الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل الغرق

قال شيخ الإسلام :

( باب الغرق ) قال الله تعالى : فلما أسلما وتله للجبين هذا اسم يشار به في هذا الباب إلى من توسط المقام ، وجاوز حد التفرق .

وجه استدلاله بإشارة الآية : أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما بلغ ما بلغ هو وولده في المبادرة إلى الامتثال ، والعزم على إيقاع الذبح المأمور به : ألقاه الوالد على جبينه في الحال وأخذ الشفرة وأهوى إلى حلقه ، أعرض في تلك الحال عن نفسه وولده ، [ ص: 196 ] وفني بأمر الله عنهما ، فتوسط بحر جمع السر والقلب والهم على الله ، وجاوز حد التفرقة المانعة من امتثال هذا الأمر .

قوله : " فلما أسلما " استسلما وانقادا لأمر الله ، فلم يبق هناك منازعة لا من الوالد ولا من الولد ، بل استسلام صرف وتسليم محض .

قوله : " وتله للجبين " أي : صرعه على جبينه ، وهو جانب الجبهة الذي يلي الأرض عند النوم ، وتلك هي هيئة ما يراد ذبحه .

قوله : " توسط المقام " لا يريد به مقاما معينا ، ولذلك أبهمه ولم يقيده و " المقام " عندهم : منزل من منازل السالكين ، وهو يختلف باختلاف مراتبه ، وله بداية وتوسط ونهاية ، ف " الغرق " المشار إليه : أن يصير في وسط المقام .

فإن قيل : الغرق أخص بنهاية المقام من توسطه ؛ لأنه استغراق فيه بحيث يستغرق قلبه وهمه ، فكيف جعله الشيخ توسطا فيه ؟

قلت : لما كانت همة الطالب في هذه الحال مجموعة على المقصود ، وهو معرض عما سواه ، قد فارق مقام التفرقة ، وجاوز حدها إلى مقام الجمع ، فابتدأ في المقام وأول كل مقام يشبه آخر الذي قبله فلما توسط فيه استغرق قلبه وهمه وإرادته ، كما يغرق من توسط اللجة فيها قبل وصوله إلى آخرها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث