الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن باع صبرة طعام بصبرة طعام ، صاعا بصاع ، فخرجتا متساويتين صح البيع ، وإن خرجتا متفاضلتين ففيه قولان ( أحدهما ) أنه باطل ، لأنه [ ص: 205 ] بيع طعام بطعام متفاضلا ( والثاني ) أنه يصح فيما تساويا فيه لأنه شرط التساوي في الكيل . ومن نقصت صبرته فهو بالخيار بين أن يفسخ البيع وبين أن يمضيه بمقدار صبرته ، لأنه دخل على أن يسلم له جميع الصبرة ولم يسلم له ، فثبت له الخيار )

التالي السابق


( الشرح ) بيع الصبرة بالصبرة له حالتان ( إحداهما ) أن يكون جزافا ، وقد تقدم حكمه ( والثاني ) أن يكون مكايلة ، كما إذا باع صبرة طعام بصبرة طعام صاعا بصاع والكلام الآن فيه ، والمسألة هكذا كما ذكرها المصنف رحمه الله . منصوص عليها في الأم في باب المزابنة . قال الشافعي رضي الله عنه : ولو عقدا ببيعهما أن يتكايلا هذين الطعامين جميعا بأعيانهما مكيالا بمكيال فتكايلا فكانا مستويين جاز ، وإن كانتا متفاضلتين فقولان ( أحدهما ) أن للذي نقصت صبرته الخيار في رد البيع ، لأنه بيع شيء فلم يسلم له لأنه لا يحل له أخذه أو رد البيع ( والقول الثاني ) أن البيع مفسوخ لأنه وقع على شيء بعضه حرام وبعضه حلال فالبيع مفسوخ وبهذا أقول ، والقول الذي حكيت ضعيف ليس بقياس ، وإنما يكون له الخيار فيما نقص لا في الزيادة بعضه على بعض ، فأما فيما فيه ربا فقد انعقد البيع على الكل فوجدنا البعض محرما أن يملك بهذا العقد فكيف يكون له الخيار في أن يأخذ بعض بيعة وفيها حرام . هذا لفظ الشافعي - رحمه الله - بحروفه ، وتبعه أصحابه على ذلك القاضي أبو الطيب والقاضي الحسين والمحاملي والفوراني والشيخ أبو محمد والرافعي والعمراني وآخرون ، كلهم جزموا بالصحة فيما إذا خرجتا متساويتين . قال الشيخ أبو محمد في السلسلة : جائز قولا واحدا ، وأغرب الشاشي فقال في الحلية إن خرجتا متساويتين وقلنا عند التفاضل يبطل فهاهنا وجهان ( أحدهما ) يبطل قال : وليس بشيء . وينبغي أن يتوقف في إثبات هذا الخلاف في متابع فإني أخشى أن يكون حصل في ذلك وهم ، وانتقال من الفرع الذي سيأتي إذا تقابضا مجازفة وتفرقا ، ثم تكايلا وخرجتا سواء فهناك وجهان والله أعلم .

[ ص: 206 ] وقد يستشكل الجزم بالصحة في ذلك ، فإن العلم بالمماثلة حالة العقد لم يوجد وهو شرط كما تقدم ، وحصول العلم في المجلس لا يكفي عندنا بدليل ما لو تبايعا جزافا ثم ظهر التساوي في المجلس لا يكفي ، وإن تخيل متخيل أن المقصود مقابلة كل صاع بصاع لا مقابلة المجموع بالمجموع فذلك باطل ; بل المقابلتان مقصودتان وانطباق الجملة على التفصيل غير معلوم عند العقد فيندرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم " { لا تباع الصبرة من الطعام بالصبرة من الطعام } " ونهيه عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها . وقد يعتذر عنه بأنه لما كانت المكايلة هنا مشترطة واجبة على البائع اكتفى بها وفارق بذلك التبايع جزافا ، فإن الكيل ليس واجبا فيه بحكم العقد فبطل ، وهذا العذر لا يفيد ، قوله : وإن خرجتا متفاضلتين فقولان كما تقدم في ذلك كلام الشافعي ، وقد رجح رضي الله عنه في كلامه الذي تقدم القول بالبطلان ولذلك قال البندنيجي فيما حكي عنه : إنه المذهب وصححه البغوي في التهذيب ، وخالفه ابن أبي عصرون فصحح في الانتصار وجزم في المرشد والأحكام المختارة بالصحة فيما تساويا فيه ، والمشهور البطلان ، وعلله البغوي بأنه قابل الجملة بالجملة ، وهما متفاوتتان ، وكلام الشافعي - رحمه الله - المتقدم يرشد إلى هذه العلة ، وفي المطلب أن المأخذ في ذلك النظر إلى عدم الصحة فيما إذا باع صبرة إلا قفيزا وأن القائل الآخر ينظر إلى أن ذلك لم يقع مقصودا ، وقال إن هذا أشبه من المأخذ الذي ذكره البغوي ، لأنه لا مقابلة مع اشتراط كيل بكيل وما قاله ممنوع مخالف لكلام الشافعي فإن المقابلة حاصلة .

واعلم أن كلام الشافعي وما ذكره من العلة كالصريح في أنه بنى ذلك على قوله المعروف في منع تفريق الصفقة ، وهو الذي قال الربيع في كتاب الصلح من الأم أنه الذي يذهب إليه الشافعي ، ولكنه - لو قلنا بأن الصفقة تفرق - لم يطرد ذلك هنا ، لأنه لا جريان له في الربويات ، ألا ترى أنه لو باع درهما بدرهمين لم نقل بصحته في درهم مشاعا ؟ ولو قلنا بأنه يخير بكل الثمن وهذا أحد ما يستدل به لمنع تفريق الصفقة ، والضابط فيما يجري فيه خلاف تفريق الصفقة أن يكون الفساد تخلل في بعض المعقود عليه ، والفساد في الربويات [ ص: 207 ] إنما كان تخلل في العقد نفسه ، وكون هذه المقابلة محظورة من الشارع ، ونسبة ذلك إلى كل من أجزاء المبيع على السواء ، وأجزاء كل من العوضين صالحة لإيراد العقد عليها ، وكل منهما مستجمع شرائط البيع ، فلذلك لم يمكن القول بتفريق الصفقة فيه ، وفسد في الجميع قولا واحدا بخلاف المسائل التي يجري فيها خلاف تفريق الصفقة فإن بعض المعقود عليه فيها لم يستجمع شرائط البيع من حيث الفساد في المعقود عليه فأمكن القول بالإبطال فيه ، وتصحيح غيره . والحاصل أن الحرام في صورة تفريق الصفقة هو أحد الجزأين والهيئة الاجتماعية إنما حرمت لاشتمالها عليه . فإذا فرض الإبطال زال المقتضي لتحريمها وعقود الربا بالعكس من ذلك ، فإن المحرم فيها ليس واحدا من الجزأين ، وإنما المحرم الهيئة الاجتماعية ونسبتها إلى كل الأجزاء على السواء ، ولذلك بطل في الجميع .

( فإن قلت ) قول الشافعي رضي الله عنه بأنه وقع العقد على شيء بعضه حرام وبعضه حلال يخالف ما بطل في الجميع ( قلت ) ظاهره ذلك ، ولكن من تأمله إلى آخره علم ما قلته ، فإنه فرق بين الربوي وغيره ، وذلك الوصف مشترك بينهما فلا بد من تأويل كلامه وحمله على ما قلته غير ممتنع النظر ، وإن كان فيه بعض تعسف وقول الشافعي : إنما يكون له الخيار فيما نقص لا فيما لا ربا في زيادة بعضه على بعض إلى آخره ، يؤيده إذا باعه صبرة بعشرة دراهم مثلا ، كل صاع بدرهم وخرجت ناقصة عن العشرة ، فهاهنا يمكن أن يقال : إنه يصح في الصبرة بجميع العشرة ، لأنه لا ربا فيها ، ويثبت له الخيار ، وفيه مخالفة لما صححه صاحب التهذيب هناك ، فإنه صحح أنها متى خرجت ناقصة أو زائدة ببطلان البيع ، وعلله بأنه باع جملة الصبرة بعشرة ، وشرط مقابلة كل صاع منها بدرهم ، والجمع بينهما عند الزيادة والنقصان ممتنع ، وهذه العلة مطردة في مسألتنا أيضا ، لكن لا حاجة إليها لما تقدم ، وقد اتفقت طريقة الأصحاب على حكاية هذين القولين ، وفي تعليق الطبري عن ابن أبي هريرة قال وقد قيل : إنه إنما يكون البيع جائزا إذا كان ليس مما لا ربا فيه ، مثل [ ص: 208 ] الحمص وما أشبهه ، فأما ما فيه الربا فإنه قول واحد : البيع باطل لأنه بيع الطعام متفاضلا .

( التفريع ) إن قلنا بالصحة فيما تساويا فيه فيثبت الذي باع الصبرة الناقصة وهو مشتري الناقصة وهو مشتري الصبرة الكثيرة الخيار كما نص عليه الشافعي والأصحاب لما ذكره المصنف ، قال في المطلب : وفيه نظر من جهة أن مقابلة الشيء بمثله مقصود بالعقد فلم يغب عليه شيء وهذا النظر ضعيف لأن فيه إحالة لتصوير المسألة ، فإن صورتها أن تقع مقابلة الجملة بالجملة ، ولكن المماثلة مظنونة فإذا قامت المماثلة بطل الخيار وممن وافقنا على هذه المسألة والصحة عند التساوي وثبوت الخيار عند ظهور التفاضل الحنابلة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث