزاؤها : النصف ستة ، والثلث أربعة ، والسدس اثنان ، ونصف السدس واحد ومجموعها ثلاثة عشر وهو زائد على الاثني عشر بواحد ، والتام عندهم أفضل الأعداد كما أن الإنسان السوي أفضل الآدميين خلقا ، والناقص معيب لأنه كآدمي خلق بغير يد ، أو عضو من أعضائه ، والزائد معيب لأنه كآدمي خلق بأصبع زائدة وليس للستة في الآية إلا الأمر الثاني وهو أنها أول الأعداد التامة .

وأما كون المقصود بذكرها التنبيه للعباد على أن الإنسان مع القدرة على التعجيل ينبغي أن يكون فيه أناة فما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا فقد من شيء إلا شانه { قال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة } فهذا المعنى يحصل بذكر العدد كيف كان ا هـ قال ابن الشاط وهو ليس بالقوي ا هـ والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث