الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوجه الخامس والسادس

[ ص: 266 ] الخامس : لولا القياس لخلت حوادث كثيرة عن حكم لكثرتها وقلة النصوص ، لا يقال : يمكن النص على المقدمات الكلية ، وتستخرج الجزئية بتحقيق المناط . نحو : كل مطعوم ربوي ، ثم ينظر : هل هذا مطعوم أو لا ؟ لأنا نقول : مجرد الجواز لا يكفي والوقوع منتف ، إذ أكثر الحوادث لم ينص على مقدماتها ، فاقتضى العقل طريقا لتعميم الحوادث بالأحكام ، وهي ما ذكرنا .

السادس : قول معاذ : أجتهد رأيي ، فصوب لا يقال : رواته مجهولون ، ثم المراد تنقيح المناط ؛ لأنا نقول : روي من طريق جيد وتلقي بالقبول ، والاجتهاد أعم مما ذكرتم .

التالي السابق


الوجه " الخامس : لولا القياس ، لخلت حوادث كثيرة عن " أحكام ؛ لكثرة الحوادث ، " وقلة النصوص " ، فلا يوجد في كل حادثة نص يخصها ، ويبين حكمها ، فاحتيج إلى إلحاق غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه بطريق ظني أو قطعي صيانة لبعض الوقائع عن التعطيل عن حكم شرعي ، " لا يقال : يمكن النص على المقدمات الكلية ، وتستخرج " منها الأحكام " الجزئية بتحقيق المناط " كما سبق في النوع الأول منه ، " نحو " قولنا : " كل مطعوم ربوي ، ثم ينظر هل هذا " الأرز والذرة " مطعوم " فيثبت الحكم فيه ، أو لا فلا ، ونحو : قدر الكفاية واجب ، ثم ينظر هل هذا الرطل قدر الكفاية أم لا ؟ [ ص: 267 ] " لأنا نقول " في جواب هذا السؤال : " مجرد " جواز ذلك ، أعني النص على القواعد الكلية " لا يكفي " في إثباته ، ووقوعه منتف ، " إذ أكثر الحوادث " والوقائع " لم ينص على مقدماتها " ، والجواز لا يستلزم الوقوع ، وحينئذ اقتضى العقل وحكمة الشرع وضع طريق " لتعميم الحوادث بالأحكام . وهي ما ذكرنا " من القياس .

الوجه " السادس : قول معاذ - رضي الله عنه : أجتهد رأيي ، فصوب " .

هذا إشارة إلى الاستدلال بحديث معاذ وهو ما روى شعبة عن أبي عون الثقفي ، عن الحارث بن عمرو وهو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن رجال من أصحاب معاذ - رضي الله عنه - ، وفي رواية عن أناس من أهل حمص عن معاذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا إلى اليمن ، فقال : كيف تقضي ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال : فبسنة رسول الله ، قال : فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال : أجتهد رأيي ، قال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله . رواه أبو داود والترمذي ، وقال : لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس هو عندي بمتصل .

ووجه الاستدلال به أن معاذا - رضي الله عنه - ذكر أنه يحكم بالقياس ، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي : أخبر بتصويبه وتوفيقه في ذلك ، والنبي - عليه السلام - لا يصوب إلا صوابا ، ولا يقر إلا على حق .

قوله : " لا يقال " ، هذا اعتراض على الحديث بوجهين :

أحدهما : أن " رواته مجهولون " ، وهم رجال من أصحاب معاذ ، أو أناس من أهل حمص ، ورواية المجهول اختلف في العمل بها في جزئيات الفروع ، [ ص: 268 ] فكيف يعمل بها في إثبات هذا الأصل العظيم والقاعدة الكلية من قواعد الدين ؟

الوجه الثاني : أنه لو ثبت ، لم يكن فيه دلالة على استعمال القياس ؛ لأنه لم يصرح بلفظه ، وإنما أتى بلفظ الاجتهاد ، فقال : أجتهد رأيي ، و " المراد " به " تنقيح المناط " كما سبق بيانه .

قوله : " لأنا نقول " ، أي : الجواب عما ذكرتم :

أما عن الوجه الأول ، فلأنا نقول : قد " روي من طريق جيد " ، وهو من طريق عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ ، فزالت الجهالة عنه ، ولو سلمنا أنه لم يرو من غير طريقه المجهول ، لكن غايته أن يكون مرسلا ، لكن تلقته الأمة بالقبول ، فلا يضره الإرسال .

وأما عن الوجه الثاني : فنقول : لا يصح حمل اجتهاده رأيه على تنقيح المناط من وجهين :

أحدهما : أن الاجتهاد أعم من تنقيح المناط ، فحمله عليه تخصيص يحتاج إلى دليل .

الثاني : أن تنقيح المناط يستدعي أن يكون هناك نص يتنقح المناط فيه كما ذكر في حديث الأعرابي ، ومعاذ - رضي الله عنه - أخبر أنه يجتهد فيما ليس فيه نص كتاب ولا سنة .

واعلم أن هذا جواب قوي متين ، فإن ساعده ثبوت الحديث وصحته ، نهض بالدلالة وإلا فلا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث