الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوجه الأول والثاني

[ ص: 247 ] لنا : وجوه :

الأول : القياس يتضمن دفع ضرر مظنون ، وهو واجب عقلا ، فالقياس واجب عقلا ، والوجوب يستلزم الجواز .

أما الأولى : فلأنا إذا ظننا أن الحكم في محل النص معلل بكذا وظننا وجود العلة في محل آخر ، ظننا أن الحكم فيه كذا ، فظننا بأننا إن اتبعناه سلمنا من العقاب ، وإن خالفناه عوقبنا ، ففي اتباعه دفع ضرر مظنون .

وأما الثانية : فلقوله تعالى : واتقوا النار ونحوه .

الثاني : قوله تعالى : قل يحييها الذي أنشأها ، ضرب لكم مثلا من أنفسكم ونحوه قياس في العقليات ففي الظنيات أجوز .

التالي السابق


قوله : " لنا : " ، يعني على جواز التعبد بالقياس عقلا ووقوعه شرعا ، " وجوه " :

قوله : الوجه " الأول " : أن " القياس يتضمن دفع ضرر مظنون " ، ودفع الضرر المظنون " واجب عقلا ، فالقياس واجب عقلا ، والوجوب يستلزم الجواز " ؛ لأن الوجوب أخص من الجواز ، فيلزم من وجوده وجود الأعم ، والغرض من هذا أن الدليل المذكور يدل على جواز القياس ووجوبه عقلا .

" أما الأولى " : يعني أما المقدمة الأولى من مقدمتي هذا الدليل ، وهي أن " القياس يتضمن دفع ضرر مظنون " ، أي : يظن وقوعه ; " فلأنا إذا ظننا أن الحكم في محل النص معلل بكذا " ، أي : بوصف ما ; " وظننا وجود العلة في [ ص: 248 ] محل آخر ; ظننا " ، أي : حصل لنا الظن " بأن الحكم " في هذا المحل كالحكم في محل النص .

مثاله : إذا ظننا أن تحريم الخمر معلل بالإسكار ، وظننا وجود الإسكار في النبيذ ، غلب على ظننا أن حكمه حكم الخمر في التحريم . وحينئذ يحصل لنا الظن بأنا إن اتبعنا الظن الحاصل لنا من القياس باجتناب النبيذ مثلا ، " سلمنا من العقاب ، وإن خالفناه " ، فشربنا النبيذ ، " عوقبنا " ، فتحقق بهذا التقرير أن في اتباع القياس " دفع ضرر مظنون " .

" وأما الثانية " : يعني المقدمة الثانية من مقدمتي الدليل ، وهو أن دفع الضرر المظنون واجب عقلا وشرعا .

أما عقلا ، فلأن العاقل إذا غلب على ظنه بقرينة ، أو بخبر ثقة أنه إن سلك هذا الطريق ، أكله السبع ، أو أخذ اللصوص ماله ; وإن لم يسلكه أو سلك غيره ، سلم من ذلك ، فالعقل يضطره إلى اجتناب ذلك الطريق المخوف .

وأما شرعا ; " فلقوله تعالى : واتقوا النار التي أعدت للكافرين [ آل عمران : 131 ] ، ونحوه " من الوعيد الشرعي ، واتقاء النار إنما يحصل باجتناب المعاصي مقطوعها ومظنونها .

الوجه " الثاني : قوله " - سبحانه وتعالى - : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم [ يس : 79 ] ، وقوله تعالى : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء [ الروم : 28 ] الآية ، ونحو ذلك مما سنذكره في أثناء هذا الدليل إن شاء الله [ ص: 249 ] تعالى ، هو " قياس في العقليات " القطعية ، وهو إثبات التوحيد والمعاد ، فثبوت القياس في السمعيات الظنية " أجوز " ، أي : أولى بالجواز ، والمقدمتان ظاهرتان .

واعلم أن الكفار عليهم لعنة الله أنكروا الشريعة ، ومما أنكروه منها أصول مهمة كبار ، وهي وجود الصانع وتوحيده والمعاد ، وحجهم الله تعالى في جميع ذلك بالقياس العقلي .

أما الذين أنكروا وجود الصانع ، وهم معطلة العرب وغيرهم ، فاحتج الله - سبحانه وتعالى - عليهم بحجج تضمنها قوله - عز وجل : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون [ الطور : 35 - 36 ] ، وغير ذلك من آي القرآن ، وفي هذه الآية حجتان :

إحداهما : أن هؤلاء الكفار المنكرين للصانع موجودون فلا يخلو إما أن يكونوا قدماء لا أول لهم ، أو محدثين ، والأول باطل يعترفون ببطلانه ، فإنهم وجدوا بعد أن لم يكونوا ، فتعين الثاني ، وهو أنهم محدثون . وحينئذ فإما أن يكونوا خلقوا من غير شيء ، أي : من غير خالق أوجدهم ، أو أنهم خلقوا أنفسهم ، أو أن خالقا غيرهم خلقهم ، والأول باطل ، إذ لا يعقل في الشاهد فعل لا فاعل له ، ولا محدث لا محدث له ، والثاني باطل ، إذ لا يصح ولا يعقل في الشاهد ولا في غيره أن شيئا يوجد نفسه لاستلزام ذلك كونه موجودا معدوما في زمن واحد ، وهو محال ، فتعين الثالث وهو أن خالقا غيرهم خلقهم ، وهو الصانع القديم - سبحانه وتعالى - ، إذ لو لم يكن قديما ، للزم الدور أو التسلسل بدليله الكلامي .

[ ص: 250 ] الحجة الثانية : أن هؤلاء المنكرين للصانع لم يخلقوا السماوات والأرض قطعا ، وهم يعترفون بذلك أيضا ، وحينئذ فإما أن تكونا قديمتين ، أو محدثتين ، والأول باطل لقيام سمات الحدوث بهما من الحركات ، والسكنات ، والألوان ، والأكوان ، وإلى ذلك أشار إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بقوله : لا أحب الآفلين [ الأنعام : 76 ] . وإذا ثبت أن السماوات والأرض محدثتان ; فإما أن يكونا خلقتا من غير خالق ، أو خلقتا أنفسهما ، أو خلقهما غيرهما ، والأول والثاني باطل بما سبق ، فتعين الثالث كما مر ، وليس هؤلاء هم الذين قيل في حقهم : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [ لقمان : 25 ] ؛ لأن هؤلاء مثبتة للصانع ، لكنهم يشركون ، والذين نحن في تقرير الحجة عليهم معطلة ، وكلا الطائفتين كانتا في العرب على ما حكاه الشهرستاني في " الملل والنحل " وعلى هؤلاء وغيرهم حجج كثيرة في القرآن يطول استيفاؤها .

وأما الذين أنكروا التوحيد ; فمنهم من ادعى الشريك ، ومنهم من ادعى الولد .

فأما الذين اعتقدوا الشريك ، فاحتج الله تعالى عليهم بوجوه :

أحدها : دليل التمانع ، وقد ذكره الله تعالى في آيتين : إحداهما : قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [ الأنبياء : 22 ] . الثانية : قوله تعالى : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض [ المؤمنون : 91 ] .

[ ص: 251 ] وتقرير الدليل من وجهين :

أحدهما : أنه لو كان مع الله تعالى إله غيره ، لقضت العادة في الشاهد أن يقتتلا أو يختلفا على عادات الملوك إذا تنازعوا الملك ، فكان يفسد العالم باختلافهما .

الثاني : لو كان ثم إله آخر ، لكان خالقا لبعض العالم ، فكان كل واحد من الإلهين ينحاز بمخلوقه ، ثم يطلب أحدهما العلو على الآخر ، وكان ذلك يظهر للأبصار أو البصائر ، لكن لم يكن شيء من ذلك ، فدل على بطلان الدعوى .

وثم وجه ثالث ، لكنه ليس من باب قياس الشاهد ، بل من باب اجتماع الضدين ، وهو أنه لو كان ثم إله آخر ، لكان كل واحد منهما كامل القدرة والإرادة ، وإلا لم يكن إلها . وحينئذ فلو قدر أن أحدهما أراد تسكين جسم ، والآخر تحريكه ، أو أراد أحدهما إعدامه ، والآخر إيجاده ، فإن لم يتم مرادهما جميعا ، فهما عاجزان ، وليس أحدهما بإله ، وإن تم مرادهما جميعا ، لزم اجتماع النقيضين ، وإن تم مراد أحدهما ، فهو الإله ، والعاجز عن تمام مراده ليس بإله .

الوجه الثاني : من الاحتجاج على منكري التوحيد قوله - سبحانه وتعالى :

قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [ الإسراء : 42 ] ; ردا لزعم الكفار في قولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [ الزمر : 3 ] ، وعلى هذا التقدير يكون هذا الوجه مغايرا لما قبله من كل وجه .

[ ص: 252 ] الوجه الثالث : من الاحتجاج على معتقدي الشريك قوله - سبحانه وتعالى - : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم [ الروم : 28 ] . وتقرير الدليل من الآية ، كما أنه ليس لكم من عبيدكم شركاء في أموالكم وأملاككم ; كذلك يجب أن لا يكون لله - سبحانه وتعالى - شركاء من خلقه ، وكيف ترضون لله - سبحانه وتعالى - بما تأنفون منه لأنفسكم . فهذه أدلة نفي الشريك التي اخترنا ذكرها ، وفي القرآن غيرها .

وأما الذين ادعوا الولد ، فاحتج عليهم - سبحانه وتعالى - بآيات : منها قوله - عز وجل : ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به [ النحل : 57 - 59 ] ، ومنها قوله تعالى : أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا إلى قوله تعالى : أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين [ الزخرف : 16 - 18 ] ، ومنها قوله - عز وجل - : أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون [ الصافات : 153 - 154 ] ، أم له البنات ولكم البنون [ الطور : 39 ] ، ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى [ النجم : 21 - 22 ] .

وتقرير الدليل من هذه الآيات ونحوها : أنكم أيها الكفار تستحيون من حصول البنات لكم ، حتى أن أحدكم إذا بشر بأنه قد ولد له بنت اربد وجهه ، ونكس رأسه ، وحزن ، وخجل ، وذهب فوأدها ، أي : دفنها حية لئلا يلحقه العار ببقائها ، فكيف ترضون لله - عز وجل - ما تكرهونه لأنفسكم هذه الكراهة ؟ وهل هذا إلا من المستقبحات الضرورية في الشاهد ، إذ هو من باب قول الشاعر : [ ص: 253 ]

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم



وأيضا فإن أحدكم يستقبح أن يخاصم عدوه بجبان ألكن عري عن البيان ، فكيف ترضون إثبات من له هذه الصفات لله تعالى ! وإليه الإشارة بقوله - عز وجل : أومن ينشأ في الحلية الآية . وأيضا فإن اختياركم لأنفسكم ذكور الولد ، ولله - سبحانه وتعالى - إناثهم قسمة ضيزى ، أي : جائرة ، والقسمة الجائرة قبيحة عقلا وشاهدا ، فكيف ترضونها لأنفسكم ! .

وأما الذين أنكروا المعاد ، فاحتج الله - سبحانه وتعالى - عليهم بطرق من القياس العقلي :

أحدهما : قياس إعادة الخلق على ابتدائه بجامع إمكان ذلك ، وقدرته تعالى على جميع الممكنات ، وذكر الله تعالى ذلك في آيات :

منها : قوله - عز وجل : أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة إلى قوله - عز وجل : قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [ يس : 77 - 79 ] . ومنها : قوله تعالى : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [ الروم : 27 ] ، أي : بالنسبة إلى المخلوقين الذين تتفاوت الممكنات عندهم سهولة وصعوبة . ومنها : قوله تعالى : أمن يبدأ الخلق ثم يعيده [ النمل : 64 ] . ومنها قوله تعالى : كما بدأنا أول خلق نعيده [ الأنبياء : 104 ] ، كما بدأكم تعودون [ الأعراف : 29 ] ومنها : قوله تعالى : [ ص: 254 ] أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه [ القيامة : 3 - 4 ] ، ثم برهن على هذه الدعوى في آخر السورة بقوله - عز وجل : أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى إلى قوله - عز وجل : أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى [ القيامة : 40 ] .

ووجه كون الإعادة أهون من الإبداء : هو أن الإعادة مبنية على الإبداء ؛ لأن المعاد له أصل في الوجود والحياة ، والإبداء ليس مبنيا إلا على مجرد القدرة الباهرة لا على سبب سابق .

ومن هذا الباب زعم بعضهم أن معجز موسى أعظم من معجز عيسى عليهما السلام ؛ لأن الموتى لهم أصل في الحياة سابق ، والعصا ليست كذلك .

الطريق الثاني : من طرق القياس العقلي في إثبات المعاد قوله - سبحانه وتعالى : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى [ يس : 81 ] ، يعني مثل الكفار ، أي : يعيدهم إلى مثل حالهم الأولى في الابتداء بدليل قوله - سبحانه وتعالى - في الآية الأخرى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير [ الأحقاف : 33 ] . فهذا قياس لإحياء الموتى على خلق السماوات والأرض بجامع عظمة الفعلين في العقول أو إمكانهما في المعقول ، وهذا الطريق والذي قبله من باب قياس التنبيه ، وهو أن يكون الحكم في الفرع أجلى وأظهر منه في الأصل ، كقوله - عز وجل : فلا تقل لهما أف [ الإسراء : 23 ] ، إذ كان تحريم الضرب أظهر من تحريم التأفيف ، فكذلك الإعادة أيسر من الإبداء ، وإحياء الموتى أيسر من خلق [ ص: 255 ] السماوات والأرض بدليل قوله - سبحانه وتعالى : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس [ غافر : 57 ] ابتداء كان على خلقهم إعادة أقدر ، فانظر إلى هذا التقدير ما أبينه وأظهره .

الطريق الثالث من طرق القياس العقلي في إثبات المعاد : قياس إخراج الموتى من الأرض أحياء على إخراج الحب الميت من الأرض حيا ، أو نقول : قياس إعادة الموتى بعد تلاشيهم واستهلاكهم على إعادة الحب بعد تلاشيه واستهلاكه ، وذكر الله - سبحانه وتعالى - ذلك في مواضع كثيرة من القرآن : منها في الأعراف : وهو الذي يرسل الرياح إلى قوله - عز وجل : كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون [ الأعراف : 57 ] ، وفي سورة ق : أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد إلى قوله - سبحانه وتعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها إلى قوله - عز وجل : ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد إلى قوله - عز وجل : وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج [ ق : 3 - 11 ] ، وفي سورة الحج : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب إلى قوله - عز وجل : وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير [ الحج : 5 - 6 ] ، فتضمنت هذه الآية قياس الإعادة على ابتداء الخلق ، وعلى إحياء الأرض بالنبات . وفي سورة حم السجدة : ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى [ فصلت : 39 ] ، وفي الم السجدة : أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون [ السجدة : 27 ] ، فقرر الأصل ، ثم نبه [ ص: 256 ] على إلحاق الفرع به بقوله تعالى : ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين [ السجدة : 28 ] ، يعني فتح المؤمنين ونصرهم على الكفار في القيامة ، وذلك مستلزم للمعاد ، وفي أول سورة الروم : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى قوله تعالى : ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون [ الروم : 17 - 19 ] ، وفي آخرها : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء إلى قوله تعالى : فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى ) [ الروم : 48 - 50 ] ، وفي سورة فاطر : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور [ فاطر : 9 ] .

وقد تضمن هذا الطريق نوعين من القياس :

أحدهما : قياس شبهي ، وهو قياس إحياء الأبدان بالأرواح على إحياء الأرض بخضرتها وزهرتها بعد يبسها ومحولها ، والجامع بينهما أن الخضرة والنضارة للأرض تشبه الروح للجسد ، وهذا جامع شبهي لا شك فيه ، وهو مجازي أيضا ؛ لأن الموت حقيقة في الأجسام الحيوانية أو في الذوات الحية ، واستعماله في الأرض والبلد نحو قولنا : أرض ميتة وبلد ميت ، مجاز لما ذكرنا .

النوع الثاني : القياس في معنى الأصل ، وهو قياس جمع الأجسام بعد استهلاكها في الأرض ، وإحيائها بإعادة الأرواح فيها على جمع أجزاء الحب بعد استهلاكه في الأرض ، وإحيائه بإعادة النبات فيه .

واعلم أن الحب إذا صار في الأرض لا يتلاشى بحيث يصير عدما محضا ، [ ص: 257 ] بل ذاته باقية ، لكنها اختلطت بأجزاء الأرض حتى عاد بحيث يتعذر في العادة جمعه على القوة البشرية ، ثم يعرض له بعد ذلك عفن وفساد مزاج ، فإذا أصابه الماء وحرارة الأرض العارضة ، تهيأ للنبات والصلاح بقدرة فالق الإصباح .

أما الأجسام الحيوانية ، فاختلف فيها بناء على الخلاف في الجوهر الفرد ، وهو الجزء الذي لا يتجزأ ، فمن نفاه زعم أن الأجسام تتلاشى ، وتصير عدما محضا ونفيا صرفا ، ومن أثبته وهو قول الأكثرين قال : إن الأجسام تنحل إلى الجواهر المفردة ، ثم عند البعث تلتئم الأجزاء بعضها إلى بعض ، ثم تعود أجساما كما كانت ، وهذا هو الصحيح المختار ، حتى سمعت بعض مشايخنا يحكي عن بعض مشايخه أنه كان يقول : إن ثبت القول بالجوهر الفرد ، أمكن القول بالمعاد وبعث الأجساد ، وإلا فلا .

قلت : فبهذا يتحقق أن هذا القياس في معنى الأصل ؛ لأن الجسد يفسد مزاجه ، وتتفرق أجزاؤه في الأرض ، ثم يعود حيا حياته التي تليق به ، وهو مستعد لها ، كما أن الحبة في الأرض يفسد مزاجها ، وتتفرق أجزاؤها ، ثم تعود حية حياتها التي تليق بها ، وهي مستعدة لها .

وبالجملة فغالب ما احتج الله - سبحانه وتعالى - به على خلقه ، والأنبياء عليهم السلام على أممهم بالبراهين الجلية والأقيسة العقلية ، وذلك في أصول الديانات التي الخطأ فيها كفر ، فكيف يمتنع القياس في الفروع [ ص: 258 ] التي المخطئ فيها مأجور ! .

ومن نظر فيما نبهت عليه من الأقيسة العقلية في هذه المسائل المذكورة ، ثم أنكر القياس ; فهو إما جاهل أو معاند .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث