الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( قوله والإقعاء ) { لنهيه صلى الله عليه وسلم عن عقبة الشيطان } كما في الصحيحين وهو الإقعاء ولما في مسند أحمد عن أبي هريرة { نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب } شبه من يسرع في الركوع والسجود ويخفف فيهما بالديك الذي يلتقط الحبة كما في النهاية وهي كراهة تحريم للنهي المذكور كما أسلفناه من الأصل ثم اختلفوا في الإقعاء المذكور في الحديث فصحح صاحب الهداية وعامتهم أنه أن يضع أليتيه على الأرض وينصب ركبتيه نصبا كما هو قول الطحاوي وزاد كثير ويضع يديه على الأرض وزاد بعضهم أن يضم ركبتيه إلى صدره لأن إقعاء الكلب يكون بهذه الصفة إلا أن إقعاء الكلب يكون في نصب اليدين وإقعاء الآدمي في نصب الركبتين إلى صدره وذهب الكرخي إلى أنه أن ينصب قدميه ويقعد على عقبيه واضعا يديه على الأرض وهو عقب الشيطان [ ص: 24 ] الذي نهى عنه في الحديث والكل مكروه لأن فيه ترك الجلسة المسنونة كذا في البدائع وغاية البيان والمجتبى زاد في فتح القدير أن قوله الصحيح أي كون هذا هو المراد في الحديث لا أن ما قاله الكرخي غير مكروه بل يكره ذلك أيضا . ا هـ .

والعقبة بضم العين وسكون القاف والعقب بفتح العين وكسر القاف بمعنى الإقعاء كذا في المغرب وفي فتح القدير وأما ما روى مسلم عن طاوس قلت لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال هي السنة فقلت إنا نراه جفاء بالرجل فقال بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم .

وما روى البيهقي عن ابن عمر وابن الزبير أنهم كانوا يقعون فالجواب المحقق عنه أن الإقعاء على ضربين أحدهما مستحب أن يضع أليتيه على عقبيه وركبتاه في الأرض وهو المروي عن العبادلة والمنهي أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه ا هـ .

وهو مخالف لما ذكره هو وغيره أن الإقعاء بنوعية مكروه والحق أن هذا الجواب ليس لأئمتنا وإنما هو جواب البيهقي والنووي وغيرهما بناء على أنه مستحب عند الشافعي لأنك قد علمت كراهته عندنا بنوعيه ويمكن الجواب عنه إما بحمله على حالة العذر إن ثبت في بعض رواياته أنه كان في الصلاة أو بحمله على كونه خارج الصلاة إن لم يثبت أو لأن المانع والمبيح إذا تعارضا ولم يعلم التاريخ كان الترجيح للمانع وقد فسر صاحب المغرب عقب الشيطان بالإقعاء عند الكرخي فكان مانعا وينبغي أن تكون كراهته تنزيهية بخلاف النوع المتفق على كراهته

التالي السابق


( قوله وهو عقب الشيطان إلخ ) أي الإقعاء على التفسير الثاني الذي قاله الكرخي هو المراد بعقب الشيطان المنهي عنه في الحديث الآخر وهذا موافق لما سيأتي عن المغرب [ ص: 24 ] لكن نقل العلامة قاسم في فتاواه عن لسان العرب والنهاية لابن الأثير أن عقبة الشيطان أن يجلس على قدميه بين السجدتين ا هـ .

مع أن الإقعاء مكروه في التشهدين أيضا قال العلامة قاسم من غير خلاف نعلمه بين أصحاب المذاهب نص على كراهته من علمائنا الكرخي في المختصر ا . هـ فليتأمل .

( قوله والحق أن هذا الجواب ليس لأئمتنا إلخ ) يؤيده ما قاله العلامة قاسم في فتاويه وأما نصب القدمين والجلوس على العقبين فمكروه في جميع الجلسات من غير خلاف نعرفه إلا ما ذكره الشيخ محيي الدين النووي عن الشافعي في قول له أنه يستحب الجلوس بين السجدتين بهذه الصفة قال محمد رحمه الله في موطئه لا ينبغي أن يجلس على عقبيه بين السجدتين ولكنه يجلس بينهما كجلوسه في صلاته وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله

( قوله إما بحمله على حالة العذر ) ينافيه قوله بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم وكذا قال العلامة المقدسي وحمله على حالة العذر بعيد لقوله وهو سنة نبيك صلى الله تعالى عليه وسلم فليتأمل . ا هـ .

( قوله أو بحمله على كونه خارج الصلاة ) جزم الشيخ إبراهيم الحلبي في شرحه على المنية حيث قال بعد نقله كلام الفتح وهو محمول على خارج الصلاة فإن ما ذكر من الحديثين ليس فيه ما يدل على أن المراد القعود في الصلاة وإلا فوضع الأليتين على العقبين في الصلاة مكروه أيضا لمخالفة الجلوس المسنون وهو افتراش الرجل اليسرى ولكن يفهم حينئذ أن الإقعاء بنصب الركبتين مكروه خارج الصلاة أيضا ولا بعد فيه لأنه جلوس الجفاة بخلاف الاحتباء إذ ليس فيه كراهة خارج الصلاة والفرق بين الاحتباء والإقعاء أن الاحتباء يكون بشد الركبتين إلى الظهر عند نصبهما بيديه أو بثوب أو غيره وهو أكثر جلوس أشراف العرب ا هـ

( قوله فكان مانعا ) أي فيترجح على ما رواه مسلم والبيهقي مما يفيد إباحته ولكن لا يخفى عليك أن كون المراد من الإقعاء هو الإقعاء على ما ذهب إليه الكرخي مخالفا لما مر من أن الصحيح أن المراد به الإقعاء بالمعنى الأول فلم يكن المراد من الإقعاء في حديث أبي هريرة هو المراد من حديث عقب الشيطان فلا تعارض حينئذ فلا ترجيح قلت ولو أسقط قوله وقد فسر صاحب المغرب إلخ لاستقام الجواب من غير إيهام لأن المراد بالمبيح ما مر عن مسلم والبيهقي وبالمانع حديث النهي عن عقب الشيطان فيكون مرجحا على المبيح من غير توقف على أن يكون المراد من عقب الشيطان هو الإقعاء عند الكرخي فتدبر ( قوله وينبغي إلخ ) قال في النهر وإنما كانت تنزيهية على الثاني بناء على أن هذا الفعل ليس بإقعاء وإنما الكراهة لترك الجلسة المسنونة كما علل به في البدائع ولو فسر الإقعاء بقول الكرخي تعاكست الأحكام . ا هـ .

قلت لا يخفى عليك ما في هذا الكلام لأن كلا من الفعلين يسمى إقعاء وإنما الكلام في المراد في الحديث منهما كما مر فكان الصواب أن يقال إنما كانت تنزيهية على الثاني بناء على أن هذا الفعل ليس بمراد في الحديث أي فلا يكون داخلا تحت النهي وإنما كره لترك الجلسة المسنونة فتكون تنزيهية بخلاف النوع الأول فهي فيه تحريمية لوجود النهي وترك الجلسة المسنونة ولو أريد بالإقعاء في الحديث الإقعاء عند الكرخي كان هو المكروه تحريما لوجود الأمرين السابقين وكان الأول مكروها تنزيها لعدم النهي وبعد هذا فيه بحث أيضا لأن عقب الشيطان هو الإقعاء على تفسير الكرخي كما ذكره المؤلف عن المغرب فقد وجد في الإقعاء على هذا التفسير كل من الأمرين أيضا [ ص: 25 ] لأن عقبة الشيطان منهي عنها أيضا كما مر فيكون الإقعاء على تفسير الكرخي مكروها تحريما سواء كان هو المراد من حديث أبي هريرة أو لا إلا أن يوجد صارف للنهي عن التحريم إلى الندب

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث