الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( والأعيان التي نص على تحريم الربا فيها الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح ، والدليل عليه ما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : " { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى } ( فأما ) الذهب والفضة فإنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة ، وهو أنهما من جنس الأثمان ، فيحرم الربا فيهما ، ولا يحرم فيما سواهما من الموزونات ، والدليل عليه أنه لا يجوز أن يكون تحريم الربا لمعنى يتعداهما إلى غيرهما من الأموال ، لأنه لو كان لمعنى يتعداهما إلى غيرهما لم يجز إسلامهما فيما سواهما من الأموال ، لأن كل شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر ، كالذهب والفضة والحنطة والشعير فلما جاز إسلام الذهب والفضة في الموزونات والمكيلات وغيرهما من الأموال ، دل على أن العلة فيهما لمعنى لا يتعداهما ، وهو أنه من جنس الأثمان ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث عبادة رضي الله عنه رواه مسلم ، وأجمع المسلمون على تحريم الربا في هذه الأعيان الستة المنصوص عليها ، واختلفوا فيما سواها فقال داود الظاهري وسائر أهل الظاهر والشيعة والكاساني وسائر ثقات الناس لا تحريم في الربا في غيرها ، وحكاه صاحب الحاوي عن طاوس ومسروق والشعبي وقتادة وعثمان البتي وقال سائر العلماء : لا يتوقف تحريم الربا عليها بل يتعدى إلى ما في معناها ، وهو ما وجدت فيه العلة التي هي سبب تحريم الربا في السنة واختلفوا فيها .

[ ص: 490 ] فأما ) الذهب والفضة فالعلة عند الشافعي فيهما كونهما جنس الأثمان غالبا ، وهذه عنده علة قاصرة عليهما لا تتعداهما ، إذ لا توجد في غيرهما ، وقال أبو حنيفة : العلة فيهما الوزن في جنس واحد ، فألحق بهما كل موزون كالحديد والنحاس والرصاص والقطن والكتان والصوف ، وكل ما يوزن في العادة ، ووافق أنه لا يحرم الربا في معمول الحديد والنحاس ونحوهما ، وإنما يحرم في التبر ، وممن قال بمعنى قول أبي حنيفة الزهري والحكم وحماد والثوري والأوزاعي . واحتج لهم بحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهما حدثاه " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل ثمر خيبر هكذا ؟ قال : لا والله يا رسول الله . إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعلوا ، ولكن مثلا بمثل ، أو بيعوا هذا واشتروا قيمته من هذا ، وكذلك الميزان } رواه البخاري ومسلم قالوا : يعني وكذلك الموزون ، فيدل على أن كل موزون لا يجوز التفاضل فيه قالوا : ولأن علتكم قاصرة فإنها لا تتعدى الذهب والفضة وهما الأصل الذي استنبطتم منه العلة ، وعندكم في العلة القاصرة وجهان لأصحاب الشافعي : ( أحدهما ) أنها فاسدة لا يجوز التعليل بها لعدم الفائدة فيها ، فإن حكم الأصل قد عرفناه وإنما مقصود العلة أن يلحق بالأصل غيره .

( والوجه الثاني ) أن القاصرة صحيحة ، ولكن المعتدية أولى ، قالوا : فعلتكم مردودة على الوجهين ، لأن حكم الذهب والفضة عرفناه بالنص .

قالوا : ولأن علتكم قد توجد ولا حكم ، وقد يوجد الحكم ولا علة [ ص: 491 ] كالفلوس بخراسان وغيرها فإنها أثمان ولا ربا فيها عندكم ( والثاني ) كأواني الذهب والفضة يحرم الربا فيها مع أنها ليست أثمانا . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف ، وهو أنه يجوز إسلام الذهب والفضة في غيرهما من الموزونات بالإجماع ، كالحديد وغيره فلو كان الوزن علة لم يجز كما لا يجوز إسلام الحنطة في الشعير ، والدراهم في الدنانير ، ولأن أبا حنيفة يجوز بيع المضروب من النحاس والحديد والرصاص ، بعضه ببعض متفاضلا ولو كانت العلة الوزن لم يجز ( فإن قالوا : ) خرجت بالضرب عن كونها موزونة ( قلنا : ) لا نسلم . وأجاب أصحابنا عن حديثهم بثلاثة أجوبة ( أحدها ) جواب البيهقي قال : قد قيل إن قوله : وكذلك الميزان من كلام أبي سعيد الخدري موقوف عليه ( الثاني ) جواب القاضي أبي الطيب وآخرين أن ظاهر الحديث غير مراد ، فإن الميزان نفسه لا ربا فيه وأضمرتم فيه الموزون ودعوى العموم في المضمرات لا يصح ( الثالث ) أنه يحمل الموزون على الذهب والفضة جمعا بين الأدلة . وأجابوا عن قولهم : لا فائدة في العلة القاصرة بأن مذهبنا جواز التعليل بها ، فإن العلل أعلام نصبها الله تعالى للأحكام ، منها متعدية ، ومنها غير متعدية ، إنما يراد منها بيان حكمة النص لا الاستنباط ، وإلحاق فرع بالأصل كما أن المتعدية عامة التعدي وخاصته . ثم لغير المتعدية فائدتان ( إحداهما ) أن تعرف أن الحكم مقصور عليها ، فلا تطمع في القياس ( والثانية ) أنه ربما حدث ما يشارك الأصل في العلة فيلحق به ، وأجابوا عن الفلوس بأن العلة عندنا كون الذهب والفضة جنس الأثمان غالبا ، وإن لم تكن أثمانا ، والله سبحانه أعلم .

( فرع ) ( وأما ) داود وموافقوه فاحتجوا بعموم قوله تعالى : [ ص: 492 ] { وأحل الله البيع } ) وبقوله تعالى : ( { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ) وبأن أصل الاستثناء الإباحة . واحتج أصحابنا بحديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال " كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { الطعام بالطعام مثلا بمثل } رواه مسلم ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا ، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا ، وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام ، ونهى عن ذلك كله } رواه البخاري ومسلم . قال أصحابنا : الطعام المذكور في الحديث الأول عام يتناول جميع ما يسمى طعاما ( فإن قيل : ) فقد خصه بالأشياء الستة ( قلنا : ) ذكر بعض ما تناوله العموم ليس تخصيصا على الصحيح ( فإن قيل : ) الطعام مخصوص بالحنطة ( قلنا : ) هذا غلط ، بل هو عام لكل ما يؤكل ، قال الله تعالى : ( { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } ) قال تعالى : ( { فلينظر الإنسان إلى طعامه } ) إلى قوله تعالى : ( { فأنبتنا فيها حبا وعنبا } ) الآية . وقال تعالى : ( { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني } ) وعن أبي ذر رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة إسلامه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فمن كان يطعمك ؟ قلت : ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني قال : إنها مباركة إنها طعام طعم } رواه البخاري ومسلم . [ ص: 493 ] وعن عائشة رضي الله عنها قالت : { مكثنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمانا ما لنا طعام إلا الأسودان الماء والتمر } رواه والجواب عن الآيتين أنهما عام مخصوص بما ذكرنا ( وقولهم : ) أصل الأشياء الإباحة ليس كذلك ، بل مذهب داود أنها على الوقف ، والصحيح عندنا أنه لا حكم قبل ورود الشرع ، والله سبحانه أعلم .

( فرع ) ذكرنا أن علة الربا في الذهب والفضة عندنا كونهما جنس الأثمان غالبا ، قال أصحابنا : قولنا : غالبا احتراز من الفلوس إذا راجت رواج النقود ، كما قدمناه ، ويدخل فيه الأواني والتبر ، وغير ذلك فهذه العبارة هي الصحيحة عند الأصحاب ، وهي التي نقلها الماوردي وغيره عن نص الشافعي ، قال الماوردي : ومن أصحابنا من يقول : العلة كونهما قيم المتلفات قال : ومن أصحابنا من جمعهما ، قال : وكله قريب ، وجزم المصنف في التنبيه بأنهما قيم الأشياء ، وأنكره القاضي أبو الطيب وغيره على من قاله من أصحابنا ، قالوا : لأن الأواني والتبر والحلي يجري فيها الربا ، وليس مما يقوم بها ولنا وجه ضعيف غريب أن تحريم الربا فيهما بعينهما لا لعلة ، حكاه المتولي وغيره .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث