الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأحاديث النبوية الدالة على وجوب العمل بالكتاب والسنة والابتعاد عن غيرهم

الأحاديث النبوية الدالة على وجوب العمل بالكتاب والسنة والابتعاد عن غيرهما

وأما الأحاديث الدالة على وجوب العمل بهما، فأكثر من أن تحصر.

فمنها: حديث ابن عباس في الصحيحين في مسألة اللعان في قصة هلال بن أمية، وفيه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن». قال الفلاني: يريد -والله أعلم- بكتاب الله: قوله سبحانه ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله [النور: 8] ويريد بالشأن -والله أعلم-: أنه كان يحدها؛ لمشابهة ولدها بالذي رميت به.

ولكن القرآن العظيم فصل الحكومة، وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق للاجتهاد بعده موضع. انتهى.

وأخرج الشافعي في «الرسالة» بسنده عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه: أنه قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر، فسأل عن وليدة من ولائد الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان.

فقال عمر -رضي الله عنه-: صدقت، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى بالفراش.
وقال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم، ثم ذكر قصة غلام حكم فيه عمر بن [ ص: 318 ] عبد العزيز برأيه، فأخبره عروة بحديث عائشة مرفوعا: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى في مثل هذا: أن الخراج بالضمان، فقال: ما أيسر علي من قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغني فيه سنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأرد قضاء عمر، يعني: نفسه، فأنفذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وقال الشافعي أيضا: وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب، قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة، يخبرني عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بخلاف ما قضيت به.

فقال له ربيعة: قد اجتهدت، ومضى حكمك.

فقال سعد: واعجبا! أنفذ قضاء سعد بن أم سعد، وأرد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

بل أرد قضاء سعد، وأنفذ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فدعا سعد بكتاب القضية فشقه، فقضى للمقضي عليه، أي: بما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال الشافعي: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك، قال: حدثني ابن أبي ذئب عن المقرئ، عن ابن سريج الكعبي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عام الفتح: «من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إن أحب أخذ العقل، وإن أحب فله القود».

قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ هذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدري وصاح علي صياحا كثيرا، ونال مني، وقال: أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول: أتأخذ به؟ نعم آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه، إن الله تعالى اختار محمدا من الناس، فهداهم به، وعلى يديه، واختار لهم ما اختار له على لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين داخرين، ولا مخرج لمسلم من ذلك. قال: وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.
انتهى.

قال الفلاني -رحمه الله-: تأمل فعل عمر بن الخطاب، وفعل عمر بن عبد العزيز، وفعل سعد بن إبراهيم، وقول ابن أبي ذئب، يظهر لك أن المعروف [ ص: 319 ] عند الصحابة والتابعين ومن تبعهم بالإحسان، وعند سائر علماء المسلمين من السلف الصالحين: أن حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نص الكتاب العزيز، أو سنة الرسول، وجب نقضه، ومنع نفاذه.

ونص الكتاب ودليل الحديث لا يعارضان بالاحتمالات العقلية، والخيالات النفسانية، وأوهام العصبة الشيطانية؛ بأن يقال: لعل هذا المجتهد قد اطلع على النص وتركه لعلة ظهرت له، أو أنه اطلع على دليل آخر، ونحو هذا مما نهج به فرق الفقهاء المتعصبين، وأطبق عليه جهلة المقلدين.

قال أبو النصر هاشم بن القاسم، بسنده عن هاشم بن يحيى المخزومي: إن رجلا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب، فسأله عن امرأة حاضت، وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تنفر قبل أن تطهر؟ فقال عمر: لا، فقال له الثقفي: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفتاني في هذه المرأة بغير ما أفتيت به.

فقام عمر يضربه بالدرة ويقول: لم تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

قال الفلاني: وروى بنحوه أبو داود. انتهى.

قلت: وفي هذه الرواية دلالة على أن كل أحد يخطئ ويصيب، وإن بلغ في الفضل غايته، ومن العلم نهايته، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا جاز الخطأ على مثل عمر الفاروق، فما ظنك بغيره من المجتهدين؟

قال عمر بن عبد العزيز: لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رواه أبو بكر بن أبي شيبة بسنده.

وفي «صحيح مسلم» في قصة المتوفى عنها الحامل رجوع ابن عباس عن اجتهاده فيها إلى السنة.

قال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قول لأحد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صح الخبر عنه.

[ ص: 320 ] قال الفلاني: وكان ابن خزيمة له أصحاب ينتحلون مذهبه، ولم يكن يقلد أحدا، بل كان إماما مستقلا، كما ذكر البيهقي في «المدخل» وقال: طبقات أهل الحديث جمة: المالكية، والشافعية، والحنبلية، والراهوية، والخزيمية أصحاب محمد بن خزيمة. انتهى.

قلت: ولم يسم الحنفية؛ لأنهم قليلو المعرفة، بل أقلها بالحديث؛ ولهذا سموا بأصحاب الرأي؛ لغلبته عليهم.

وذكرهم بهذا الاسم جمع جم من قدماء العلماء ومتأخريهم في كتبهم، كأن ذلك علم لهم بين الإسلام وأهله.

وفي كون الإمام ابن خزيمة مستقلا بالإمامة، غير مقلد لأحد، دليل على أن الاجتهاد والبلوغ إلى رتبته، لم يختم على المجتهدين الأربعة، بل بلغ إلى هذه الرتبة جماعة كثيرة عظيمة في هذه الأمة، كما ذكر ذلك العلامة الشوكاني في كتاب «البدر الطالع» وسماهم اسما باسم، وغيره في «التاج المكلل».

وكذلك لم يكن في القرون المشهود لها بالخير من يقلد أحدا من الأمة، وكذلك حال الأئمة الأربعة، فإنهم لم يقلدوا أحدا، بل نهوهم عن تقليدهم وتقليد غيرهم كما سيأتي في هذا الكتاب مفصلا -إن شاء الله تعالى- في موضعه.

وكذلك حال عصابة المحدثين، فإنهم جميعا لم يروجوا رائجة التقليد، ولم يعرفوا ما هو، ومن علم به اتفاقا صاح بالإنكار عليه.

وبالجملة: لم تحدث هذه البدعة إلا في أوائل المئة الرابعة، وكان الآخذون بها العوام، ثم سرت بعد ذلك في الخواص الذين هم في حكم العامة باعتبار قلة الشعور، وعدم الفهم، وقنع الجاهلون بما بلغهم من آراء المجتهدين وقالهم [ ص: 321 ] وقيلهم، ورأوا أن فهم الكتاب والسنة يختص بهم، وهؤلاء عن دركهما محجوبون.

وهذه مغالطة فاسدة، أوقعهم فيها إبليس اللعين؛ منعا لهم عن اتباع سيد المرسلين، وهو أول من قاس، وجاء بفاسد القياس، فطرده الله عن باب الرحمة.

وعلى كل حال لا يصح دعوى التقليد من المقلدة للأئمة إلا إذا كان قولهم موافق فعلهم، وفعلهم مطابق قول إمامهم، مع أنهم يخالفون الإمام في نهيه عن التقليد.

فكانت هذه الدعوى منهم كذبا واضحا؛ لأنهم لو كانوا صادقين في ادعاء تقليده، لما خالفهم في هذا القول والفعل منه، فإذا خالفوه لم يكونوا مقلدين له عند كل من له أيسر تمييز بين الصواب والخطأ.

وإنما مقلد الأئمة -على الوجه الصحيح- من قبل قولهم، وسلك سبيلهم، ومشى على أثرهم في الاتباع والاقتداء بالكتاب والسنة، وترك الآراء والأهواء.

فلله الحمد على موافقتنا بالإمام الأعظم أبي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي وبالإمام محمد بن إدريس الشافعي، وأستاذه الإمام مالك بن أنس، وتلميذه الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- وبالأئمة قبلهم وبعدهم، فإنهم جميعا قادتنا وسادتنا في الدين، وبهم هدانا الله إلى مدارك الشرع المبين، وجنبنا بالاقتداء بهديهم عن الابتداع، وتقليد الرجال، والأسوة بالقيل والقال.

قال الشافعي -رضي الله عنه-: قال لي قائل ذات يوم: إن عمر عمل شيئا، ثم صار إلى غيره لخبر نبوي.

قلت له: حدثني سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب: أن عمر كان يقول:

«الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا».

حتى أخبره الضحاك بن سفيان: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر رضي الله عنه.


[ ص: 322 ] وأخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، وابن طاوس: أن عمر قال: أذكر الله امرأ سمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنين شيئا.

فقام حمل بن مالك ... الحديث، وفيه: فقال عمر: لو لم نسمع فيه هذا لقضينا فيه بغير هذا.

وقال غيره: إن كدنا لنقضي فيه برأينا.

قال الفلاني: فترك اجتهاده للنص، وهذا هو الواجب على كل مسلم؛ إذ اجتهاد الرأي إنما يباح عند الضرورة فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم [البقرة: 173] وكذلك القياس إنما يصار إليه عند الضرورة، والضرورة تبيح المحظور.

قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورة. نقله البيهقي في كتابه «المدخل».

وقال ابن عمر -رضي الله عنه-: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأسا، حتى زعم رافع: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك.

وعن سالم بن عبد الله : أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت، وبعد الجمرة.

فقالت عائشة: طيبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيدي لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، وسنة رسول الله أحق.

قال الشافعي: فترك سالم قول جده لروايتها.

قال ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا شأن كل مسلم، لا كما تصنع فرقة التقليد. انتهى.

وأقول: في هذا دلالة على أن الصحابة والتابعين ومن تبعهم، لم يبلغ إليهم بعض الأحاديث، مع قرب المجلس والعهد، ولما بلغهم، قدموه على الرأي والاجتهاد.

[ ص: 323 ] وكذلك الأئمة الأربعة لم يبلغهم بعض السنن، فقالوا فيما كان سبيله كذا بالقياس والرأي، ثم إذا بلغهم فيه نص من الخبر، أو الأثر، تركوا رأيهم، وصاروا إليه.

وهكذا ينبغي لكل من يؤمن بالله ورسوله وباليوم الآخر.

وليس عدم علمهم ببعض الأخبار نقصا فيهم، بل هو من كمال علمهم، وقوة يقينهم، وتمام إخلاصهم.

وإنما يعده نقصا من هو مقلد لهم، ماش على اجتهادهم، آخذ برأيهم في مقابلة الأدلة الكتابية والحديثية.

وإذا قال أحد من أهل الإنصاف: إن هذا الحديث لم يبلغ إلى الإمام أبي حنيفة، أو صاحبيه، وهو بلغنا، فعلينا اتباعه لا اتباعهم في المسألة الفلانية، يظن المقلد الجاهل أن هذا القول من ذلك القائل طعن في الإمام، ورد لقوله.

وهذا في زعمه لا ينزل من مرتبة الكفر والارتداد، ونعوذ بالله من الجهل.

ولو رد أحد آية من كتاب الله، أو حديثا جاء به رسول الله؛ تأييدا لمذهبه، ومذهب إمامه، لم يكن ذلك عنده عيبا ولا نقصا، مع أن هذا الرد كفر بواح لا شك فيه ولا ريب.

ولم يدر هذا السفيه المسمى بالفقيه: أن هذا القول من ذلك القائل بيان للواقع، ولما في نفس الأمر، وليس من طعن وتشنيع في شيء، وقد شركه في ذلك أكابر الصحابة وغيرهم من المجتهدين، وليس هذا خاصا به.

ومعاذ الله من أن يطعن أحد من المسلمين في إمام من أئمة الدين، الذي ثبت علمه، وورعه، وتقواه لله، ونهيه عن تقليده وتقليد من سواه، أو يظن السوء به في أمر من الأمور، من غير بصيرة بأحواله وأقواله وأفعاله.

وإنما ذلك صنع من عمي بصره عن الحق، وصار أصم وأبكم عن النصفة، قاتل الله من نظر إلى الأئمة المجتهدين الأربعة وغيرهم من سلف الأمة، [ ص: 324 ] ومحدثيها بعين الازدراء، وأباد من رأى جواز الاستخفاف بهم، والنيل منهم واستهانتهم لغلبة الأهواء.

نعم إنما الاعتراض على المقلدة، وعلى من يقدم قولهم على قول الله وقول رسوله، على بصيرة منه بهما، وبعد بلوغ الآية والحديث إليه، وظهور الحق وضعف الباطل، من الرأي والقياس؛ فإن هذا مذموم على لسان الله ولسان رسوله، فنروي ما جاء عنهما كما جاء عنهما، ونقول به كما قالاه، رضي منا المقلدون المتفقهون، أو سخطوا علينا، وهم عن العلم عاطلون.

ومن هؤلاء السفهاء حتى يلتفت إليهم؟ وأي شيء هذه الجهلة حتى يعتمد عليهم ويبالى بهم؟ أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين.

قال الحافظ ابن عبد البر في كتاب العلم: باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس وعيب الإكثار من المسائل.

وأخرج بسنده عن ابن عمرو بن العاص يرفعه: «إن الله لا ينتزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهموه انتزاعا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى الناس جهالا، يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون».

وفي سنده ابن لهيعة، وفيه مقال، وله طرق. والحديث دل على أن المفتي بالرأي جاهل ضال مضل للناس. وقد كثر مثل هؤلاء المفتين في هذا الزمان كثرة لا يأتي عليها حصر.

ثم روى بسنده أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي مرفوعا: «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة: قوم يقيسون الدين برأيهم، يحرمون به ما أحل الله، ويحللون به ما حرم الله».

وفي رواية أخرى: «يقيسون الأمور برأيهم، فيحللون الحرام، ويحرمون الحلال». انتهى.

[ ص: 325 ] أخرجه البيهقي بسنده في: «المدخل» إلى نعيم بن حماد أيضا، وقال: تفرد هو به، وساقه عنه جماعة من الضعفاء وفي هذا ذم القياس وذم أهله، وكم نطق سلف هذه الأمة وأئمتها بذمه في كتبهم، ونقل عنهم من جاء بعدهم.

ولكن أرى الجهلة من جماعة التقليد، وفرقة الرأي أنهم إذا ذكرت لهم مثل هذه الأخبار والآثار، قالوا: مراد الذاكر من هذه: الطعن في الإمام الأعظم خاصة؛ ظنا منهم أن مصداق تلك الأحاديث هو مذهبه لبنائه على الرأي في غالب المسائل.

ولم يدر هؤلاء الحمقاء: أن الرأي لا يخلو منه مذهب من المذاهب المتداولة، ولا مشرب من المشارب المتعارفة، وإنما التفاوت بينها باعتبار قلة الرأي وكثرته.

فمنها: ما فيه الرأي أكثر، والرواية أقل، ومنها: ما فيه الرواية أكثر، والرأي أقل.

ومنها: ما هو كثير الاجتهاد، وما هو قليله في الاعتداد؛ كمذهب الحنفية والشافعية.

وأما أهل السنة الخالصة، والجماعة الناجية - أعني: أصحاب الحديث، وحملة الأخبار، ونقلة الآثار، الذين هم عصابة الإسلام، وبرك الإيمان، وخلاصة الإحسان، وأئمة الدين- فليس لهم مذهب أصلا حتى يندرج فيه الرأي، أو يدخل فيه القياس.

بل مشربهم كوثر الحديث النبوي، وحوض الخبر المصطفوي، فهم يكرعون من سلسبيل الإسلام الخالص، ويشربون من عين الإيمان الصرف، ولهم استنكاف من أن يتشبثوا كالغريق بكل حشيش، أو يلذوا من الموائد بكل خسيس. عافاهم الله تعالى عن التدنس بأدناس التقاليد، ومد لهم على لسان رسوله فهم لأبواب الخير مقاليد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث