الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باع في مرض موته شقصا بدون ثمن المثل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله وإن تبايعا دراهم بدنانير في الذمة وتقابضا ، ثم وجد أحدهما بما قبض عيبا نظرت فإن لم يتفرقا جاز أن يرد ويطالب بالبدل ، لأن المعقود عليه ما في الذمة وقد قبض قبل التفرق وإن تفرقا ففيه قولان ( أحدهما ) يجوز إبداله لأن ما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده كالمسلم فيه ( والثاني ) لا يجوز وهو قول المزني لأنه إذا أبدله صار القبض بعد التفرق وذلك لا يجوز

التالي السابق


( وأما ) مسألة المريض إذا باع في مرض موته شقصا بدون ثمن المثل ، فالخلاف فيها على خمسة أوجه ( أصحها ) أنه يأخذ ( وقيل ) يصح البيع ولا يأخذه الوارث بالشفعة لما ذكر وهو الأصح عند ابن الصباغ ( وقيل ) لا يصح البيع أصلا ، وهذا الوجه والأول من جملة أربعة أوجه منقولة عن ابن سريج وظاهر هذين الوجهين الآخرين أنه يلزم مجيء مثله في مسألتنا هذه ، فقياس قول ابن الصباغ أنه لا يصح البيع الأول ولا الثاني ، وقياس الوجه الآخر ألا يصح العقد الثاني . والحق أن كلا من الوجهين لا يلزم في مسألتنا هذه لأمرين ( أحدهما ) بالفرق بين المسألتين فإن الشفيع مسلط على الأخذ من المشتري قهرا ، ومحاباة المريض للمشتري تبرع ، فهو بالمحاباة في هذه الصورة أوجد تبرعا يقدر الوارث على الاستبدال بأخذه بدون رضا المشتري فأشبه التبرع الحاصل [ ص: 150 ] من المريض للوارث فإن أخذ الوارث قهرا من المشتري مثل قبوله من المريض بخلاف مسألتنا هذه فإن البائع لا يستقل بالعقد الثاني ، بل يفتقر إلى إيجاب وقبول ، وقد لا يوافقه المشتري عليه .

( والأمر الثاني ) أن التخريج في المذهب إنما يكون من أقوال الإمام ، أما الوجوه المنقولة عن بعض الأصحاب فإنما يلزم قائلها إذا لم يظهر فرق وقد ظهر الفرق ، والله أعلم .

( فرع ) أكثر أصحابنا أطلقوا الجواز في ذلك ولم يبينوا هل المراد الجواز مع الكراهة أو بدونها ، وقد صرحالروياني في البحر وابن أبي عصرون في الانتصار والنووي في الروضة بالكراهة في ذلك ، ونقله ابن عبد البر عن الشافعي وقال النووي : إن دلائل الكراهة أكثر من أن تحصى واستدل له ابن عصرون بأن كل ما يجوز التصريح بشرطه في العقد يكره قصده ، وقال ابن داود شارح مختصر المزني : إنه إن اتخذ ذلك عادة كره فأفهم أنه لا يكره إذا لم يكن عادة ( والصواب ) ما تقدم ، وأنه متى كان مقصودا كره ، سواء اعتاده أو لم يعتده ، نعم إن جرى ذلك بغير قصد للمكروه ولا عادة ، كقصة عامل خيبر ، فينبغي الجزم بعدم الكراهة ( والحاصل ) أنها مراتب : ( الأولى ) أن يجري ذلك بقصد المكروه من أهل التهمة ، فهو حرام عند المالكية ، جائز عندنا مع الكراهة .

( الثانية ) أن يجري من غير قصد للمكروه ، ولا يكون الشخص ممن يتطرق إليه التهمة كقصة عامل خيبر ، فالذي ينبغي الجزم به عدم الكراهة ، فإنه لغرض صحيح وهو التخلص من الربا أو أنه وقع اتفاقا ، فالظاهر من كلام المالكية أنه حرام اعتبارا بالصورة الظاهرة ومظنة التهمة . وفي كلام بعضهم ما يقتضي جوازه كما سنحكيه عنه إن شاء الله تعالى .

( المرتبة الثالثة ) أن يجري بقصد المكروه من غير أهل التهمة فيكره عندنا ومقتضى مذهب مالك وإناطتهم ذلك بالمظنة أن يجوزوه ( واعلم ) أن مسألة بيوع الآجال تصنيف لكني أذكر نبذة يسيرة جدا .

[ ص: 151 ] فرع ) في نبذة يسيرة من كلام المالكية . قال ابن رشد في البيان والتحصيل : وهذه مسألة تنتهي في التفريع إلى أربع وخمسين مسألة ثمان عشرة مسألة في الشراء بالنقد ، وثمان عشرة مسألة في الشراء إلى أجل مقاصة ، وثمان عشرة مسألة في الشراء إلى أبعد من الأجل ، وذلك أنه قد يشتري منه الطعام بعينه الذي باع منه قبل أن يغيب عنه بمثل الثمن وبأقل منه وبأكثر نقدا ، وقد يشتريه منه وزيادة عليه بمثل الثمن أيضا وبأقل منه وبأكثر نقدا ، فهذه تسع مسائل إذا لم يغب المبتاع عن الطعام ، وتسع أخر : إذا غاب عليه ثمان عشرة مسألة في الشراء بالنقد ومثلها في الشراء إذا غاب إلى أجل مقاصة ومثلها أيضا في الشراء إلى أبعد من الأجل ، فمنها خمس عشرة مسألة لا تجوز ، وهي أن يشتري منه بأقل من الثمن نقدا الطعام الذي باع منه بعينه قبل أن يغيب عليه ، أو بعضه أو كله وزيادة عليه أو أن يشتري منه بأقل من الثمن أيضا مثل الطعام الذي باع منه بعد أن غاب عليه أو أقل منه نقدا أو مقاصة ، وأن يشتري منه الطعام بعينه الذي باع منه وزيادة عليه بمثل الثمن أو أكثر منه نقدا أو مقاصة وبالله التوفيق .

وقال أبو إسحاق التونسي المالكي في تعليقه في باب ما يكره من العينة وبيوع الآجال في كتاب ابن الموان من قول مالك وأصحابه : إنما تكره العينة في البيع إلى أجل وأما بيع النقود فلا إلا من عرف بالعينة المكروهة .

وإذا كانت البيعة الأولى إلى أجل والثانية نقدا أو إلى أجل اتهم فيها كل أحد وإذا كانت الأولى نقدا فلا يتهم في الثانية إلا العينة خاصة ( قال أصبغ ) : وإذا كان أحدهما من أهل العينة فالحمل على أنهما جميعا من أهلها . ووقع لابن وهب إذا كانت الأولى ، نقدا والثانية إلى أجل أنهما يتهمان فيهما ، كما يتهمان إذا كانت الأولى إلى أجل ، وخالفه ابن القاسم وأشهب .

قال أعني التونسي ومما يكره من البياعات من أهل العينة ، مثل أن يبيع رجل منه سلعة بعشرة نقدا ثم يشتريها منه البائع بخمسة عشر نقدا أو إلى أجل فيتهم المشتري أو يكون دفع عشرة انتفع بها البائع ورد عوضها خمسة عشر وكانت سلعته لغوا لرجوعها إليه ، ومثل أن يبيع منه سلعة بعشرة نقدا أو بعشرة إلى أجل فلا يجوز في أهل العينة لأنهما يحملان على أنه إنما باع منه السلعة ما بعد [ ص: 152 ] العشرة التي يأخذها البائع نقدا ، فكأنه قال : اذهب فبع منها بعشرة تدفعها إلي والباقي بعته منك بعشرة إلى أجل ، وهو مجهول . ومثله من أهل العينة إذا كان إنما يشتري ليبيع لا ليأكل ، مثل أن يبيع منه سلعة بعشرة إلى أجل فيذهب فيقول : بعتها بثمانية فحط عني من الربح قدر الدينارين ، فلا يجوز أيضا هذا من أهل العينة الذين يبيعون ، وكأنه إنما عقد معه على أنه ما صح لك فيها ربحت عليك فيه الدرهم درهما أو نصفا ، فصار أصل المبيع الأول لا يعلم ما ثمنه إلا بعد بيعه . وهذا لمن يشتري ليبيع ، ويجوز هذا لمن أراد أن يأكل أو ينتفع ، وإن كان من أهل العينة . ومن ذلك أن يقول له : اشتر لي سلعة كذا وكذا وأربحك فيها كذا إلى أجل كذا ، فهو مكروه ، وأكثر المالكية من هذه المسائل وأخواتها جدا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث