الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع شراء الدراهم من الصراف وبيعها منه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله وإن تبايعا دراهم بدنانير في الذمة وتقابضا ، ثم وجد أحدهما بما قبض عيبا نظرت فإن لم يتفرقا جاز أن يرد ويطالب بالبدل ، لأن المعقود عليه ما في الذمة وقد قبض قبل التفرق وإن تفرقا ففيه قولان ( أحدهما ) يجوز إبداله لأن ما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده كالمسلم فيه ( والثاني ) لا يجوز وهو قول المزني لأنه إذا أبدله صار القبض بعد التفرق وذلك لا يجوز

التالي السابق


( فرع ) يجوز أن يشتري الدراهم من الصراف ويبيعها منه بعد القبض وتمام العقد بالتفرق أو التخاير بأقل من الثمن أو أكثر . سواء جرت له بذلك عادة أم لا ما لم يكن ذلك مشروطا في عقد البيع ، قاله الشافعي والأصحاب خلافا لمالك ، حيث قال : إن كان ذلك عادة له حرم ، وتمسك الأصحاب بأن العادة الخاصة لا تنزل منزلة الشرط . كما لو نكح من عادته الطلاق لا يجعل ذلك كشرط الطلاق في العقد ، وكذلك لا فرق بين أن يكون ذلك مقصودا أو غير مقصود ، حتى قال القاضي حسين وغيره : إذا كان معه دينار وأراد أن يبيعه بدينار وسدس أو أكثر منه فالحيلة أن يبيع الدينار منه بالدراهم ، ويتقابضا العوضين ويتخايرا ثم يشتري منه بتلك الدراهم دينارا وسدسا أو ما يزيد .

[ ص: 141 ] قال الأصحاب : وإذا أراد بيع صحاح بمكسرة أكثر من وزنها يبيع الدراهم بالدنانير أو الدنانير بالدراهم أو بعرض ، ثم إذا تقابضا وتفرقا وتخايرا اشترى بالدراهم أو بذلك العرض المكسرة ويجوز ذلك . سواء فعله في مجلس واحد مرة أو مرارا ، وقد أطبق جمهور الأصحاب تبعا للشافعي على ذلك مع مخالفة الأئمة الثلاثة ، ولو كان ذلك في غير أموال الربا جاز أيضا من غير فرق بين أن يكون العقد الأول حالا أو مؤجلا ، فيجوز أن يبيع الشيء إلى أجل .

قال الشافعي رحمه الله : من باع سلعة من السلع إلى أجل وقبضها المشتري فلا بأس أن يبيعها من الذي اشتراها منه بأقل من الثمن أو . أكثر أو دين أو نقد لأنها بيعة غير البيعة الأولى ، وقال بعض الناس : لا يشتريها البائع بأقل من الثمن .

وزعم أن القياس أن ذلك جائز ولكنه زعم تتبع الأثر ومحمود منه أن يتبع الأثر الصحيح فلما سئل عن الأثر إذا هو أبو إسحاق عن امرأته عالية بنت أنفع أنها دخلت مع امرأة أبي السفر على عائشة فذكرت لعائشة بيعا باعته من زيد بن أرقم بكذا أو كذا إلى العطاء ثم اشترته منه بأقل من ذلك . فقالت عائشة رضي الله عنها : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ، أخبري ، زيد بن أرقم أن الله - عز وجل - قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب "

وقال في الأم في باب بيع الآجال أصل ما ذهب إليه من ذهب في بيوع الآجال أنهم رووا عن عالية بنت أنفع " أنها سمعت عائشة أو سمعت امرأة أبي السفر تروي عن عائشة أن امرأة سألتها عن بيع باعته من زيد بن أرقم بكذا وكذا إلى العطاء ثم اشترته منه بأقل نقدا ، فقالت عائشة : بئس ما شريت وبئس ما ابتعت ، أخبري زيد بن أرقم أن الله عز وجل قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشافعي رضي الله عنه : قد تكون عائشة - لو كان هذا ثابتا عنها - عابت عليها بيعا إلى العطاء لأنه أجل غير معلوم وهذا ما لا يجيزه ، ولو اختلف بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في شيء فقال بعضهم فيه شيئا ، وقال غيره خلافه فإن أصل ما نذهب إليه أنا نأخذ بقول الذي معه القياس ، والذي معه القياس قول زيد بن أرقم ، قال : وحكمة هذا أنا لا نثبت مثله على عائشة مع أن زيدا لا يبيع إلا ما يراه حلالا ولا يبتاع إلا [ ص: 142 ] مثله ، ولو أن رجلا باع شيئا أو ابتاعه نراه نحن محرما ، وهو يراه حلالا ، ثم نزعم أن الله تعالى يحبط من عمله شيئا ، وقد أشار الشافعي رضي الله عنه في هذا الكلام إلى جميع ما يقال في الجواب عن هذا الأثر فأتكلم عليه إن شاء الله تعالى .

( اعلم ) أن هذا الأثر رواه الدارقطني من طريق داود بن الزبرقان عن معمر عن أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى ، فقالت أم ولد زيد بن أرقم : يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة ، وإني ابتعته بستمائة نقدا فذكرته " وهذا أسلم في الدلالة لهم من الأول ، فإنه أطلق النسيئة ولم يعين أنه إلى العطاء حتى يحمل المنع إلى الجهالة ، لكن هذا الإسناد فيه داود بن الزبرقان ، وقال يحيى بن معين : وليس بشيء ، وقال علي بن المديني : كتبت عنه شيئا يسيرا ورميت به وضعفه جدا ، وقال الجرجاني : إنه كذاب ، وقال أبو زرعة : متروك الحديث ، وقال البخاري : هو مضرب الحديث ، وقال ابن أبي عدي هو في جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم ، روى له الترمذي وابن ماجه وقال ابن حبان : داود بن الزبرقان لا أتهمه في الحديث ، وقال أبو حاتم : داود بن الزبرقان شيخ صالح يحفظ الحديث ويذاكر ، ولكنه كان يهم في المذاكرة ويغلط في الرواية إذا حدث من حفظه ، ويأتي الثقات ما ليس من أحاديثهم فلما نظر يحيى إلى تنكر الأحاديث أنكرها وأطلق عليه الجرح بها ، وأما أحمد بن حنبل فإنه علم ما قلنا وأنه لم يكن بالمتعمد في شيء من ذلك ولا يستحق الإنسان الجرح بالخطأ بخطأ أو الوهم بوهم ما لم يفحش ذلك حتى يكون الغالب على أمره ، فإذا كان كذلك استحق الترك . وداود بن الزبرقان عنده صدوق فيما وافق الثقات ، إلا أنه لا يحتج به إذا انفرد . هذا كلام ابن حبان ، وجعله من المختلف فيهم ، ووعد هنا بأن يملي كتابا فيهم ويذكر السبب الداعي لهم في ذلك والصواب فيه ، لئلا يطلق على مسلم الجرح بغير علم وقال النسائي : داود بن الزبرقان ليس بثقة .

[ ص: 143 ] ورواه أبو الحسن الدارقطني أيضا عن محمد بن مخلد قال : حدثنا عباس ومحمد قالا : حدثنا فرداد أبو نوح ، قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية قالت خرجت أنا وأم محبة إلى مكة فدخلنا على عائشة رضي الله عنها فسلمنا عليها فقالت لنا : ممن أنتن ؟ قلنا : من أهل الكوفة . قالت : فكأنها أعرضت عنا ، فقالت لها أم محبة : يا أم المؤمنين كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه ، وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة نقدا ، قالت فأقبلت عليها فقالت : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت . فأبلغي زيدا أن الله قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب . فقالت لها : أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي ؟ قالت : { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف } .

وهذا إسناد . وحجة المخالف أيضا في ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد ، سلط الله تعالى عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم } " انفرد أبو داود عن بقية الأئمة الستة بتخريج هذا الحديث ، ولم يذكر الخطابي في كلامه عن السنن هذا الباب بالجملة الكافية . وفسر أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل غير مسمى ، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به . قال : وإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل [ ص: 144 ] مسمى ، باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة ، وهي أهون من الأولى ، وهو جائز عند بعضهم وسميت عينة بحصول النقد لصاحب العينة ، وذلك أن العين هو المال الحاضر فالمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من نقده .

انتهى كلام الهروي وجعله اسم العينة يشمل الأمرين المذكورين مختلفون فيه . منهم من جعل العينة اسما للثاني فقط ، ويسمي الأول الذي نحن فيه شراء ما باع وهذا صنع الحنفية وعبارتهم ، وقال ابن فارس وغيره من أهل اللغة : العينة السلف ، وعينة كل شيء خياره قالوا : ويقال أعيان إذا اشترى بالعينة وإذا أسلف ، وأنشد الشيخ أبو حامد قول الشاعر :

أندان أم نعتان أم ينبري لنا فتى مثل حد السيف ميزت مضاربه

ويصحح الحنفية الثاني المسمى عندهم بالعينة دون الأول . ومن العلماء من يجعل اسم العينة شاملا للأمرين جميعا كما قال الهروي وكذلك إطلاق أصحابنا وإلى ذلك جنح المالكيون ، والاحتجاج بحديث " النهي عن العينة " حسد يكون من جهتهم لا من جهة الحنفية . والجواب عن الحديث المذكور أنه من رواية أبي عبد الرحمن الخراساني ، واسمه إسحاق بن أسيد - بفتح الهمزة - قال أبو حاتم الرازي فيه : شيخ ليس بالمشهور ولا يستقل به . وعن أبي أحمد بن عدي قال : هو مجهول ، ولعل المراد بذلك جهالة الحال ، فإنه قد روى عنه حيوة بن شريح في [ ص: 145 ] هذا الإسناد الذي في السنن والليث بن سعد ، ذكر ذلك البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم في كتابه عن أبيه وأبي زرعة وروى عنه أيضا سعيد بن أبي أيوب . قاله البخاري في تاريخه وابن لهيعة قاله أبو حاتم فقد ارتفعت جهالة العين وقد اعترض كل من الفريقين عن الآخر به من الحديثين باعتراضات ( منها ) أن قولعائشة رضي الله عنها وتغليطها في ذلك لا يكون مثله في مسائل الاجتهاد ، فدل على أنه توقيف ( ومنها ) أن الحمل على أن ذلك للتأجيل بالعطاء ممتنع لأن عائشة رضي الله عنها كانت تذهب إلى جواز البيع إلى العطاء ( ومنها ) أنها تثبت جهة المنع في ذلك ، وأنه مما يتعلق بالربا لما استشهدت بقوله تعالى { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى } وقد تقدم قول إمام الحرمين في التوفيق بين النقلين عن عائشة ، وبقية ما قالوه ممنوع ، وقد سلموا بأن القياس الجواز .

قالت المالكية : إلا أن تركه واجب لما هو أقوى منه ، وهو وجوب بالذرائع والقول بالذرائع أسهل في نفسه إلا أن الجزاء مقدم عليه ، قالوا : ووجه الذريعة فيها هو أن البائع دفع مائة نقدا ليأخذ مائة وخمسين إلى أجل ، وذكر السلعة والتبايع لغو ، وهذه ذريعة لأهل العينة ، أن يقول الرجل للرجل : أتبيع لي هذه السلعة بعشرة دنانير وأنا أربحك دينارا ؟ فيفعل ذلك ، فيحصل منه قرض عشرة دنانير بأحد عشر من غير حاجة بالبائع إلى السلعة وإنما تذرع بها إلى قرض ذهب بأكثر منها ، وإذا وجدنا فعلا من الأفعال يقع على وجه واحد ولا يختلف إلا بالنية من فاعله والقصد وكان ظاهره واحدا ، ولم يكن لنا طريق إلى تمييز مقاصد الناس ولا إلى تفصيل قصودهم وأغراضهم ، وجب حسم الباب وقطع النظر إليه فهذا وجه بناء هذه المسألة على الذريعة قالوا : فإن سلم لنا هذا الأصل بنينا الكلام عليه وإن لم يسلم نقل الكلام إليه هذا ما عولت عليه المالكية . والنزاع معهم في هذا الأصل مشهور في الأصل ، وقد وافقونا كما ظهر من كلامهم على عدم إناطة الأحكام بالمقاصد ، ووجوب ربطها بمظان ظاهرة فقد يوجد القصد الفاسد في عقد نتفق نحن وهم على الحكم بصحته وقد [ ص: 146 ] يعدم القصد الفاسد في عقد يحكمون هم بفساده ، والحكم حينئذ بالفساد احتكام بنصب شيء مفسد ، وذلك منصب الشارع ليس لآحاد الفقهاء استقلال به ، فإذا لم يكن الرجوع إلى المقاصد الخفية جائزا اتفاقا فالأولى الاعتماد على ظواهر العقود الشرعية ، وعدم الأحكام بأمر آخر وليس هذا موضع الإطناب في ذلك .

وقد استدل الأصحاب في هذه المسألة وشبهها بالحديث الثابت في الصحيحين عن أبي سعيد وأبي هريرة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب ، فقال أتمر خيبر هكذا ؟ قال : إنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة قال : لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا } ولم يفصل بين أن يشتري من المشتري أو من غيره ، فقد أرشده صلى الله عليه وسلم إلى الخلاص من الربا بذلك وإن كان المقصود تحصيل الجنيب بالجمع وقد أطنب المالكية في فروع هاتين المسألتين ، والأولى التي صدرنا الكلام بها مترجمة عندهم ببيوع الآجال .

وتنقسم أقساما كثيرة جدا ، وفي بعضها ما هو صحيح عندهم والمسألة الثانية مسألة العينة . والله تعالى أعلم . واعلم أن المسألة تارة تفرض في الصرف فلا يتصور دخول الأجل فيها ، وتارة تفرض في غير الصرف ، فتقع تارة بدون الأجل وتارة بالأجل وبوب الأصحاب لها ( باب الرجل يبيع الشيء بأجل ثم يشتريه بأقل من الثمن ) فهذه الترجمة أخص من شراء ما باع بأقل مما باع ، وكل ذلك عندنا جائز .

قال القاضي حسين في تعليقه : سمعت القاضي أبا علي يقول : المسألة عندنا أنه بيع ربح ما لم يضمن ، وقد صح النهي عنه ، وإنما ادعيناه لأن حقيقة الربح الفاضل له بالعقد الثاني على ما ملك عليه بالعقد الأول ، أو فضل ما بين المضمون عليه بالبيع والمضمون عليه بالشراء ، والإنسان مرة يربح بأن يبيع بأكثر مما اشترى ، وأخرى بأن يشتري بأقل مما باع ، والربح لا يكاد يتحقق إلا بعقدين ، فتعود العين إليه مع خلوص الربح له وهذا مجرد الدعوى ، بل حقيقة الربح قصر ما يملك على ما لا يملك ، يدل عليه أنه لو باع الموروث أو الموهوب بأكثر من قيمته ، حسن أن يقال ربح عليه ، [ ص: 147 ] وإن لم يكن مضمونا له في الشرائط ، هذا كلام القاضي حسين ، وأبو علي الذي حكى عنه القاضي هو من أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه فيما أظن .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث