الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


سورة الإخلاص

وسميت بها لما فيها من التوحيد، ولذا سميت أيضا بالأساس؛ فإن التوحيد أصل لسائر أصول الدين. وعن كعب كما قال الحافظ ابن رجب: أسست السماوات السبع والأرضون السبع على هذه السورة: قل هو الله أحد . ورواه الزمخشري عن أبي وأنس مرفوعا ولم يذكره أحد من المحدثين المعتبرين كذلك، وكيف كان فالمراد به كما قال: ما خلقت السماوات والأرضون إلا لتكون دلائل على توحيد الله تعالى ومعرفة صفاته التي تضمنتها هذه السورة. وقيل: معنى تأسيسها عليها أنها إنما خلقت بالحق كما قال تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق وهو العدل والتوحيد وهو إن لم يرجع إلى الأول لا يخلو عن نظر. وقيل: المراد أن مصحح إيجادهما أي: بعد إمكانهما الذاتي ما أشارت إليه السورة من وحدته عز وجل واستحالة أن يكون له سبحانه شريك؛ إذ لولا ذلك لم يمكن وجودهما لإمكان التمانع كما قرره بعض الأجلة في توجيه برهانية قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وفيه بعد.

وتسمى أيضا سورة: قل هو الله أحد. كما هو مشهور يشير إليه الأثر أيضا، والمقشقشة لما سمعت في تفسير سورة الكافرون، وسورة التوحيد، وسورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة النجاة، وسورة الولاية، وسورة المعرفة؛ لأن معرفة الله تعالى إنما تتم بمعرفة ما فيها.

وفي أثر أن رجلا صلى فقرأها فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن هذا عبد عرف ربه».

وسورة الجمال قيل لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله جميل يحب [ ص: 266 ] الجمال». فسألوه صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك فقال: «أحد صمد لم يلد ولم يولد».

ولا أظن صحة الخبر، وسورة النسبة لورودها جوابا لمن قال: انسب لنا ربك على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى.

وقيل: لما أخرجه الطبراني من طريق عثمان بن عبد الرحمن الطرايفي عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لكل شيء نسبة، ونسبة الله تعالى: قل هو الله أحد الله الصمد».

وهو كما قال الحافظ ابن رجب ضعيف جدا، وعثمان يروي المناكير. وفي الميزان أنه موضوع، وسورة الصمد، وسورة المعوذة لما أخرج النسائي والبزار وابن مردويه بسند صحيح عن عبد الله بن أنيس قال: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وضع يده على صدري ثم قال: «قل» فلم أدر ما أقول، ثم قال: قل هو الله أحد فقلت حتى فرغت منها. ثم قال: قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق فقلت حتى فرغت منها، ثم قال: قل أعوذ برب الناس فقلت حتى فرغت منها. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «هكذا فتعوذ، وما تعوذ المتعوذون بمثلهن قط».

وسورة المانعة؛ قيل: لما روى ابن عباس أنه تعالى قال لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم حين عرج به: أعطيتك سورة الإخلاص؛ وهي من ذخائر كنوز عرشي، وهي المانعة تمنع كربات القبر ونفحات النيران. والظاهر عدم صحة هذا الخبر، ويعارضه ما أخرجه ابن الضريس عن أبي أمامة: «أربع آيات نزلت من كنز العرش لم ينزل منه غيرهن: أم الكتاب، وآية الكرسي، وخاتمة سورة البقرة، والكوثر».

وحكمه حكم المرفوع، بل أخرجه الشيخ ابن حبان والديلمي وغيرهما بالسند عن أبي أمامة مرفوعا، وسورة المحضر قيل: لأن الملائكة عليهم السلام تحضر لاستماعها إذا قرئت، وسورة المنفرة؛ قيل: لأن الشيطان ينفر عند قراءتها، وسورة البراءة؛ قيل: لما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلا يقرؤها فقال: «أما هذا فقد برئ من الشرك». ولم أدر من روى ذلك.

نعم روى أبو نعيم من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة عن مهاجر قال: سمعت رجلا يقول: صحبت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في سفر فسمع رجلا يقرأ: قل يا أيها الكافرون فقال: «قد برئ من الشرك»، وسمع آخر يقرأ: قل هو الله أحد فقال: «غفر له».

وعليه فألحق بهذا الاسم سورة الكافرون، ولعل الأولى أن يقال: سميت بذلك لما في حديث الترمذي عن أنس: «من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه ثم قرأ: قل هو الله أحد مائة مرة كتب الله تعالى له براءة من النار».

وسورة المذكرة؛ لأنها تذكر خالص التوحيد، وسورة النور؛ قيل: لما روي من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن لكل شيء نورا ونور القرآن: قل هو الله أحد».

وسورة الإيمان؛ لأنه لا يتم بدون ما تضمنته من التوحيد، وقد ذكر معظم هذه الأسماء الإمام الرازي وبين وجه التسمية بها بما بين، والرجل -رحمه الله تعالى- ليس بإمام في معرفة أحوال المرويات لا يميز غثها من سمينها أو لا يبالي بذلك فيكتب ما ظفر به وإن عرف شدة ضعفه، وهي مكية في قول عبد الله والحسن وعكرمة وعطاء ومجاهد وقتادة مدنية في قول ابن عباس ومحمد بن كعب وأبي العالية والضحاك قاله في البحر.

وخبر ابن عباس السابق -إن صح- ظاهر في أنها عنده مكية، وفي الإتقان فيها قولان لحديثين في سبب نزولها متعارضين وجمع بعضهم بينهما بتكرر نزولها، ثم ظهر لي ترجيح أنها مدنية. اه.

وعلى ما في الكتابين لا يخفى ما في قول الدواني إنها مكية بالاتفاق من الدلالة على قلة الاطلاع. وآيها خمس في المكي والشامي، أربع في غيرهما. ووضعت هنا قيل للوزان في اللفظ بين فواصلها ومقطع سورة المسد، وقيل -وهو الأولى- إنها متصلة ب: «قل يا أيها الكافرون» في المعنى فهما بمنزلة كلمة التوحيد في النفي والإثبات؛ ولذا يسميان المقشقشتين، وقرن بينهما في القراءة في صلوات كثيرة ما قاله بعض الأئمة كركعتي الفجر والطواف والضحى وسنة المغرب وصبح المسافر ومغرب ليلة الجمعة إلا أنه فصل بينهما بالسورتين لما تقدم من الوجه ونحوه، وكان في إيلائها سورة تبت ردا على أبي لهب بخصوصه، وجاء فيها أخبار كثيرة تدل على مزيد فضلها، منها ما تقدم [ ص: 267 ] آنفا.

وروى مبارك بن فضالة عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أحب هذه السورة: قل هو الله أحد قال: «إن حبك إياها أدخلك الجنة».

وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي النضر عن مبارك المذكور عن أنس. وذكر البخاري أن حبها يوجب دخول الجنة تعليقا.

وروى مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ: قل هو الله أحد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «وجبت» قلت: وما وجبت؟ قال: «الجنة». وأخرجه النسائي والترمذي. وقال: حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث مالك.

وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن غريب عن بريدة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سمع رجلا يقول: إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى».

وفي المسند عن محجن بن الأدرع أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دخل المسجد فإذا هو برجل قد قضى صلاته وهو يتشهد ويقول: إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم. فقال نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث مرات: «قد غفر له، قد غفر له، قد غفر له».

وأخرج البخاري ومالك وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد أن رجلا سمع رجلا يقرأ: قل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن».

وأخرج أحمد والنسائي في اليوم والليلة من طريق هشيم عن أبي بن كعب أو رجل من الأنصار قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من قرأ: قل هو الله أحد فكأنما قرأ بثلث القرآن».

وفي رواية يوسف بن عطية الصفار بسنده عن أبي مرفوعا: «من قرأ: قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن، وكتب له من الحسنات بعدد من أشرك بالله تعالى وآمن به».

وجاء أنها تعدل ثلث القرآن في عدة أخبار مرفوعة وموقوفة.

وفي المسند من طريق ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله ب: «قل هو الله أحد» فذكر ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل نصف القرآن أو ثلثه».

وحمل على الشك من الراوي، والروايات تعين الثلث، واختلف في المراد بذلك فقيل: المراد أنها باعتبار معناها ثلث من القرآن المجزأ إلى ثلاثة، لا أن ثواب قراءتها ثلث ثواب القرآن، وإلى هذا ذهب جماعة لكنهم اختلفوا في بيان ذلك فقيل: إن القرآن يشتمل على قصص وأحكامها وعقائد، وهي كلها مما يتعلق بالعقائد فكانت ثلثا بذلك الاعتبار. وقال الغزالي في الجواهر ما حاصله: هي عدل ثلثه باعتبار أنواع العلوم الثلاثة التي هي أم ما في القرآن: علم المبدأ، وعلم المعاد، وعلم ما بينهما؛ أعني الصراط المستقيم.

وقال الجوني: المطالب التي في القرآن معظمها الأصول الثلاثة التي بها يصح الإسلام ويحصل الإيمان؛ وهي معرفة الله تعالى، والاعتراف بصدق رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم واعتقاد القيام بين يديه، وهذه السورة تفيد الأصل الأول؛ فهي ثلثه من هذا الوجه. وقيل: القرآن قسمان: خبر وإنشاء، والخبر قسمان: خبر عن الخالق وخبر عن المخلوق. فهذه ثلاثة أثلاث، وسورة الإخلاص أخلصت الخبر عن الخالق فهي بهذا الاعتبار ثلث، وهذا كما ترى.

وأيا ما كان قيل: لا تنافي بين رواية الثلث ورواية عدل القرآن كله المذكورة في الكشاف على تقدير ثبوتها لجواز أن يقال: هي عدل القرآن باعتبار أن المقصود التوحيد وما عداه ذرائع إليه. ويؤيد اعتبار الأجزاء أنفسها دون الثواب ما في صحيح مسلم من طريق قتادة عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟» قالوا: نعم. قال: «فإن الله تعالى جزأ القرآن [ ص: 268 ] ثلاثة أجزاء؛ فقل هو الله أحد ثلث القرآن».

وقيل: المراد تعدل الثلث ثوابا لظواهر الأحاديث. وضعف ذلك ابن عقيل وقال: لا يجوز أن يكون المعنى فله أجر ثلث القرآن لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات».

فيكون ثواب قراءة القرآن بتمامه أضعافا مضاعفة بالنسبة لثواب قراءة هذه السورة، والدواني أورد هذا إشكالا على هذا القول ثم أجاب بأن للقارئ ثوابين: تفصيليا بحسب قراءة الحروف، وإجماليا: بسبب ختمه القرآن؛ فثواب: قل هو الله أحد يعدل ثلث ثواب الختم الإجمالي لا غيره، ونظيره إذا عين أحد لمن يبني له دارا في كل يوم دنانير، وعين له إذا أتمه جائزة أخرى غير أجرته اليومية.

وفي شرح البخاري للكرماني: فإن قلت: المشقة في قراءة الثلث أكثر منها في قراءتها فكيف يكون حكمه حكمها؟ قلت: يكون ثواب قراءة الثلث بعشر، وثواب قراءتها بقدر ثواب مرة منها؛ لأن التشبيه في الأصل دون الزائد، وتسع منها في مقابلة زيادة المشقة.

وقال الخفاجي بعد أن قال: ليس فيما ذكر ما يثلج الصدر ويطمئن له البال، والذي عندي في ذلك أن للناظر في معنى كلام الله تعالى المتدبر لآياته ثوابا وللتالي له وإن لم يفهمه ثواب آخر، فالمراد أن من تلاها مراعيا حقوق أدائها فاهما دقيق معانيها كانت تلاوته لها مع تأملها وتدبرها تعدل ثواب تلاوة ثلث القرآن من غير نظر في معانيه أو ثلث ليس فيه ما يتعلق بمعرفة الله تعالى وتوحيده، ولا بدع في أشرف المعاني إذا ضم لبعض من أشرف الألفاظ أن يعدل من جنس تلك الألفاظ مقدارا كثيرا كلوح ذهب زنته عشرة مثاقيل مرصع بأنفس الجواهر يساوي ألف مثقال ذهبا فصاعدا انتهى. ولا أرى له كثير امتياز على غيره مما تقدم.

والذي أختاره أن يقال: لا مانع من أن يخص الله عز وجل بعض العبادات التي ليس فيها كثير مشقة بثواب أكثر من ثواب ما هو جنسها وأشق منها بأضعاف مضاعفة، وهو سبحانه الذي لا حجر عليه ولا يتناهى جوده وكرمه فلا يبعد أن يتفضل جل وعلا على قارئ القرآن بكل حرف عشر حسنات ويزيد على ذلك أضعافا مضاعفة جدا لقارئ الإخلاص بحيث يعدل ثوابه ثواب قارئ ثلث منه غير مشتمل على تلك السورة، ويفوض حكمة التخصيص إلى علمه سبحانه، وكذا يقال في أمثالها وهذا مراد من جعل ذلك من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وليس هذا بأبعد ولا أبدع من تخصيص بعض الأزمنة والأمكنة المتحدة الماهية بأن للعبادة منه ولو قليلة من الثواب ما يزيد أضعافا مضاعفة على ثواب العبادة في مجاوره مثلا ولو كثيرة بل قد خص سبحانه بعض الأزمنة والأمكنة بوجوب العبادة فيه وبعضها بحرمتها فيه، وله سبحانه في كل ذلك من الحكم ما هو به أعلم.

وقال ابن عبد البر: السكوت في هذه المسألة أفضل من الكلام فيها وأسلم، وكذلك حديث معاوية بن معاوية الليثي الذي افتتح به الإمام الكلام في هذه السورة الكريمة خرجه الطبراني وأبو يعلى من طرق كلها ضعيفة، والأحاديث الصحيحة الواردة فيها تكفي في فضلها، بل [ ص: 269 ] قيل لذلك: إنها أفضل سورة في القرآن، ومنهم من استدل عليه بما روى الدارمي في مسنده عن أبي المغيرة عن صفوان الكلاعي قال: قال رجل: يا رسول الله، أي سور القرآن أعظم؟ قال: «قل هو الله أحد».

وفي المسند من طريقي معاذ بن رفاعة وأسيد بن عبد الرحمن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم؟» قلت: بلى. قال: فأقرأني: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. ثم قال: «يا عقبة، لا تنساهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن».

وروى الترمذي بعض هذا الحديث وحسنه ولا يدل على أنها أفضل سور القرآن مطلقا بل على أنها من الأفضل. وقال ابن الحصاد: العجب ممن ينكر الاختلاف في الفضل مع كثرة النصوص الواردة فيه، واختلف القائلون بالتفضيل فقال بعضهم: الفضل راجع إلى عظم ومضاعفة الثواب بحسب انتقالات النفس وخشيتها وتدبرها عند أوصاف العلا. وقيل: بل يرجع لذات اللفظ؛ فإن ما تضمنته سورة الإخلاص مثلا من الدلالة على الوحدانية وصفاته تعالى ليس موجودا في «تبت» مثلا، فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها. ونقل الحليمي عن البيهقي أن معنى التفضيل بين الآيات والسور يرجع إلى أشياء: أحدها أن يكون العمل بها أولى من العمل بأخرى وأعود على الناس، وعلى هذا يقال في آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من آيات القصص؛ لأنه إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهي والإنذار والتنشير ولا غنى للناس عن هذه الأمور، وقد يستغنون عن القصص فكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خير لهم مما يجعل تبعا لما لا بد منه.

الثاني أن يقال: الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته والدلالة على عظمته عز وجل أفضل؛ بمعنى أنها أسنى وأجل قدرا مما لا تشتمل على ذلك.

الثالث أن يقال: سورة خير من سورة، أو آية خير من آية؛ بمعنى أن القارئ يتعجل له بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل ويتأدى منه بتلاوتها عبادة كآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين؛ فإن قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى والاعتصام بالله تعالى، ويتأدى بتلاوتها عبادة الله سبحانه لما فيها من ذكره تعالى بالصفات العلا على سبيل الاعتقاد لها وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر وبركته. وأما آيات الحكم فلا يقع بنفس تلاوتها إقامة حكم وإنما يقع بها علم. وقد يقال: إن سورة أفضل من سورة؛ لأن الله تعالى جعل قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب سبحانه لغيرها وإن كان المعنى الذي لأجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا، وهذا نظير ما يقال في تفضيل الأزمنة والأمكنة بعضها على بعض على ما سمعت آنفا. وبالجملة التفضيل بأحد هذه الاعتبارات لا ينافي كون الكل كلام الله عز وجل ومتحد النسبة إليه سبحانه كما لا يخفى. والله تعالى أعلم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث