الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يضمن وما لا يضمن وبين قاعدة ما لا يضمن

( الفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن وبين قاعدة ما لا يضمن )

اعلم أن أسباب الضمان في الشريعة ثلاثة لا رابع لها أحدها العدوان كالقتل والإحراق وهدم الدور وأكل الأطعمة وغير ذلك من أسباب إتلاف المتمولات فمن تعدى في شيء من ذلك وجب عليه الضمان إما المثل إن كان مثليا ، أو القيمة إن كان مقوما ، أو غير ذلك من الجوابر على ما تقدم في الفرق بين قاعدة الزواجر والجوابر ، وثانيها التسبب للإتلاف كحفر الآبار في طرق الحيوان في غير الأرض المملوكة للحافر ، أو في أرضه لكن حفرها لهذا الغرض وكوقيد النار قريبا من الزرع ، أو الأندر فتعدو فتحرق ما جاورها وكرمي ما يزلق الناس في الطرقات فيعطب بسبب ذلك حيوان ، أو غيره وكالكلمة الباطلة عند ظالم إغراء على مال إنسان فإن الظالم إذا أخذ المال بذلك السبب من الكلام ضمنه المتكلم وكتقطيع الوثيقة المتضمنة للحق وللشهادة به فيضيع الحق بسبب تقطيعها فيضمن عند مالك ذلك الحق لتسببه فيه وعند الشافعي يضمن [ ص: 207 ] ثمن الورقة خاصة فاعتبر الإتلاف دون السبب ومالك اعتبرهما معا ورأى أنه أتلف الحق بالمباشرة بالإتلاف وأتلف الحق بالتسبب فرتب على الوجهين مقتضاهما وكمن مر على حبالة فوجد فيها صيدا يمكنه تخليصه وحوزه لصاحبه فتركه حتى مات يضمنه عند مالك ؛ لأن صون مال المسلم واجب ومن ترك واجبا في الصون ضمن وكذلك إذا مر بلقطة يعلم أنه إذا تركها أخذها من يجحدها وجب عليه أخذها .

وإن تركها حتى تلفت مع قدرته على أخذها ضمنها وللسبب الموجب للضمان نظائر كثيرة منها متفق عليه ومنها مختلف فيه لكن حصل الاتفاق من حيث الجملة على أن التسبب موجب للضمان .

وثالثها وضع اليد التي ليست بمؤتمنة وقولي " ليست بمؤتمنة " خير من قولي اليد العادية فإن اليد العادية تختص بالسراق والغصاب ونحوهم ، وتبقى من الأيدي الموجبة للضمان قبض بغير عدوان بل بإذن المالك كقبض المبيع ، أو بقاء يد البائع فإنه من ضمان البائع قبل القبض ومن ضمان المشتري بعد القبض مع عدم العدوان وكقبض المبيع بيعا فاسدا فإنه من ضمان المشتري عندنا بالقيمة إذا تغير سوقه ، أو تغير في ذاته أو تعلق به حق الغير ، أو تلف بآفة سماوية ، أو أتلفه المشتري وهذا السبب الأخير متفق عليه بيننا وبين الشافعية دون ما قبله من حوالة الأسواق ونحوها وكقبض العواري والرهون التي يغاب عليها كالحلي والسلاح وأنواع العروض على الخلاف في ذلك بيننا وبين الشافعي وكقبض الأعيان التي تقترض فإن المقترض يضمنها اتفاقا مع عدم العدوان ونظائرها كثيرة وخرج بقولي " التي ليست بمؤتمنة " اليد المؤتمنة كوضع اليد في الودائع والقراض والمساقاة وأيدي الأجراء .

ووضع الأيدي عند مالك في الإجارة تختلف فاستثنى منها صورتين : الأجير الذي يؤثر في الأعيان بصنعته كالخياط والصباغ والقصار ؛ لأن السلعة إذا تغيرت بالصنعة لا يعرفها ربها إذا وجدها قد بيعت في الأسواق فكان الأصلح للناس [ ص: 208 ] تضمين الأجراء في ذلك وهو من باب الاستحسان ولم يره الشافعي رضي الله عنه بل طرد قاعدة الأمانة في الإجارة ، والأجير على حمل الطعام الذي تتوق النفس إلى تناوله كالفواكه والأشربة والأطعمة المطبوخة فإن الأجير يضمن سدا لذريعة التناول منها وطرد الشافعي القاعدة أيضا ههنا فلم يضمن أيضا وكأيدي الأوصياء على أموال اليتامى ، والحكام على ذلك وأموال الغائبين والمجانين فجميع ذلك لا ضمان فيه ؛ لأن الأيدي فيه مؤتمنة فهذه الأسباب الثلاثة هي أسباب الضمان فهي قاعدة ما يضمن وما عداها فهو قاعدة ما لا يضمن كما تقدم من النظائر ، وإذا اجتمع منها سببان كالمباشرة والتسبب من جهتين غلبت المباشرة على التسبب كمن حفر بئرا لإنسان ليقع فيه فجاءه آخر فألقاه فيه فهذا مباشر والأول متسبب فالضمان على الثاني دون الأول تقديما للمباشرة على التسبب ؛ لأن شأن الشريعة تقديم الراجح عند التعارض إلا أن تكون المباشرة مغمورة كقتل المكره فإن القصاص يجب عليهما ولا تغلب المباشرة لقوة التسبب وكتقديم السم لإنسان في طعامه فيأكله جاهلا به فإنه مباشر لقتل نفسه .

وواضع السم متسبب ، والقصاص على المتسبب وحده وكشهود الزور ، أو الجهلة يشهدون بما يوجب ضياع المال على إنسان ، ثم يعترضون بالكذب ، أو الجهالة فإنهم يضمنون ما أتلفوه بشهادتهم ولا ينقض الحكم ولا يضمن الحاكم شيئا مع أنه المباشر ، والشاهد متسبب ، غير أن المصلحة العامة قد اقتضت عدم تضمين الحكام ما اخطئوا فيه ؛ لأن الضمان لو تطرق إليهم مع كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار في الولايات واشتد امتناعهم فيفسد حال الناس بعدم الحكام فكان الشاهد بالضمان أولى ؛ لأنه متسبب للحاكم في الإلزام والتنفيذ وكما قيل الحاكم أسير الشاهد ويقع في هذا الباب مسائل كثيرة مختلف فيها ولكن الأصل هو ما قدمته في أسباب الضمان وعدمه [ ص: 209 ]

[ ص: 209 - 211 ]

التالي السابق


[ ص: 209 - 211 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن )

وبين قاعدة ما لا يضمن ، للضمان ثلاثة أركان : الأول ما يجب فيه الضمان ، والثاني الموجب للضمان ، والثالث الواجب في الضمان فأما ما يجب فيه الضمان فقال في بداية المجتهد : كل مال أتلفت عينه ، أو تلف عند الغاصب أي ، أو غيره عينه بأمر من السماء ، أو سلطت اليد عليه وتملك وذلك فيما ينقل ويحول باتفاق واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار فقال الجمهور : إنها تضمن بالغصب أعني أنها إن انهدمت الدار ضمن من قيمتها .

وقال أبو حنيفة لا يضمن وسبب اختلافهم هل كون يد الغاصب على العقار مثل كون يده على ما ينقل ويحول فمن جعل حكم ذلك واحدا قال بالضمان ومن لم يجعل حكم ذلك واحدا قال لا ضمان ا هـ .

وأما الموجب للضمان في الشريعة فثلاثة أسباب لا رابع لها فمتى وجد واحد منها وجب الضمان ومتى لم يوجد واحد منها لم يجب الضمان :

أحدها العدوان كالقتل والطرق ، وهدم الدور وأكل الأطعمة وغير ذلك من أسباب إتلاف المتمولات قال في بداية المجتهد وهل يشترط في المباشرة أي مباشرة الإتلاف العمد ، أو لا يشترط فالأشهر أن الأموال تضمن عمدا وخطأ ، وإن كانوا قد اختلفوا في مسائل جزئية من هذا الباب وهل يشترط فيه أن يكون مختارا فالمعلوم عن الشافعي أنه يشترط أن يكون مختارا ولذلك رأى على المكره الضمان ، أعني المكره على الإتلاف ا هـ

وثانيها التسبب للإتلاف قال الأصل : وللسبب الموجب للضمان نظائر كثيرة منها متفق عليه ومنها مختلف فيه لكن حصل الاتفاق من حيث الجملة [ ص: 204 ] على أن التسبب موجب للضمان وقال فيما يأتي له في الفرق السابع عشر والمائتين : والسبب ما يقال عادة حصل الهلاك به من غير توسط ، والتسبب ما يحصل الهلاك عنده بعلة أخرى إذا كان السبب هو المقتضي لوقوع الفعل بتلك العلة ا هـ .

وقال في بداية المجتهد واختلفوا في السبب الذي يحصل بمباشرته الضمان إذا تناول التلف بواسطة سبب آخر هل يحصل به ضمان أم لا ولذلك نظائر منها أن يفتح قفصا فيه طائر فيطير بعد الفتح فقال مالك يضمنه هاجه على الطيران ، أو لا وقال الشافعي : يضمن إن هاجه ولا يضمن إن لم يهجه يعني إن طار عقيب الفتح ضمن ، وإلا فلا .

وقال أبو حنيفة لا يضمن على حال واحتج مالك بأن فتح القفص سبب الإتلاف عادة فيوجب الضمان كسائر صور التسبب المجمع عليها كما إذا فتح مراحه فخرجت ماشيته فأفسدت الزرع فإنه يضمنه وقد أسقط لقوله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } خصوص التسبب فبقي الغرم واحتجوا بأنه إذا اجتمع التسبب والمباشرة اعتبرت المباشرة دونه والطير مباشر باختياره لحركة نفسه كمن حفر بئرا عدوانا في محل فأردى فيها غيره إنسانا فإن المردي يضمن دون الحافر والحيوان قصده معتبر بدليل جوارح الصيد إن أمسكت لأنفسها لا يؤكل الصيد أو للصائد أكل والجواب بوجوه :

الوجه الأول أنا لا نسلم أن الطائر كان مختارا للطيران ولعله كان مختارا للإقامة لانتظار العلف ، أو خوف الجوارح الكواسر ، وإنما طار خوفا من الفاتح ، وإذا احتمل - واحتمل ، والسبب معلوم - فيضاف الضمان إليه كحافر البئر يقع فيها حيوان مع إمكان اختياره لنزولها لفزع خلفه ، أو غير ذلك .

الوجه الثاني أنا لا نسلم أن الصيد لا يؤكل إذا أكل منه الجارح ، سلمناه لكن الضمان متعلق بالسبب الذي توصل به الطائر لمقصده كمن أرسل بازيا على طائر غيره فقتله البازي باختياره فإن المرسل يضمن وهذه المسألة تقتضي اختيار الحيوان .

الوجه الثالث أنا لا نسلم أن الفتح سبب مجرد بل هو في معنى المباشرة لما في طبع الطائر من النفور من الآدمي .

الوجه الرابع أنا نفرق بين حافر البئر يضمن من أردى إنسانا فيها دونه وبين فاتح القفص فيطير الطائر منه يضمن الفاتح ولم يعتبر قصد الطائر بأن قصد الطائر ونحوه ضعيف لقوله صلى الله عليه وسلم { جرح العجماء جبار ، والآدمي يضمن قصد ، أو لم يقصد } فافهم ومنها من حفر بئرا فسقط فيه شيء فهلك فمالك والشافعي يقولان إن حفره بحيث أن يكون حفره تعديا ضمن ما تلف فيه ، وإلا لم يضمن ويجيء على أصل أبي حنيفة أنه لا يضمن كمسألة الطائر ومنها وقيد النار قريبا من الزرع ، أو الأندر فتعدو فتحرق ما جاورها ومنها رمي ما يزلق الناس في الطرقات فيعطب بسبب ذلك حيوان ، أو غيره ومنها الكلمة الباطلة عند ظالم إغراء على مال إنسان فيأخذه الظالم فإن المتسبب في جميعها يضمن ما تلف بسببه عند مالك والشافعي ويجيء على أصل أبي حنيفة أنه لا يضمنه كمسألة الطائر ومنها من قطع الوثيقة المتضمنة للحق والشهادة به يضمن عند مالك ذلك الحق لتسبب فيه كثمن الوثيقة وعند الشافعي يضمن ثمن الوثيقة خاصة فاعتبر الشافعي الإتلاف دون السبب ومالك اعتبرهما معا ورأى أنه أتلف الورقة [ ص: 205 ] بالمباشرة بالإتلاف وأتلف الحق بالتسبب فرتب على الوجهين مقتضاهما ومنها من مر على حبالة فوجد فيها صيدا يمكنه تخليصه وحوزه لصاحبه فتركه حتى مات يضمنه لصاحبه عند مالك لأن صون مال المسلم واجب ومن ترك واجبا في الصون ضمن ومنها من مر بلقطة وعلم أنه إذا تركها أخذها من يجحدها يضمنها عند مالك إذا تركها حتى تلفت مع قدرته على أخذها لأنه يجب عليه أخذها ا هـ .

كلام البداية بتصرف وزيادة مما يأتي للأصل في الفرق المذكور ومن غيره .

وثالثها وضع اليد التي ليست بمؤتمنة ، سواء كانت عادية كيد السراق والغصاب ونحوهم أو ليست بعادية كما في المبيع بيعا صحيحا يبقى بيد البائع فيضمنه ، أو يقبضه المشتري فيضمنه أو بيعا فاسدا يقبضه المشتري فيضمنه عندنا فقط إذا تغير سوقه ، أو في ذاته ، أو تعلق به حق الغير ، أو تلف بآفة سماوية وعندنا وعند الشافعية أيضا إذا أتلفه المشتري ، وكما في قبض العواري والرهون التي يغاب عليها كالحلي والسلاح وأنواع العروض على الخلاف في ذلك بيننا وبين الشافعي وكما في قبض المقترض الأعيان التي يقترضها فإنه يضمنها اتفاقا ونظائر ذلك كثيرة وخرج بقيد التي ليست بمؤتمنة اليد المؤتمنة كوضع اليد في الودائع والقراض والمساقاة ، وكأيدي الأوصياء على أموال اليتامى ، والحكام على ذلك وأموال الغائبين والمجانين وكذا أيدي الأجراء في الإجارة مطلقا عند الشافعي ولو كان الأجير صانعا يؤثر بصنعته في الأعيان ، أو على حمل الطعام الذي تتوق النفس إلى تناوله كالفواكه والأشربة والأطعمة المطبوخة طردا لقاعدة الأمانة في الإجارة واستثنى مالك من القاعدة المذكورة صورتين : الأولى الأجير الذي يؤثر في الأعيان بصنعته كالخياط والقصار استحسن فيها أن الأصلح للناس تضمين الأجراء لأن السلعة إذا تغيرت بالصنعة لا يعرفها ربها إذا وجدها قد بيعت في الأسواق .

والثانية الأجير على حمل الطعام الذي تتوق النفس إلى تناوله فإنه رحمه الله تعالى يضمن الأجير فيها سدا للذريعة ، إذا علمت هذا علمت أن جميع ما وضع الأيدي فيه مؤتمنة من النظائر لا ضمان فيه وهي قاعدة ما لا يضمن وأن جميع ما وضع الأيدي فيه غير مؤتمنة من النظائر فيه الضمان كما في مباشرة إتلاف المتمولات والتسبب للإتلاف وأن هذه الأسباب الثلاثة هي أسباب الضمان وهي قاعدة ما يضمن فهذا هو تقرير قاعدة ما يوجب الضمان وقاعدة ما لا يوجبه .

وأما الواجب في الضمان فهو إما رد المال بعينه إن كان قائما عنده بعينه لم تدخله زيادة ولا نقصان ، وإما رد مثله إن استهلك وكان مثليا ، أما إن كان عروضا من حيوان وغيره فقال مالك لا يقضى فيه إلا بالقيمة يوم استهلك .

وقال الشافعي وأبو حنيفة وداود : الواجب في ذلك المثل ولا تلزم القيمة إلا عند عدم المثل وعمدة مالك حديث أبي هريرة المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم { من أعتق شقصا له في عبد قوم عليه الباقي قيمة العدل } الحديث .

ووجه الدليل منه أنه لم يلزمه المثل وألزمه القيمة وعمدة الطائفة الثانية { فجزاء مثل ما قتل من النعم } ولأن منفعة الشيء قد تكون هي المقصودة عند المتعدى عليه ومن الحجة لهم ما خرج أبو داود من حديث أنس وغيره { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عنده بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين جارية بقصعة لها فيها طعام قال [ ص: 206 ] فضربت بيدها فكسرت القصعة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى وجعل فيها جميع الطعام ويقول غارت أمكم كلوا كلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم القصعة حتى فرغوا فدفع الصفحة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته } ، وفي حديث آخر { أن عائشة كانت هي التي غارت وكسرت الإناء وأنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كفارة ما صنعت قال : إناء مثل إناء وطعام مثل طعام } كما في بداية المجتهد ، وأما غير ذلك من الجوابر على ما تقدم في الفرق التاسع والثلاثين بين قاعدتي الزواجر والجوابر .

( وصل ) إذا اجتمع من أسباب الضمان الثلاثة سببان كالمباشرة والتسبب من جهتين كمن حفر بئرا لإنسان ليقع فيه فجاءه آخر فألقاه فيه فهذا مباشر والأول متسبب فالغالب تقديم المباشرة على التسبب لأن شأن الشريعة تقديم الراجح عند التعارض فيقدم في المثال المذكور الملقي فيكون الضمان عليه دون الحافر وقد لا تقدم المباشرة على التسبب لضعفها عنه بل إما أن يجعل الضمان على المباشر والمتسبب معا إذا كانت المباشرة مغمورة كقتل المكره فإن القصاص يجب عليها ولا تغلب المباشرة لقوة التسبب ، وإما أن يجعل الضمان على المتسبب وحده إذا وقعت المباشرة من نفس المقتول جهلا كتقديم السم لإنسان في طعامه فيأكله جاهلا به فإنه مباشر لقتل نفسه ، وواضع السم متسبب فالقصاص على المتسبب وحده أو وقعت المباشرة من الحكام كما إذا شهد شهود الزور ، أو الجهلة بما يوجب ضياع المال على الإنسان ، ثم يعترفون بالكذب ، أو الجهالة فإنهم يضمنون ما أتلفوه بشهادتهم لأنهم متسببون كالمكره بكسر الراء بجامع مطلق التسبب ولا ينقض الحكم ولا يضمن الحاكم شيئا مع أنه المباشر ، والشاهد متسبب لأن المصلحة العامة قد اقتضت عدم تضمين الحكام ما أخطئوا فيه لأن الضمان لو تطرق إليهم مع كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار في الولايات واشتد امتناعهم فيفسد حال الناس بعدم الحكام فكان الشاهد بالضمان أولى لأنه متسبب للحاكم في الإلزام والتنفيذ وكما قيل الحاكم أسير الشاهد ويقع في هذا الباب مسائل كثيرة مختلف فيها ، ولكن الأصل هو ما تقدم في أسباب الضمان وعدمه والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث