الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الذي يحرم من الرضاع والذي لا يحرم

وسئل رحمه الله تعالى ما الذي يحرم من الرضاع ؟ وما الذي لا يحرم ؟ وما دليل حديث عائشة رضي الله عنها " { أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } . ولتبينوا جميع التحريم منه ؟ وهل للعلماء فيه اختلاف ؟ وإن كان لهم اختلاف فما هو الصواب والراجح فيه ؟ وهل حكم رضاع الصبي الكبير الذي دون البلوغ أو الذي يبلغ حكمه حكم الصغير الرضيع ; فإن بعض النسوة يرضعن أولادهن خمس سنين ; وأكثر وأقل ؟ وهل يقع تحريم بين المرأة والرجل المتزوجين برضاع بعض قراباتهم لبعض ؟ وبينوه بيانا شافيا ؟

التالي السابق


الجواب : الحمد لله . حديث عائشة حديث صحيح متفق على صحته ; وهو متلقى بالقبول ; فإن الأئمة اتفقوا على العمل به ولفظه : { يحرم من الرضاع ما يحرم من [ ص: 37 ] النسب } " والثاني : " { يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة } " : وقد استثنى بعض الفقهاء المستأخرين من هذا العموم صورتين ; وبعضهم أكثر من ذلك وهذا خطأ ; فإنه لا يحتاج أن يستثنى من الحديث شيء . ونحن نبين ذلك فنقول . إذا ارتضع الرضيع من المرأة خمس رضعات في الحولين صارت المرأة أمه وصار زوجها الذي جاء اللبن بوطئه أباه فصار ابنا لكل منهما من الرضاعة وحينئذ فيكون جميع أولاد المرأة من هذا الرجل ومن غيره وجميع أولاد الرجل منها ومن غيرها إخوة له سواء ولدوا قبل الرضاع أو بعده باتفاق الأئمة .

وإذا كان أولادهما إخوته كان أولاد أولادهما أولاد إخوته فلا يجوز للمرتضع أن يتزوج أحدا من أولادهما ولا أولاد أولادهما ; فإنهم : إما إخوته وإما أولاد إخوته وذلك يحرم من الولادة . وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته من الرضاع وأبوها وأمها أجداده وجداته من الرضاع فلا يجوز له أن يتزوج أحدا من إخوتها . ولا من أخواتها وإخوة الرجل أعمامه وعماته . وأبو الرجل وأمهاته أجداده وجداته ; فلا يتزوج بأعمامه وعماته ولا بأجداده وجداته ; لكن يتزوج بأولاد الأعمام والعمات ; فإن جميع أقارب الرجل حرام عليه ; أولاد الأعمام والعمات ; وأولاد الخال والخالات كما ذكر الله في قوله [ ص: 38 ] { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك } فهؤلاء " الأصناف الأربعة " هي المباحات من الأقارب فيبحن من الرضاعة . وإذا كان المرتضع ابنا للمرأة وزوجها فأولاده أولاد أولادهما ويحرم على أولاده ما يحرم على الأولاد من النسب . فهذه الجهات الثلاث منها تنتشر حرمة الرضاع .

وأما إخوة المرتضع من النسب ; وأبوه من النسب وأمه من النسب : فهم أجانب أبيه وأمه وإخوته من الرضاع ; ليس بين هؤلاء وهؤلاء صلة ولا نسب ولا رضاع ; لأن الرجل يمكن أن يكون له أخ من أبيه وأخ من أمه ولا نسب بينهما ; بل يجوز لأخيه من أبيه أن يتجوز أخاه من أمه ; فكيف إذا كان أخ من النسب وأخت من الرضاع ; فإنه يجوز لهذا أن يتزوج هذا ولهذا أن يتزوج هذا . وبهذا تزول الشبهة التي تعرض لبعض الناس فإنه يجوز للمرتضع أن يتزوج أخوه من الرضاعة بأمه من النسب كما يتزوج بأخته من النسب . ويجوز لأخيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاعة وهذا لا نظير له في النسب ; فإن أخ الرجل من النسب لا يتزوج بأمه من النسب . وأخته من الرضاع ليست بنت أبيه من النسب ولا ربيبته فلهذا جاز أن تتزوج به . [ ص: 39 ] فيقول من لا يحقق : يحرم في النسب على أخي أن يتزوج أمي ولا يحرم مثل هذا في الرضاع . وهذا غلط منه ; فإن نظير المحرم من النسب أن تتزوج أخته أو أخوه من الرضاعة بابن هذا الأخ أو بأمه من الرضاعة كما لو ارتضع هو وآخر من امرأة واللبن لفحل ; فإنه يحرم على أخته من الرضاعة أن تتزوج أخاه وأخته من الرضاعة ; لكونهما أخوين للمرتضع ويحرم عليهما أن يتزوجا أباه وأمه من الرضاعة ; لكونهما ولديهما من الرضاعة ; لا لكونهما أخوي ولديهما . فمن تدبر هذا ونحوه زالت عنه الشبهة .

وأما " رضاع الكبير " فإنه لا يحرم في مذهب الأئمة الأربعة ; بل لا يحرم إلا رضاع الصغير كالذي رضع في الحولين . وفيمن رضع قريبا من الحولين نزاع بين الأئمة ; لكن مذهب الشافعي وأحمد أنه لا يحرم . فأما الرجل الكبير والمرأة الكبيرة فلا يحرم أحدهما على الآخر برضاع القرايب : مثل أن ترضع زوجته لأخيه من النسب : فهنا لا تحرم عليه زوجته ; لما تقدم من أنه يجوز له أن يتزوج بالتي هي أخته من الرضاعة لأخيه من النسب ; إذ ليس بينه وبينها صلة نسب ولا رضاع ; وإنما حرمت على أخيه لأنها أمه من الرضاع وليست أم نفسه من الرضاع . وأم المرتضع من الرضاع لا تكون أما لإخوته من النسب ; لأنها إنما أرضعت الرضيع ولم ترضع غيره . نعم : [ ص: 40 ] لو كان للرجل نسوة يطؤهن وأرضعت كل واحدة طفلا لم يجز أن يتزوج أحدهما الآخر ; ولهذا لما سئل ابن عباس عن ذلك قال : اللقاح واحد . وهذا مذهب الأئمة الأربعة ; لحديث أبي القعيس الذي في الصحيحين عن عائشة وهو معروف . وتحرم عليه أم أخيه من النسب ; لأنها أمه أو امرأة أبيه ; وكلاهما حرام عليه .

وأما أم أخيه من الرضاعة فليست أمه ولا امرأة أبيه ; لأن زوجها صاحب اللبن ليس أبا لهذا ; لا من النسب ولا من الرضاعة . فإذا قال القائل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب } " وأم أخيه من النسب حرام فكذلك من الرضاع .

قلنا : هذا تلبيس وتدليس ; فإن الله لم يقل : حرمت عليكم أمهات أخواتكم ; وإنما قال : { حرمت عليكم أمهاتكم } وقال تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } فحرم على الرجل أمه ومنكوحة أبيه وإن لم تكن أمه . وهذه تحرم من الرضاعة فلا يتزوج أمه من الرضاعة . وأما منكوحة أبيه من الرضاع فالمشهور عند الأئمة أنها تحرم ; لكن فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر ; لا بالنسب والولادة . وليس الكلام هنا في تحريمها فإنه إذا قيل : تحرم منكوحة أبيه من الرضاعة وفينا بعموم الحديث . وأما أم أخيه التي ليست أما ولا منكوحة أب : فهذه لا توجد في [ ص: 41 ] النسب ; فلا يجوز أن يقال : تحرم من النسب فلا يحرم نظيرها من الرضاعة فتبقى أم الأم من النسب لأخيه من الرضاعة أو الأم من الرضاعة لأخيه من النسب : لا نظير لها من الولادة فلا تحرم . وهذا متفق عليه بين المسلمين . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث