الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان الرأي المذموم في الأحاديث والآثار المتقدمة

بيان الرأي المذموم في الأحاديث والآثار المتقدمة

قال ابن عبد البر: اختلف العلماء في الرأي المقصود إليه بالذم والعيب، في هذه الآثار المذكورة في هذا الباب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن أصحابه، وعن التابعين لهم بإحسان.

فقال جمهور أهل العلم: إن الرأي المذموم المذكور هو القول في أحكام [ ص: 338 ] الشرع وشرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، ورد الفروع والنوازل بعضها إلى بعض قياسا، دون ردها إلى أصولها، والنظر في عللها واعتبارها.

فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل، وفرعت وشققت قبل أن تقع، وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظنون.

قالوا: وفي الاشتغال بهذا، والاستغراق فيه تعطيل السنن، والبعث على الجهل منها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب الله -عز وجل- ومعانيها. واحتجوا على صحة ما ذهبوا إليه من هذا بأشياء:

منها: ما رواه طاوس، عن ابن عمر: أنه قال: لا تسألوا عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر يلعن من سأل عما لم يكن.

وعن معاوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الأغلوطات. وفسرها الأوزاعي بصعاب المسائل.

وعن الصنابحي، عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-: أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: أما تعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن عضل المسائل؟!

وفي حديث سهل بن سعد وغيره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كره المسائل وعابها، وقال: «إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال».

وفي حديثه: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسائل، وعابها. هكذا ذكره أحمد بن زهير بسنده، وهو خلاف لفظ «الموطأ». ولفظه عنه: أنه كره المسائل وعابها.

روى الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة، قال: وددت أن حظي من أهل هذا الزمان ألا أسألهم عن شيء، ولا يسألوني عن شيء، يتكاثرون بالمسائل، كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم.

وفي رواية الحجاج بن عامر الثمالي، وكان من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إياكم وكثرة السؤال».

[ ص: 339 ] وفي سماع أشهب عن مالك عنه -صلى الله عليه وسلم-: «أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال» ثم قال: أما كثرة السؤال، فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسائل وعابها.

وقال تعالى: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم [المائدة: 101] فلا أدري أهو هذا، أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء؟ انتهى.

قلت: عموم اللفظ يشمل كلا المرادين، ولا مانع من إرادتهما في هذه الأخبار وفي غيرها، والقرآن يساعد ذلك، وكذلك الروايات الأخرى الواردة في هذا الباب.

قال أبو عمرو: واحتج الجمهور أيضا بحديث سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته»والحديث له طرق ثابتة.

وبحديث أبي هريرة يرفعه: «ذروني ما تركتكم، وإنما أهلك الذين قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم» والحديث له طرق وأسانيد.

وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو على المنبر: أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن.

وعن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن:

1- ويسألونك عن المحيض [البقرة: 222].

2- يسألونك عن الشهر الحرام [البقرة: 217].

3- ويسألونك عن اليتامى [البقرة: 220] ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم.

قال أبو عمرو: ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث.

وأقول: إن أراد تعداد ما في القرآن من الأسئلة، كما هو ظاهر كلامه -رضي الله عنه- فمنها قوله:

4- يسألونك عن الخمر والميسر [البقرة: 219].

[ ص: 340 ] 5- ويسألونك ماذا ينفقون [البقرة: 219].

6- يسألونك عن الأهلة [البقرة: 189].

7- يسألونك ماذا أحل لهم .

8- يسألك الناس عن الساعة [الأحزاب: 63].

9- يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا [النساء: 153]. انتهى.

وبقي في هذا التعداد مسائل أربعة لم يذكرها أبو عمرو رحمه الله.

وأما في السنة، فهي أكثر، وقد جمعها الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في «إعلام الموقعين» وغيره في «بلوغ السول من أقضية الرسول» وهي في أربع كراريس، أو نحوها.

بخلاف تلك المسائل التي هي في كتب القوم المؤلفة في الفروع، فقد جاوز عددها آلاف آلاف.

وجميعها أو أكثرها مما لم يكن، ولا يكون، وأما ما كان، أو يكون غالبا، فليس فيها من حكمها شيء غالبا.

وإذا يعرضهم أمر من هذه الأمور، يعدون كل جانب، ويستخرجون له حكما من قال العلماء وقيلهم، ويقيسون على آرائهم، ثم يفتون به المسائل، ويقضون به عليه، وهم في ذلك أبعد الخلق من كتاب الله وسنة رسوله.

ومن أعلام النبوة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبر بما سيكون في أمته، من كثرة السؤال والمسائل، وكثرة القال والقيل، ثم وقع كما أخبر.

هذه كتب الفروع من أهل الرأي وغيره، انظر فيها تجد فيها من هذا الباب ما لا يحصيه العقل الفعال، فضلا عن غيره، وفيها من لفظة «قيل» و«قال» و«إن قيل كذا قيل كذا» خاصة ما لا يحصره إلا الله تعالى.

فهذا من نفائس المعجزات وغرائب الكرامات لسيد الكائنات عليه من الصلاة أفضلها ومن السلام أكمله.

وإنك لو وقفت يوما من الدهر، بل آنا من الزمان للنظر في كتب السنة [ ص: 341 ] والقرآن رأيت أنه لا وجود لهذا السؤال، ولهذا القيل والقال في شيء منهما أبدا، وإن الله تعالى صانهما عن خلط الرأي، ودخل الظن، وولوج الجهل فيهما ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وبالله التوفيق.

قال ابن عبد البر: قالوا: ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي المرفوعة، وآثار الصحابة والتابعين في ذلك، علم أنهم كانوا يكرهون الجواب في مسائل الأحكام ما لم تنزل.

فكيف يوضع الاستحسان، والظن، والتكلف، وتسطير ذلك، واتخاذه دينا؟

وذكروا من الآثار أيضا ما روي عن معاذ بن جبل مرفوعا: «لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن تفعلوا ذلك أوشك أن يكون فيكم من إذا قال، سدد، أو وفق، وإنكم إن عجلتم تشتت بكم الطرق هاهنا وهاهنا».

وقال عمر -رضي الله عنه-: إنه لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن؛ إن الله تعالى قد قضى فيما هو كائن.

وسئل مسروق، وأبي بن كعب عن مسألة، فقالا: أكانت هذه بعد؟ قلت: لا، قالا: فأجمنا حتى تكون.

وعن زيد بن ثابت: أنه كان لا يقول برأيه في شيء، حتى يسأل عنه، حتى يقول: أنزل أم لا؟ فإن لم يكن نزل، لم يقل فيه، وإن وقع تكلم فيه.

وكان إذا سئل عن مسألة يقول: أوقعت؟ فيقال له: ما وقعت، ولكنها نعدها، فيقول: دعوها، إن كانت وقعت أخبرهم.

عن هشام بن عروة، قال: ما سمعت أبي يقول في شيء قط برأيه، قال: وربما سئل عن شيء، فيقول: هذا من خالص السلطان.

وقال ابن عيينة: من أحب أن يسأل، وليس بأهل أن يسأل، فما ينبغي أن يسأل.

وعن ابن هرمز، قال: أدركت أهل المدينة، وما فيها إلا الكتاب والسنة، والأمر ينزل، فينظر فيه السلطان.

[ ص: 342 ] قال: وقال لي مالك: أدركت أهل هذه البلاد، وإنهم يكرهون هذا الإكثار الذي في الناس اليوم.

قال ابن وهب -يريد المسائل- قال: وقال مالك: إنما كان الناس يفتون بما سمعوا وعلموا، ولم يكن هذا الكلام الذي في الناس اليوم.

وعن ابن سيرين، قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لعقبة بن عمرو: ألم أنبأ أنك تفتي الناس ولست بأمير؟ ولحارها من تولى قارها.

قال: وكان يقول: إياكم وهذه العضل؛ فإنها إذا نزلت بعث الله إليها من يقيمها ويفسرها.

وعن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان سأل ابن شهاب عن شيء، فقال له ابن شهاب: أكان هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، قال: فدعه؛ فإنه إذا كان أتى الله له بفرج.

وعن مجاهد، عن ابن عمر، قال: يا أيها الناس! لا تسألوا عما لم يكن؛ فإن عمر كان يلعن من سأل عما لم يكن.

وعن موسى بن علي، عن أبيه، قال: كان زيد بن ثابت إذا سأله إنسان عن شيء، قال: آلله أكان هذا؟ فإن قال: نعم، نظر، وإلا، لم يتكلم، وأتاه قوم فسألوه، فأخبر، فكتبوها، ثم قال: أخبرناه، قال: فأتوه فأخبروه، فقال: أغدرا؟ لعل كل شيء حدثتكم به خطأ، إنما اجتهدت لكم رأيي.

وعن عمرو بن دينار، قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون منك ما يسمعون، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أيكتبون رأيا أرجع عنه غدا؟!

وعن المسيب بن رافع، قال: كان إذا جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة، سمى صوافي الأمراء، فيرفع إليهم، فجمعوا له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحق.

وذكر الطبري في كتاب «تمهيد الآثار» بسنده عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني، قال: قال مالك: قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي [ ص: 343 ] أن يتبع آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يتبع الرأي، فإنه متى اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته. فأنت كلما جاء رجل اتبعته، أرى هذا لا يتم.

وقال عبدان: سمعت ابن المبارك يقول: ليكن الذي يعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر به الحديث.

وعن يحيى بن سعيد، قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب، فسأله عن شيء، فأملاه عليه، ثم سأله عن رأيه، فأجابه، فكتب الرجال، فقال رجل من جلساء سعيد: أيكتب يا أبا محمد رأيك؟ فقال سعيد للرجل: ناولنيها، فناوله الصحيفة، فحرقها.

وعن عبد الله بن موهب: أن رجلا جاء إلى القاسم بن محمد، فسأله عن شيء، فأجابه، فلما ولى الرجل، دعاه فقال له: لا تقل: إن القاسم زعم أن هذا هو الحق، ولكن إن اضطررت إليه عملت به.

وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول. وفي لفظ: وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم.

وذكر البخاري عن ابن بكير، عن الليث، قال: قال ربيعة لابن شهاب: يا أبا بكر! إذا حدثت الناس برأيك، فأخبرهم أنه رأيك، وإذا حدثت الناس بشيء من السنة، فأخبرهم أنه سنة، لا يظنون أنه رأيك.

قال ابن وهب: قال لي مالك بن أنس وهو ينكر كثرة الجواب للمسائل: يا عبد الله! ما علمته فقل به، ودل عليه، وما لم تعلم فاسكت عنه. وإياك أن تتقلد للناس قلادة سوء.

وعن عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: دخلت على مالك، فوجدته باكيا، فسلمت عليه، فرد علي، ثم سكت عني يبكي، فقلت له: يا أبا عبد الله! [ ص: 344 ] ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب! إنا لله على ما فرط مني، ليتني جلدت بكل كلمة تكلمت بها في الأمر بسوط، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي، وهذه المسائل، وقد كانت لي سعة فيما سبقت إليه، انتهى.

قلت: وهذا من كمال تقواه، وتمام خشوعه لله، وإلا فليس لمالك رأي كما لهم.

وكان مالك مجتهدا، والمجتهد مأجور على خطئه بأجر واحد، وقد روى آثارا مرفوعة وموقوفة، وقال بها، ولم يقل بشيء من عند نفسه، إلا ما شاء الله. فهذا البكاء منه -رحمه الله- دليل على صدقه وإنصافه.

وإنما العبرة بمن كان مداره على الرأي، ولم يرفع إلى تحصيل السنن رأسا. انتهى.

قال سحنون بن سعيد: ما أدري ما هذا الرأي؟ سفكت به الدماء، واستحلت به الفروج، واستحقت به الحقوق، غير أنا رأينا رجلا صالحا فقلدناه.

قال الأوزاعي: إذا أراد الله أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط.

وروينا عن الحسن البصري: أنه قال: إن شرار عباد الله الذين يجيبون بشرار المسائل، ويفتون بها عباد الله. انتهى.

المراد بهذه المسائل: ما خالف منها كتاب الله وسنة رسوله من أحكام الرأي، والبدع والظنون، والاستحسان.

قال حماد بن زيد: قيل لأيوب: ما لك لا تنظر في الرأي؟ فقال: قيل للحمار: ما لك لا تجتر؟ فقال: أكره مضغ الباطل.

وعن رقبة بن مصقلة: أنه قال لرجل رآه يختلف إلى صاحب الرأي: يا هذا؟

يكفيك من رأيه ما مضغت، وترجع إلى أهلك بغير ثقة.

قال الشعبي: والله! لقد بغض هؤلاء القوم إلي المسجد، حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري.

[ ص: 345 ] قلت: من هم يا أبا عمرو؟ قال: الآرائيون. قلت: ومن هم؟ قال: الحكم، وحماد، وأصحابهما.

قال الربيع بن خثيم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن الله حرم هذا، ونهى عن هذا، فيقول الله: كذبت، لم أحرمه، ولم أنه عنه، أو يقول: إن الله أحل هذا، وأمر به، فيقول: كذبت، لم أحله ولم آمر به.

وذكر ابن وهب، وعتيق بن يعقوب: أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من أمر من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا.

وزاد عتيق: ولا يقولون: هذا حلال وحرام، أما سمعت قول الله -عز وجل-: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون [يونس: 59] الحلال: ما أحله الله ورسوله. والحرام: ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عبد البر: معنى قول مالك هذا: أن ما أخذ من العلم رأيا واستحسانا لم يقل فيه: حلال أو حرام. والله أعلم.

وقد روي عن مالك: أنه قال في بعض ما كان ينزل، فيسأل عنه، فيجتهد فيه رأيه إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [الجاثية: 32] وما أحسن قول أبي العتاهية:


وما كل الظنون تكون حقا وما كل الصواب على القياس



وقال أبو وائل: لا تقاعدوا أصحاب «أرأيت». وقال الشعبي: ما كلمة أبغض إلي من «أرأيت». وقال داود الأودي: قال الشعبي: احفظ علي ثلاثا:

الأولى: إذا سئلت عن مسألة، فأجبت فيها، فلا تتبع مسألتك «أرأيت» فإن الله تعالى يقول في كتابه: أرأيت من اتخذ إلهه هواه [الفرقان: 43] حتى فرغ من الآية.

[ ص: 346 ] الثانية: إذا سئلت عن مسألة، فلا تقس شيئا بشيء، فربما حللت حراما، أو حرمت حلالا.

الثالثة: إذا سئلت عما لا تعلم، فقل: لا أعلم، وأنا شريكك. وقال: وإنما هلك من كان قبلكم في «أرأيت». انتهى.

قلت: وما أصدق هذا المقال؛ فإن آخر هذه الأمة بعد الصدر الأول هلكت في «أرأيت» وعاد الإسلام غريبا، إلى أن لم يبق بيده ملك، ولا دولة، ولا شوكة، ولا صولة، وصار أهله مقهورين ممقوتين، صاغرين في أعين أعداء الله ورسوله، حتى إنه ليس في الدنيا اليوم قوم أذل من المسلمين عند المشركين الضالين، وهم غالبون عليهم، قاهرون لهم.

قال ليث بن سعد: رأيت ربيعة بن عبد الرحمن في المنام، فقلت له: يا أبا عثمان! ما حالك؟ قال: صرت إلى خير، إلا أني لم أحمد على كثير مما خرج مني من الرأي. انتهى.

قلت: وإذا كان هذا عاقبة الرأي الذي كان من سلف الأمة وأكابرها في الملة، فما ظنك برأي من جاء بعدهم؟ وماذا تكون عاقبته؟ اللهم احفظنا.

قال يحيى بن أيوب: بلغني أن أهل العلم كانوا يقولون: إذا أراد الله تعالى ألا يعلم عبده خيرا، شغله بالأغاليط.

وسئل رقبة بن مصقلة عن أصحاب الرأي، فقال: هم أعلم الناس بما لم يكن، و أجهلهم بما كان؛ يريد: أنهم لم يكن لهم علم بآثار من مضى.

قال الفلاني: وهذا الأمر مشاهد في الطائفة المقلدين، والعصابة المعتصبين.

فإنك إذا قلت لواحد منهم: أرأيت لو نسي المصلي، فسلم في ثلاثة من الرباعية، لبادر أن يقول: مذهبنا كذا وكذا. وإذا قلت له: لم أسألك عن مذهبك، إنما أسألك عن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الأربعة، وقف حمار الشيخ في العقبة، وغضب واحمار واصفار. انتهى.

[ ص: 347 ] وأقول -مع قطع النظر عن غضب المقلدة وأهل الرأي على السائل المتبع-: جهلهم بالآثار أمر واضح كالشمس في رابعة النهار، وهذا الجهل منهم هو الباعث لهم على هذا الإنكار، ولو علموها لتواضعوا لله الجبار.

قال الإمام أحمد: رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة، كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار -يعني: الأحاديث- وفيه: أن الرأي لا حجة فيه، وإن جاء عن أكابر؛ فإن الحق أكبر من كل كبير.

وقال سهل بن عبد الله التستري: ما أحدث أحد في العلم شيئا، إلا سئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السنة، وإلا فهو العطب؛ أي: الهلاك. انتهى كلام ابن عمرو.

وزاد البيهقي في «المدخل إلى علم السنن» فقال: باب: ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس في موضع النص، وذكر آية التنازع، والرد إلى الله والرسول.

قال: وقال الشافعي: هو الرد إلى ما قال الله وقال رسوله. وقال تعالى: ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] قال مجاهد: هي البدع والشبهات، وأقول: البدع في كلام الفقهاء أهل الرأي، والشبهات في كلام المتكلمين في العقائد. وقد نهى الله عن اتباع هذه كلها في هذه الآية.

ثم ذكر بسنده إلى جابر بن عبد الله حديث الخطبة. وفيه: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» ورواه مسلم أيضا، وأخرجه الثوري عن جعفر، وقال فيه: «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».

قلت: وما أجمع هذا الحديث لأنواع المحدثات وأقسام البدعات، وللحكم على كلها بالضلالة!! [ ص: 348 ] فكل رأي في الدين من أي رجل كان، وفي أي مسألة كان، بدعة وشر وضلالة، وعاقبتها النار.

ولو جد أهل الرأي واجتهدوا في كسب الحديث، وجمع الآثار، ما جدوا واجتهدوا في تدوين هذا الرأي المشؤوم، والظن المبتدع، والقياس المحدث، لكان خيرا لهم وأحسن أثاثا ورئيا.

ولكن حبب إليهم إبليس اللعين الرأي والإحداث والابتداع، وزينها في أعينهم، وأوقعهم فيها؛ لئلا يتوبوا عنها أبدا؛ لأنهم يستحسنونها، ولا يرونها سيئة، وهذا من مكائده -لعنه الله- وتلاعبه بهذه الأمة، فهم ذلك من فهم، وغفل عنه من غفل.

قال ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم.

وفي حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يكون بعدي رجال يعرفون منكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله، ولا تعملوا برأيكم».

وفي حديث ابن عمرو يرفعه: «لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» أخرجهما البيهقي بسنده. وقال في الآخر: تفرد به نعيم بن حماد.

قلت: قال الفلاني: إن نعيما ثقة صدوق، وزاد في «التقريب»: يخطئ كثيرا، ولكن له شاهد عند أهل السنن وغيرهم.

وعن عمر الفاروق: اتقوا الرأي في دينكم.

قال الشعبي: هؤلاء الرائيون أصحاب الرأي، لما أعيتهم أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يحفظوها، جاؤوا يجادلون. وعن الزهري مثله.

وعن عمر -رضي الله عنه- بسند رجاله ثقات: أنه قال: يا أيها الناس! اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برأيي اجتهادا، فوالله! ما آلو على الحق، وذلك يوم أبي جندل، والكتاب بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأهل مكة، فقال: «اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم» فقالوا: ترانا قد صدقناك [ ص: 349 ] بما تقول؟ ولكنك تكتب: باسمك اللهم، قال: فرضي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبيت عليهم، حتى قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تراني أرضي، وتأبى أنت؟» قال: فرضيت.

وفيه الاتهام على الرأي، وإن كان بعد الاجتهاد فيه، وأن الاجتهاد مردود عند وجود النص.

وعن علي -كرم الله وجهه-: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخفين أحق بالمسح من ظاهرهما، ولكن رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح على ظاهرهما؛ أي: فتركت الرأي للرواية. وهذا هو الحق الواضح المبين، ومن خالف ذلك فهو من عمل الشياطين.

وعن ابن عمر -رضي الله عنه-: أنه قال: لا يزال الناس على الطريق ما اتبعوا الأثر.

وعن عروة بن الزبير، قال: اتباع السنن قوام الدين.

قال البيهقي بسنده إلى ابن سيرين: أنه قال: أول من قاس إبليس اللعين، قال خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12] وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس.

وأقول: كل كفر وشرك وبدعة وضلالة في الدنيا والدين، فإنما هو من الرأي والظن والقياس والتخمين، ورثه أهله من عزازيل الرجيم، والله تعالى قال في كتابه: ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين [الأنعام: 142] وهذا في غير موضع من التنزيل العظيم.

فاعتبر يا مسلم بهذه الآية، وتأمل فيما صنع أهل الرأي بالرواية، كيف اتبعوا خطوات إبليس، وأتوا بسببه بكل تدليس وتلبيس، فإنا لله على أصحاب الرأي والاستحسان، وأهل البدع والطغيان.

قال الحسن: اتهموا أهواءكم وآراءكم على دين الله، وانتصحوا كتاب الله وسنة رسوله على أنفسكم ودينكم.

[ ص: 350 ] وعن عامر بن يساف، عن الأوزاعي، قال: إذا بلغك عن رسول الله حديث، فإياك يا عامر أن تقول بغيره؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كان مبلغا عن الله تبارك وتعالى.

وعن سفيان الثوري، قال: إنما العلم كله العلم بالآثار. وقال الشافعي: المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغائن.

قلت: وقد شاهدت أهل المراء من المقلدة، قست قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، ووجدتهم يرون المجادلة والمكابرة والمكاتبة أحسن الأعمال لهم، وإنهم يلجئون أصحاب الهداية والسنة إلى الرد عليهم، وهم عنها مبعدون، وعن الالتفات إليها معرضون.

اللهم إلا أن تدعو الضرورة الشديدة إلى الذب عن أهل الحق، فيحررون الجواب في غاية من الإكراه والاستنكاف؛ امتثالا لأمر الله تعالى: وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] لحا الله هذا الرأي المشؤوم، ماذا فعل بأهله وبغيرهم؟ وأباده، وحفظ عنه الدين.

قال أبو الأسود: قلت لابن المبارك: ما ترى في كتابة الرأي؟ قال: إن تكتبه لتعرف به الحديث فنعم، وأما أن نكتبه فتتخذه دينا، فلا.

قلت: وقد وقع خلاف ما أفتى به هذا المبارك بن المبارك، فإنهم كتبوه ليتخذوه دينا، ودونوه شريعة، وجمعوا منه ما لا يعلم غايته إلا الله، فإنا لله على ذهاب الآثار وكتابة الآراء.

هذه كتبهم المدونة في آراء الرجال وأقوال العلماء، صارت سببا عظيما لاندراس السنة، وانطماس الآيات، وباعثا لهم على اتخاذ البدع والضلالات صراطا مستقيما.

فما آفة في الدين، ولا مصيبة على أهله، ولا بلية في الشرع، ولا داهية على [ ص: 351 ] أصحابه، إلا وقد صدر من هذا الرأي والظن والاستحسان، وابتلي بها كل فرد من نوع الإنسان، إلا من رحمه الله، وعصمه من اتباع خطوات الشيطان.

قال عبد العزيز بن أبي سلمة: لما جئت العراق، جاءني أهله فقالوا: حدثنا عن ربيعة الرأي، فقلت: يا أهل العراق! تقولون ربيعة الرأي، لا والله ما رأيت أحدا أحفظ للسنة منه. انتهى.

قلت: ربيعة من التابعين، وكان من مذهبه: الجمع بين الصلاتين تأخيرا بلا عذر، وفيه قال بعضهم:


جمع الصلاتين تأخيرا بلا مرض     وغير عذر من الأعذار مشهور
عن ابن سيرين رأس التابعين وعن     ربيعة الرأي والقفال مذكور



والحق أن الجمع بينهما بلا عذر وردت به السنة غير جائز بنص الكتاب العزيز: فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا [النساء: 103] وتمام البحث على هذه المسألة في «دليل الطالب» وليس هذا موضع بسط الكلام عليها، فراجعه.

وإذا لم يثبت هذا الجمع، فما الرأي وربيعته في مقابلة القرآن والحديث؟

وإن صح عنه هذا المذهب بألف سند وطريق.

قال سفيان: قال ربيعة: إذا بشع القياس، فدعه.

وقال وكيع: قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: من القياس ما هو أقبح من البول في المسجد.

وقال الفلاني: وصدق الإمام الأعظم، وذلك هو القياس المصادم لنص كتاب أو سنة.

قلت: ولم يعظم هذا الإمام الأعظم إلا لقوله بالحق، وهكذا شأن الإمام الكائن في الدين، أي إمام كان.

[ ص: 352 ] وإنما جاء التقصير من جهة المدعين للتقليد بهم، الكاذبين في دعواهم هذه.

فالأئمة الكرام براء منهم، وهم ينسبون أنفسهم إليهم جزافا ومجانا، ومع مباينة طريقهم عن طريق هؤلاء الجهلة.

فإنهم -رضي الله عنهم- قد نهوا عن الرأي والتقليد، وصرح بعضهم بأن الاستحسان بدعة في الدين.

ولكن مقلدوهم باللسان دون الجنان، لم يرضوا بهذا النهي منهم، وقالوا: نحن مقلدوكم، شئتم أو أبيتم. وهم والله يعلم إنهم لكاذبون؛ لأنه لا يستقيم تقليد أحد لأحد إلا إذا قلده في كل ما قاله وأفتى به.

وأما إذا أخذ المقلد -بالكسر- من قول المقلد وفعله -بالفتح- ما وافق رأيه، وترك ما خالف ذلك، فهو في الحقيقة مشاقق له، راد عليه ما قاله، مقلد لنفسه، متخذ لهواه كما قال سبحانه: أرأيت من اتخذ إلهه هواه .

وإني أقسم بالله سبحانه: إن هؤلاء المقلدة للأئمة ليسوا بمقلدين لهم، وإن حلفوا ألف مرة، وجاؤوا بألف يمين؛ لأني شاهدتهم يخالفون الأئمة فيما لا يوافق رأيهم، في كثير من المسائل، ويقلدون غير ذلك الإمام فيما يطابق ظنهم وقياسهم، فأين التقليد، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد؟

نعم يتفوهون بمناقب الإمام، ويدعون أنهم مقلدوه في الكلام، كما أن كل فرقة تدعي أنها ناجية، والأمر في نفس الواقع خلاف ذلك.


وكل يدعي وصلا لليلى     وليلى لا تقر لهم بذاكا



قال يحيى بن حريس: سمعت سفيان -وأتاه رجل فقال: ما تنقم على أبي حنيفة؟- قال: وما له؟ قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن لم أجد في كتاب الله، ولا سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أخذت بقول [ ص: 353 ] أصحابه من شئت منهم، وأدع قول من شئت، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم.

فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين، والحسن، والعطاء، وسعيد بن المسيب -وعدد رجالا- فهم قوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا.

قال: فسكت سفيان طويلا، ثم قال كلمات برأيه ما بقي في المجلس أحد إلا كتبه: نسمع الشديد من الحديث فنخاف، ونسمع اللين فنرجوه، ولا نحاسب الأحياء، ولا نقضي على الأموات، نسلم ما سمعناه، ونكل ما لا نعلم إلى عالمه، ونتهم رأينا لرأيهم.

قال البيهقي: قد ذكرنا في الصحابة إذا اختلفوا كيف يرجح قول بعضهم على بعض، وبماذا يرجح، وليس له في الأخذ بقول بعضهم اختيار شهوة من غير دلالة.

والذي قال سفيان: من «إنا نتهم رأينا لرأيهم» إن أراد به الصحابة إذا اتفقوا على شيء، أو الواحد منهم إذا تفرد بقول ولا مخالف له منهم نعلمه، فكما قال.

وإن أراد التابعين إذا اتفقوا على شيء، فكما قال.

وإن أراد الواحد منهم إذا تفرد بقول لا مخالف له نعلمه منهم، فقد قال كذلك بعض أصحابنا. وإن اختلفوا، فلا بد من الاجتهاد في اختيار أصح أقوالهم. انتهى.

وعن محمد بن إسحاق يقول: سمعت أبا الوليد، وحدث بحديث مرفوع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيل له: ما رأيك؟ فقال: ليس لي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأي.

وقال يحيى بن آدم: لا تحتاج مع قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قول أحد، وإنما يقال: سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر، وعمر؛ ليعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مات وهو عليها.

قال الفلاني: وعلى هذا ينبغي أن يحمل حديث: «عليكم بسنتي وسنة [ ص: 354 ] الخلفاء الراشدين من بعدي» فلا يبقى إشكال في العطف؛ لأنه ليس للخلفاء سنة تتبع إلا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن مجاهد: ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك من قوله، إلا رسول الله. وروي معناه عن الشعبي.

وقال الشعبي: ما حدثوك عن أصحاب رسول الله فخذ به، وما قالوا فيه برأيهم، فبل عليه.

قال ابن عبد البر: يريد به: الرأي المخالف للأثر. انتهى.

وأقول: هذا آخر هذا الباب، وإذا تأملت في مبانيه ومعانيه، وجدت الأدلة من المرفوعات والموقوفات طافحة بذم الرأي وأهله، داعية إلى اتباع القرآن والحديث، ناهية عن إيثار البدعات والمحدثات، ناصة على أن الأصل في الدين هو الكتاب والسنة، لا ثالث معهما، ولا رابع، وأن الاجتهاد في مقابلة النص لا يصح، وأن السلف كانوا ينكرون على الرأي وأهله أشد إنكار، ويحذرون الأمة عنه تحذيرا بالغا.

حتى نبغت نابغة في الإسلام، فضربت أيديها بأذيال القياس والاستحسان، فظهرت بدع كثيرة وآراء غزيرة، وأصيب الإسلام بها مصيبة شديدة، وابتلي بها الدين بآفاتها، وكان أمر الله قدرا مقدورا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث