الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                        وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون

                                                                                                                                                                                                                                        (90) يقول تعالى: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم أي: جاء الذين تهاونوا، وقصروا منهم في الخروج لأجل أن يؤذن لهم في ترك الجهاد، غير مبالين في الاعتذار لجفائهم وعدم حيائهم، وإتيانهم بسبب ما معهم من الإيمان الضعيف.

                                                                                                                                                                                                                                        وأما الذين كذبوا الله ورسوله منهم، فقعدوا وتركوا الاعتذار بالكلية، ويحتمل أن معنى قوله: المعذرون أي: الذين لهم عذر، أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعذرهم، ومن عادته أن يعذر من له عذر.

                                                                                                                                                                                                                                        وقعد الذين كذبوا الله ورسوله في دعواهم الإيمان، المقتضي للخروج، وعدم عملهم بذلك، ثم توعدهم بقوله: سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة.

                                                                                                                                                                                                                                        (91) لما ذكر المعتذرين، وكانوا على قسمين، قسم معذور في الشرع، وقسم [ ص: 676 ] غير معذور، ذكر ذلك بقوله: ليس على الضعفاء في أبدانهم وأبصارهم، الذين لا قوة لهم على الخروج والقتال. ولا على المرضى وهذا شامل لجميع أنواع المرض التي لا يقدر صاحبه على الخروج والجهاد، من عرج، وعمى، وحمى، وذات الجنب، والفالج، وغير ذلك.

                                                                                                                                                                                                                                        ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون أي: لا يجدون زادا، ولا راحلة يتبلغون بها في سفرهم، فهؤلاء ليس عليهم حرج، بشرط أن ينصحوا لله ورسوله، بأن يكونوا صادقي الإيمان، وأن يكون من نيتهم وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث والترغيب والتشجيع على الجهاد.

                                                                                                                                                                                                                                        ما على المحسنين من سبيل أي: من سبيل يكون عليهم فيه تبعة، فإنهم -بإحسانهم فيما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد- أسقطوا توجه اللوم عليهم، وإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه، سقط عنه ما لا يقدر عليه.

                                                                                                                                                                                                                                        ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان.

                                                                                                                                                                                                                                        والله غفور رحيم ومن مغفرته ورحمته، عفا عن العاجزين، وأثابهم بنيتهم الجازمة ثواب القادرين الفاعلين.

                                                                                                                                                                                                                                        (92) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم فلم يصادفوا عندك شيئا قلت لهم معتذرا: لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون فإنهم عاجزون باذلون لأنفسهم، وقد صدر منهم من الحزن والمشقة ما ذكره الله عنهم.

                                                                                                                                                                                                                                        فهؤلاء لا حرج عليهم، وإذا سقط الحرج عنهم، عاد الأمر إلى أصله، وهو أن من نوى الخير، واقترن بنيته الجازمة سعي فيما يقدر عليه، ثم لم يقدر، فإنه ينزل منزلة الفاعل التام.

                                                                                                                                                                                                                                        (93) إنما السبيل يتوجه واللوم يتناول الذين يستأذنوك وهم أغنياء قادرون على الخروج لا عذر لهم، فهؤلاء رضوا لأنفسهم ومن دينهم بأن يكونوا مع الخوالف كالنساء والأطفال ونحوهم.

                                                                                                                                                                                                                                        ( و ) إنما رضوا بهذه الحال لأن الله طبع على قلوبهم أي: ختم عليها، فلا يدخلها خير، ولا يحسون [ ص: 677 ] بمصالحهم الدينية والدنيوية، فهم لا يعلمون عقوبة لهم، على ما اقترفوا.

                                                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية