الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( قوله وكره عبثه بثوبه وبدنه ) شروع في بيان المكروهات بعد بيان المفسدات لأن كلا منهما من العوارض إلا أنه قدم المفسد لقوته والمكروه في هذا الباب نوعان أحدهما ما كره تحريما وهو المحمل عند إطلاقهم الكراهة كما ذكره في فتح القدير من كتاب الزكاة وذكر أنه في رتبة الواجب لا يثبت إلا بما يثبت به الواجب يعني بالنهي الظني الثبوت وأن الواجب يثبت بالأمر الظني الثبوت ثانيهما المكروه تنزيها ومرجعه إلى ما تركه أولى وكثيرا ما يطلقونه كما ذكره العلامة الحلبي في مسألة مسح العرق فحينئذ إذا ذكروا مكروها فلا بد من النظر في دليله فإن كان نهيا ظنيا يحكم بكراهة التحريم إلا لصارف للنهي عن التحريم إلى الندب فإن لم يكن الدليل نهيا بل كان مفيدا للترك الغير الجازم فهي تنزيهية واختلف في تفسير العبث فذكر الكردي أنه فعل فيه غرض ليس بشرعي والسفه ما لا غرض فيه أصلا والمذكور في شرح الهداية وغيرها أن العبث الفعل لغرض غير صحيح حتى قال في النهاية وحاصله أن كل عمل هو مفيد للمصلي فلا بأس بأن يأتي به أصله ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم عرق في صلاة فسلت العرق عن جبينه } أي مسحه لأنه كان يؤذيه فكان مفيدا وفي زمن الصيف { كان إذا قام من السجود نفض ثوبه يمنة أو يسرة } لأنه كان مفيدا كي لا يبقى صورة فأما ما ليس بمفيد فهو العبث ا هـ .

وتعقبه العلامة الحلبي بأنه إذا كان يكره رفع الثوب كي لا يتترب وأنه قد وقع الخلاف في أنه يكره مسح التراب عن جبهته في الصلاة وأنه قد وقع الندب إلى تتريب الوجه في السجود فضلا عن الثوب فكون نفض الثوب من التراب عملا مفيدا وأنه لا بأس به مطلقا فيه نظر ظاهر وأما أنه لا بأس بسلت العرق في الصلاة فهو قول بعض المشايخ واختاره في الخانية وغيرها وفي منية المصلي ويكره أن يمسح عرقه أو التراب عن جبهته في أثناء الصلاة أو في التشهد قبل السلام ووفق بينهما بأن المراد بالعرق الممسوح عرق لم تدعه حاجة إلى مسحه وبالكراهة الكراهة التنزيهية فحينئذ [ ص: 21 ] لا منافاة بينها وبين قولهم لا بأس لأن تركه أولى ويحمل فعله صلى الله عليه وسلم إن ثبت على أن به حاجة إلى مسحه أو بيانا للجواز ا هـ .

وفي الخانية ولا بأس بأن يمسح جبهته من التراب أو الحشيش بعد الفراغ من الصلاة وقبله إذا كان يضره ذلك ويشغله عن الصلاة وإذا كان لا يضره ذلك يكره في وسط الصلاة ولا يكره قبل التشهد والسلام . ا هـ .

وصححه في المحيط وهو مع ما قدمناه من تعريف العبث يدل على أن الحك بيده في بدنه إنما يكون عبثا إذا كان لغير حاجة أما إذا أكله شيء في بدنه ضره وأشغله فلا بأس بحكه ولا يكون من العبث ثم ذكر الشارحون أنهم إنما قدموا مسألة العبث لأنها كلية وغيرها نوعية لأن تقليب الحصا والفرقعة والتخصر من أنواع العبث والكلي مقدم على النوعي وتعقبه في العناية بأن العبث بالثوب لا يشمل ما بعده من تقليب الحصا وغيره بل إنما قدموه لأنه أكثر وقوعا ا هـ .

وقد يقال إن الشامل للتقليب وغيره العبث بالبدن ولا يتم ما قاله إلا لو اقتصروا على العبث بالثوب ثم إن كراهة العبث تحريمية لما أخرجه القضاعي في مسند الشهاب مرسلا عن يحيى بن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله كره لكم ثلاثا العبث في الصلاة والرفث في الصيام والضحك في المقابر } وعلله في الهداية بأن العبث خارج الصلاة حرام فما ظنك في الصلاة ا هـ .

وأراد به كراهة التحريم وأورد عليه في غاية البيان بأنه إذا كان حراما ينبغي أن يكون مفسدا كالقهقهة وأجاب بأن فساد القهقهة لا باعتبار حرمتها بل باعتبار أنها تنقض الطهارة وهي شرط ولهذا لا يفسدهاالنظر إلى الأجنبية وإن كان حراما إلا إذا كثر العبث فحينئذ يفسدها لكونه عملا كثيرا وفي الغاية للسروجي قوله ولأن العبث خارج الصلاة حرام فيه نظر لأن العبث خارجها بثوبه أو بدنه خلاف الأولى ولا يحرم والحديث قيد بكونه في الصلاة . ا هـ .

التالي السابق


( قوله ومرجعه إلى ما تركه أولى ) وهو المراد من قولهم أيضا لا بأس كما يأتي قريبا وانظر ما سنذكره بعد كراس قبيل الفصل الآتي ( قوله والمذكور في شرح الهداية إلخ ) ظاهره أن الثاني مخالف لما ذكره الكردري وفي الحواشي السعدية فيه أن الكلام في العبث شرعا والظاهر أن كلامهما متحد والنفي في التعريف الثاني داخل على القيد والصحة لكونه شرعيا فتأمل ( قوله كي لا يبقى صورة ) يعني حكاية صورة الألية كذا في الحواشي السعدية

( قوله وتعقبه ) أي تعقب ما في النهاية من قوله إن كل عمل هو مفيد للمصلي فلا بأس بأن يأتي به ( قوله فكون نفض الثوب من التراب ) إلخ ) ليس في كلام النهاية دعوى أن نفض الثوب من التراب عملا مفيدا ولا أنه لا بأس به ولعله فهمه من الحديث السابق ولكن قد علمت بما قدمنا عن السعدية أنه ليس المراد نفضه من التراب بل لإزالة صورة الألية لالتصاق الثوب بها ( قوله ووفق بينهما ) أي بين القول بأنه لا بأس بالمسح وبين القول بكراهته وفيه بحث لأن حمل المسح على ما لم تدع إليه حاجة يجعله من العبث في الصلاة الذي هو مكروه تحريما كما سيأتي فحمل الكراهة على التنزيهية مخالف لذلك وحمل فعله صلى الله تعالى عليه وسلم على أنه بيان للجواز مبني على ما قاله وإلا فدعوى الجواز في المكروه تحريما ممنوعة قلت وينبغي التوفيق بحمل القول الأول على ما إذا دعت إلى مسحه حاجة ويكون تركه حينئذ أولى على نحو ما يأتي في قلب الحصى وحمل الثاني على ما إذا لم تدع إليه حاجة فليتأمل [ ص: 21 ]

( قوله بعد الفراغ من الصلاة ) لأن فيه إزالة الأذى عن نفسه فلا بأس به بل يستحب كما في الذخيرة وإنما كره إذا كان في وسط الصلاة وكان لا يضره لأنه لا يفيد لأنه يسجد بعده بخلاف المسألة الأخيرة

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث