الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فأما ما يحرم فيه الربا فينظر فيه فإن باعه بجنسه حرم فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض ، لما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يدا بيد } فإن باعه بغير جنسه - نظرت فإن كان مما يحرم الربا فيهما لعلة واحدة كالذهب والفضة والشعير والحنطة - جاز فيه التفاضل وحرم فيه النساء والتفرق قبل التقابض لقوله صلى الله عليه وسلم : " { فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد } . فإن تبايعا وتخايرا في المجلس قبل التقابض بطل البيع لأن التخاير كالتفرق ، ولو تفرقا قبل التقابض بطل العقد ، فكذلك إذا تخايرا ، وإن تبايعا دراهم بدنانير في الذمة وتقابضا ثم وجد أحدهما بما قبض عيبا - نظرت فإن لم يتفرقا - جاز أن يرد ويطالب بالبدل لأن المعقود عليه ما في الذمة ، وقد قبض قبل التفرق ، وإن تفرق ففيه قولان : ( أحدهما ) يجوز إبداله لأن ما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده ، كالمسلم فيه .

( والثاني ) لا يجوز ، وهو قول المزني لأنه إذا أبدله صار القبض بعد التفرق ، وذلك لا يجوز . وإن كان مما يحرم فيهما الربا بعلتين كبيع الحنطة بالذهب والشعير [ ص: 506 ] بالفضة حل فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض لإجماع الأمة على جواز إسلام الذهب والفضة في المكيلات المطعومة ) .

التالي السابق


فصل في الأحاديث الواردة في تحريم ربا الفضل روي ذلك من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وفضالة بن عبيد وأبي بكرة ومعمر بن عبد الله ورافع بن خديج وأبي الدرداء وأبي أسيد الساعدي وبلال وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك ورويفع بن ثابت وبريدة رضي الله عنهم أجمعين . أما حديث أبي بكر رضي الله عنه فمشهور عن محمد بن السائب الكلبي عن سلمة بن السائب عن أبي رافع عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { الذهب بالذهب وزنا بوزن والفضة بالفضة وزنا بوزن والزائد والمستزيد في النار } رواه أبو بكر بن أبي شيبة وعبيد بن حميد وغيرهما . واختلف عن الكلبي فيه ففي سنن أبي قرة عن محمد بن السائب عن أبي رافع والكلبي ضعيف وروي من طريق غيره ولم يصح . وأما حديث عمر رضي الله عنه فرواه أبو حمزة ميمون القصاب عن سعيد بن المسيب عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والحنطة بالحنطة ، والشعير بالشعير ، مثلا بمثل ، من زاد أو ازداد فقد أربى } " وأبو حمزة ضعيف . وقد اضطرب عنه في هذا الحديث . قال الدارقطني في كتاب العلل : وأبو حمزة مضطرب الحديث والاضطراب في الإسناد من قبله ، والله تعالى أعلم . ( وأما ) حديث عثمان بن عفان فصحيح أخرجه مسلم . ولفظه في روايتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " { لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين } " ( وأما حديث علي بن أبي طالب فأخرجه ابن [ ص: 60 ] ماجه والدارقطني في سننهما ، والحاكم في المستدرك من طريق محمد بن العباس جد الشافعي عن عمر بن محمد عن أبيه وهو ابن الحنفية عن جده وهو علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " { الدينار بالدينار ، والدرهم بالدرهم ، لا فضل بينهما من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب ، وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق والصرف ها وها } وقال الحاكم : إنه غريب صحيح . ( وأما ) حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فمخرج في كتب السنن الأربعة والدارقطني والمستدرك على الصحيحين للحاكم ، وهذا لفظ المستدرك قال سعد : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشتراء الرطب بالتمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبينهما فضل ؟ قالوا : نعم الرطب ينقص ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يصح هذا } " وإن لم يكن في معنى الأحاديث المتقدمة فهو يدل على معناها من جهة أنه دل على معنى الفضل ، فهؤلاء خمسة من العشرة فيهم الخلفاء الراشدون . ( وأما ) حديث عبادة فهو أتم الأحاديث وأكملها ، ولذلك جعله الشافعي العمدة في هذا الباب ، وعبادة أسن وأقدم صحبة من أبي سعيد ، وقد تقدم أن حديث عبادة من أفراد مسلم ، ورواه معه من أصحاب السنن أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، ولفظه في مسلم من رواية أبي الأشعث عنه قال " { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، إلا سواء بسواء وعينا بعين ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى } " وهذا اللفظ هو الذي أورده المصنف أولا في الفصل الأول من هذا الباب ، ولم يخرجه بهذا اللفظ هكذا أحد من أصحاب الكتب الستة غيره ، وقد اشتبه على ابن معن المتكلم على هذا الكتاب فنسبه إلى مسلم وأبي داود والترمذي ونسب الثاني إلى مسلم وحده فأردت التنبيه على ذلك لئلا يغتر به ، فإن المحدث إذا نسب الحديث إلى كتاب مراده منه أصل الحديث فيحتمل منه ذلك ، وأما الفقيه فمراده ذلك اللفظ الذي يستدل به فلا بد من الموافقة فيه والله تعالى أعلم .

[ ص: 61 ] ورواه النسائي بقريب من هذا اللفظ من حديث مسلم بن يسار وعبد الله بن عبيد عن عبادة قال " { نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق ، والبر بالبر والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر قال أحدهما : والملح بالملح ، ولم يقله الآخر إلا مثلا بمثل ، يدا بيد ، وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا - قال أحدهما : فمن زاد أو ازداد فقد أربى } " ورواه ابن ماجه كذلك بهذا اللفظ ، وقدم الورق على الذهب وبعض قوله : " وأمرنا أن نبيع الذهب " وقوله : " من زاد أو ازداد " ورواية مسلم بن يسار هذه منقطعة ، فإنه لم يسمع ذلك من عبادة وإنما سمعه من أبي الأشعث عنه . وأما رواية عبد الله بن عبيد ويقال له ابن هرمز فمتصلة فيما أظن والله أعلم .

وذكره المزني في مختصره عن الشافعي رحمه الله كذلك من حديث مسلم بن يسار ورجل آخر عن عبادة ، ولفظه فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " { لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا الورق بالورق ، ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ، ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح ، إلا سواء بسواء عينا بعين ، يدا بيد ولكن بيعوا الذهب بالورق ، والورق بالذهب . والبر بالشعير ، والشعير بالبر ، والتمر بالملح ، والملح بالتمر . يدا بيد كيف شئتم } " قال : ونقص أحدهما التمر والملح وزاد الآخر : " فمن زاد أو استزاد فقد أربى " .

وكذلك رويناه في مسند الشافعي من رواية الربيع حرفا بحرف إلا أنه قال : " وزاد أحدهما : من زاد أو ازداد " ورواه البيهقي في المعرفة من رواية المزني عن الشافعي أيضا من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث متصلا بلفظ قريب من اللفظ الأول . وهذه الألفاظ كلها متفقة في تصدير الحديث بالنهي وفي استيفاء الأجناس الستة ، وانفردت رواية الشافعي بالجمع بين قوله " عينا بعين يدا بيد " . ولم أقف على ذلك في حديث عبادة إلا من هذه الرواية . ولا في أكثر الأحاديث إلا في حديث أبي سعيد الخدري الذي تقدم ، وفيه جمع بينهما . فهذا اللفظ الواحد الذي أورده المصنف في الفصل الأول : والظاهر أنه أورده من مسلم أو ممن نقل عنه ، ونعم ما فعل إلا أن قوله في آخره : استزاد ليس في مسلم بل في لفظ الشافعي في المختصر [ ص: 62 ] والنسائي في رواية من لفظ عبادة وإنما جاء لفظ : استزاد في مسلم من حديث أبي سعيد ولفظ عبادة ازداد . هذا الذي رأيته في روايتنا والله سبحانه وتعالى أعلم . وفي لفظ آخر لمسلم عن عبادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " { الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح . مثلا بمثل سواء بسواء . يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد } " وهذا اللفظ هو الذي أورده المصنف في هذا الفصل . لكنه قدم التمر على البر ولم يقل : سواء بسواء . فإنه تأكيد لقوله : " مثلا بمثل " . ورواه بقريب من هذا اللفظ أبو داود والترمذي والنسائي من طريق أبي الأشعث . ولفظ أبي داود فيه : " { الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبر بالبر مدا بمد والشعير بالشعير مدا بمد ، والتمر بالتمر مدا بمد ، والملح بالملح مدا بمد ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدا بيد ، وأما نسيئة فلا ، ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد وأما النسيئة فلا } " ولفظ الترمذي " { الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل ، والتمر بالتمر مثلا بمثل ، والملح بالملح مثلا بمثل والشعير بالشعير مثلا بمثل ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى . بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد ، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد } قال الترمذي : حديث عبادة حديث حسن صحيح . قال : وقد روى بعضهم هذا الحديث عن خالد بهذا الإسناد وقال : " { بيعوا البر بالشعير كيف شئتم يدا بيد } " . وروى بعضهم هذا الحديث عن خالد عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث . وزاد فيه : قال خالد : قال أبو قلابة " فبيعوا البر بالشعير كيف شئتم " فذكر الحديث ولفظ النسائي قريب من لفظ أبي داود مختصرا وهذه الألفاظ مشتركة في تصدير الحديث بالإثبات لا بالنهي وفيها زيادة تصريح بالأصناف المختلفة وعند النسائي من حديث حكيم بن جابر عن عبادة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم { يقول : الذهب الكفة بالكفة ، والفضة الكفة بالكفة ، حتى قال : الملح الكفة [ ص: 63 ] بالكفة } وقد روى ما توهم أن حكيما لم يسمعه من عبادة ، فهذه ألفاظ الكتب الخمسة في حديث عبادة والله تعالى أعلم . وإنما أطلت الكلام على هذا الحديث لكونه الذي ذكره المصنف .

وأما حديث أبي سعيد الخدري فهو أتمها وأحسنها بعد حديث عبادة ، لا سيما وهو المناظر لابن عباس في ذلك ، وهو في أصله متفق على صحته . وقد اعتمد عليه أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه رواه عن عطية العوفي عنه ، ولفظه الذي اتفقا عليه مختصرا " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قال : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز } " وفي رواية البخاري " إلا يدا بيد " ولفظه عند البخاري : { كنا نرزق تمر الجمع وهو الخلط من التمر ، وكنا نبيع صاعين بصاع ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا صاعين بصاع ولا درهما بدرهمين } هو كذلك في مسند أحمد { لا صاعي تمر بصاع ، ولا صاعي حنطة بصاع ، ولا درهمين بدرهم } قال أحمد : قال زيد : { ولا صاعا تمر بصاع ، ولا صاعا حنطة بصاع } وفي رواية للبخاري " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { الذهب بالذهب مثلا بمثل ، والورق بالورق مثلا بمثل } " ولفظه عند مسلم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، الآخذ والمعطي فيه سواء } وهو أتم ألفاظه . وكذلك رواه أحمد في المسند ، وقد تقدم من ألفاظه عن ذكر مذهب ابن عباس غير هذا .

وأما حديث أبي الدرداء وأبي سعيد رضي الله عنهما قد تقدما . وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فرواه البخاري ومسلم مقرونا بحديث أبي سعيد " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا ؟ قال : لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا } ورواه مسلم وحده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 64 ] { التمر بالتمر والحنطة بالحنطة ، والشعير بالشعير والملح بالملح ، مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، إلا ما اختلفت ألوانه } " وفي أخرى " { الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل ، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل ، فمن زاد أو استزاد فهو ربا } " وفي رواية عنده قال : " { الدينار بالدينار لا فضل بينهما ، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما } " وفي رواية في مسند أحمد صحيحة " { الذهب بالذهب ، والورق بالورق ، ولا تفضلوا بعضها على بعض } " وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فرواه مالك في الموطأ " أنه جاءه صائغ فقال : يا أبا عبد الرحمن إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه ، فاستفضل في ذلك قدر عمل يدي ، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك ، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله ينهاه ، حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابته ، يريد أن يركبها . ثم قال عبد الله بن عمر : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما . هذا عهد نبينا صلى الله عليه وسلم إلينا وعهدنا إليكم " هكذا رواه مالك في الموطأ فجعله من مسند ابن عمر ، ورواه من جهته النسائي فذكره هكذا في كتابه الكبير من مسند ابن عمر ، وذكره في كتاب المجتبى أيضا من جهته ، لكن وقع في روايتنا عنه عن مجاهد قال : قال عمر ، وأخذ بظاهره ابن الأثير في جامع الأصول وقال : إن النسائي جعله من مسند عمر والذي أظن أن الذي وقع في روايتنا عنه عن مجاهد قال : قال عمر ، وأخذ بظاهره ابن الأثير في جامع الأصول وقال : إن النسائي جعله من مسند ابن عمرو الذي أظن أن الذي وقع في روايتنا غلط سقط ( ابن ) وكذلك من النسخة التي وقعت لابن الأثير . والله تعالى أعلم . وقال الشافعي - رحمه الله - عقب روايته له عن مالك : هذا خطأ ثم رواه عن سفيان بن عيينة عن وردان الدوي عن ابن عمر فقال فيه : هذا عهد صاحبنا إلينا وعهدنا إليكم . قال الشافعي - رحمه الله - : يعني بصاحبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال البيهقي في المعرفة : وهو كما قال ، فالأخبار دالة على أن ابن عمر لم يسمع في ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، ثم قال يعني الشافعي : يجوز أن يقول : هذا عهد نبينا إلينا ، وهو يريد إلى أصحابه بعدما ثبت له ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد وغيره . [ ص: 65 ] وقد تكلم ابن عبد البر هنا بما لا أستحسن أن أقابله بمثله لما ألزمت نفسي من الأدب مع العلماء . ونسب الشافعي إلى الغلط ، ورأى أن رواية سفيان مجملة ، ورواية مالك مبينة ، فيكون مراده بقوله صاحبنا هو النبي صلى الله عليه وسلم والصواب ما قاله الشافعي رحمه الله ، فإن في صحيح مسلم عن نافع قال : " كان ابن عمر يحدث عن عمر في الصرف ، ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئا " ولكن لرواية ابن عمر رضي الله عنهما أصل في تحريم ربا الفضل ; فإنه روى عنه قال : " { كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس فدعا بلالا بتمر عنده فجاء بتمر أنكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا التمر ؟ قال : التمر الذي كان عندنا أبدلناه صاعين بصاع . فقال : رد علينا تمرنا } " رويناه في مسند عبد بن حميد من حديث أبي دهقانة عن ابن عمر وفي مسند أحمد عن شرحبيل أن ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد حدثوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " { الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل عينا بعين ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى } قال شرحبيل : ( إن لم أكن سمعته منهم فأدخلني الله النار ) . ويحتمل أن يكون ابن عمر أرسل ذلك لما ثبت له من جهة أبي سعيد وغيره وأما حديث فضالة بن عبيد فصحيح رواه مسلم قال " { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الأوقية الذهب بالدينارين والثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن } . وأما حديث أبي بكرة فرواه البخاري ومسلم قال " { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفضة بالفضة ، والذهب بالذهب إلا سواء بسواء ، وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا والفضة بالذهب كيف شئنا } " رواه بهذا اللفظ . وأما حديث معمر بن عبد الله فصحيح أخرجه مسلم أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال : بعه ثم اشتر شعيرا ، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع فلما جاء معمرا أخبره بذلك ، فقال له معمر : لم فعلت ذلك ؟ انطلق فرده ، ولا تأخذن إلا مثلا بمثل ، فإني كنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { الطعام بالطعام مثلا بمثل } " وكان طعامنا يومئذ [ ص: 66 ] الشعير ، قيل له : فإنه ليس بمثله قال : إني أخاف أن يضارع ) وقد ذكر المصنف المسند منه في الفصل الأول ، وسيأتي الكلام على القمح والشعير .

وأما حديث رافع بن خديج فرواه أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار عن أبي بكرة ثنا عمير بن نفير ثنا عاصم بن محمد حدثني زيد بن محمد قال : حدثني نافع قال : " مشى عبد الله بن عمر إلى رافع بن خديج في حديث بلغه عنه في بيان الصرف ، فأتاه فدخل عليه فسأله عنه ، فقال رافع : { سمعته أذناي وأبصرته عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تشفوا الدينار على الدينار ، ولا الدرهم على الدرهم ، ولا تبيعوا غائبا منها بناجز ، وإن استنظرك حتى يدخل عتبة بابه } " وأما حديث بلال رضي الله عنه فرويناه في مسند الإمام أبي محمد الدارمي ورواه عن عثمان بن عمر أنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسروق عن بلال قال { كان عندي مد تمر للنبي صلى الله عليه وسلم فوجدت أطيب منه صاعا بصاعين ، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم قال من أين لك هذا يا بلال ؟ قلت اشتريته صاعا بصاعين . قال : رده ورد علينا تمرنا } وأما حديث جابر بن عبد الله فرواه الإمام أبو محمد بن عبد الله بن وهب في مسنده قال : أخبرني ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال : { كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نعطي الصاع من حنطة في ستة آصع من تمر ، فأما سوى ذلك من الطعام فيكره ذلك إلا مثلا بمثل } " وفي مسند أحمد وغيره عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم نهوا من الصرف ، رفعه رجلان منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصرف هنا محمول على الفضل في بيع النقد بمثله والله أعلم ، هذا وإن كان ظاهر لفظه فيه إشكال فإنه يفيد كراهة الطعام بجنسه إلا مثلا بمثل وهو المقصود . وأما حديث أنس بن مالك فرواه الدارقطني في سننه من حديث أبي بكر بن عياش عن الربيع بن صبيح بفتح الصاد عن الحسن عن عبادة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا ، وما كيل فمثل ذلك ، فإذا اختلف النوعان فلا بأس } [ ص: 67 ] به قال الدارقطني : لم يروه غير أبي بكر عن الربيع هكذا وخالفه جماعة فرووه عن الربيع عن ابن سيرين عن عبادة وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ غير هذا اللفظ .

وأما حديث رويفع بن ثابت فرواه الطحاوي : حدثنا فهد قال : حدثنا ابن أبي مريم أنا نافع بن يزيد أنا ربيعة بن سليمان مولى عبد الرحمن بن حسان التجيبي أنه سمع حنشا الصنعاني يحدث عن رويفع بن الحارث في غزوة أناس قبل المغرب يقول : { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة خيبر : بلغني أنكم تبتاعون المثقال بالنصف والثلثين ، وأنه لا يصلح إلا المثقال بالمثقال والوزن بالوزن } " ورويفع بن ثابت هذا أنصاري صحابي ، قال البخاري في التاريخ الكبير : يعد في المصريين ، وذكره ابن أبي خيثمة في تاريخه في الأنصار ، وروى له حديثا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ( وأما ) حديث بريدة فرواه الطحاوي بسند فيه الفضل بن حبيب السراج إلى بريدة " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتهى تمرا فأرسل بعض أزواجه ولا أراها إلا أم سلمة بصاعين من تمر ، فأتوا بصاع من عجوة ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم أنكره فقال : من أين لكم هذا قالوا : بعثنا بصاعين فأتينا بصاع فقال : ردوه فلا حاجة لي فيه } " فهؤلاء من حضرني رواياتهم من الصحابة رضي الله عنهم عشرون صحابيا .

ورواه مرسلا يحيى بن سعيد الأنصاري قال " { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم السعدين يوم خيبر أن يبيعا آنية من المغنم من ذهب أو فضة ، فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا ، أو كل أربعة بثلاثة عينا ، فقال لهما : أربيتما فردا } " رواه مالك في الموطأ ، والسعدان سعد بن مالك وسعد بن عبادة .

وروي أيضا مرسلا بزيادة على الستة عن مالك بن أوس بن الحدثان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { التمر بالتمر والزبيب بالزبيب والبر بالبر ، والسمن بالسمن . والزيت بالزيت والدينار بالدينار ، والدرهم بالدرهم ، لا فضل بينهما } وهو مرسل وإسناده في غاية الضعف ، فيه رجل وضاع وآخر مجهول . فهذه اثنان وعشرون حديثا ، منها في الصحيحين حديث أبي سعيد وأبي [ ص: 68 ] بكرة وفي مسلم وحده حديث عبادة وأبي هريرة وعثمان بن عفان وفضالة ، وعلى الخمسة الأول اقتصر الشافعي رضي الله عنه ( ومنها ) خارج الصحيحين وهو صحيح حديث أبي أسيد وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقاص ، والله أعلم . وفي بقية ذلك ما ينظر فيه ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث