الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا .

الشفاعة من الشفع وهو مقابل الوتر أي الفرد ، قال الراغب : الشفع ضم الشيء إلى مثله ، والشفاعة الانضمام إلى آخر ، ناصرا له وسائلا عنه ، والذي يناسب السياق واتصال الآية بما قبلها من الآيات أن معنى قوله تعالى : من يشفع شفاعة حسنة من يجعل نفسه شفعا لك وقد أمرت بالقتال وترا ، وهي الشفاعة الحسنة لأنها نصر للحق وتأييد له ، ومثل ذلك كل من ينضم إلى أي محسن ويشفعه يكن له نصيب منها ، أي من شفاعته هذه [ ص: 249 ] بما يناله من الفوز والشرف والغنيمة من الدنيا عندما ينتصر الحق على الباطل ، وبما يكون له من الثواب في الآخرة سواء أدرك النصر في الدنيا أم لم يدركه ، والنصيب الحظ المنصوب ، أي : المعين كما قال الراغب : ومن يشفع شفاعة سيئة بأن ينضم إلى عدوك فيقاتل معه ، أو يخذل المؤمنين عن قتاله ، وهذه هي الشفاعة السيئة ، ومثلها كل إعانة على السيئات يكن له كفل منها ، أي : نصيب من سوء عاقبتها ، وهو ما يناله من الخذلان في الدنيا والعقاب في الآخرة ، فالكفل بمعنى النصيب المكفول للشافع لأنه أثر عمله ، أو المحدود لأنه على قدره ، أو الذي يجيء من الوراء ، وهو على هذا مشتق من كفل البعير وهو عجزه ، أو مستعار من المركب الذي يسمى كفلا بالكسر ، قال في لسان العرب : والكفل من مراكب الرجال وهو كساء يؤخذ فيعقد طرفاه ثم يلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره مما يلي العجز - أي الكفل بفتح الكاف والفاء - وقيل : هو شيء مستدير يتخذ من خرق أو غير ذلك ويوضع على سنام البعير ، وفي حديث أبي رافع قال : " ذلك كفل الشيطان " يعني مقعده ثم قال : والكفل ما يحفظ الراكب من خلفه ، والكفل النصيب مأخوذ من هذا ، انتهى ، كأنه أراد الانتفاع من ناحية الكفل والمؤخر .

والراغب ذهب إلى القول الأول وفاقا لابن جرير ، قال : إنه مستعار من الكفل - بالكسر - وهو الشيء الرديء واشتقاقه من الكفل ، وهو أن الكفل لما كان مركبا ينبو براكبه صار متعارفا في كل شدة كالسيساء ، وهو العظم الناتئ من ظهر الحمار فيقال : لأحملنك على الكفل والسيساء ، ثم قال : ومعنى الآية من ينضم إلى غيره معينا له في فعلة حسنة يكن له منها نصيب ، ومن ينضم إلى غيره معينا له في فعلة سيئة ينله منها شدة ، وقيل : الكفل الكفيل ونبه على أن من تحرى شرا فله من فعله كفيل يسأله ، كما قيل من ظلم فقد أقام كفيلا بظلمه ، تنبيها إلى أنه لا يمكنه التخلص من عقوبته انتهى .

وفسر الآية بنحو ما ذكرنا شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ، ولكنه جعل الشفاعة لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ونحن جعلناها له - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه أمر أولا بالقتال وحده فكأن كل من يتصدى للقتال معه قد تصدى لأن يجعل نفسه معه شفيعا ، واسم الشرط في من يشفع يؤذن بالعموم ولكن يدخل فيه ما ذكرنا دخولا أوليا بقرينة السياق .

قال ابن جرير : وقد قيل إنه عنى بقوله من يشفع شفاعة حسنة ، شفاعة الناس بعضهم لبعض ، وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكرنا ثم عم بذلك كل شافع بخير أو شر ، وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك لأنه في سياق الآية التي أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيما يحض المؤمنين على القتال ، فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والوعيد لمن أبى إجابته - أشبه منه بالحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض اهـ .

ثم ذكر أقوال من ذكروا أنها في شفاعة الناس بعضهم لبعض .

[ ص: 250 ] وقد ذكر الرازي لاتصال الآية بما قبلها وجوها أولها ، وثانيها أنه جعل تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - على القتال بمعنى الشفاعة الحسنة له أجره ، وأنه ليس عليه ممن تمرد وعصى وزر ولا عيب . والثالث : جواز أن بعض المنافقين كان يشفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن القتال فنهى الله - تعالى - عن هذه الشفاعة ، وبين أن الشفاعة إنما تحسن إذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة الله - تعالى - دون العكس ، وهذا الوجه صحيح ، وكان واقعا وقد ذكر في سورة التوبة استئذانهم في التخلف ، وقد يستأذن بعضهم بغيره ويشفع له كما يستأذن لنفسه . والرابع - مما ذكره الرازي - : جواز أن يشفع بعض المؤمنين لبعض في إعانة من لا يجد أهبة القتال أن يعان عليها ، وحاصل الوجهين : أن الشفاعة ذكرت في هذا السياق لأن من شأنها أن تقع في الإعانة على القتال أو القعود عنه ، وإن كان اللفظ عاما على سنة القرآن في الإتيان بالقواعد الكلية والمسائل العامة في سياق بيان بعض ما يدخل في ذلك العموم .

ثم ذكر الرازي في تفسير الشفاعة خمسة وجوه :

أولها : أنها تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم على الجهاد ; لأنه بذلك يجعل نفسه شفعا لهم ، وذكر علة ثانية لتسمية التحريض شفاعة وهي أن التحريض على الشيء عبارة عن الأمر به ، لا على سبيل التهديد بل على الرفق والتلطف ، وذلك يجري مجرى الشفاعة ، وهذا التعليل أو التوجيه يؤيد الوجه الأول مما ذكر من وجوه الاتصال والمناسبة ويقربه .

ثانيها : أنها شفاعة المنافقين بعضهم لبعض في التخلف ، أو شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض في الإعانة ، وفاقا لما ذكره في الوجهين الثالث والرابع من وجوه الاتصال .

ثالثها : قوله نقل الواحدي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما معناه أن الشفاعة الحسنة هاهنا هي أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار - أي يضمه إليه - والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم ، أقول : وكان ينبغي أن يقول بإعانة الكفار على قتال أهل الحق وخذلانهم .

رابعها : قول مقاتل : إن الشفاعة الحسنة الدعاء وإن نصيب الشافع منها يؤخذ من حديث : من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به آمين ولك بمثله رواه مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء وأورده الرازي بالمعنى ، وذكر أن الشفاعة السيئة ما كان من تحريف اليهود للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولهم : " السام عليكم " أي الموت ، أقول : والحديث في هذا معروف ولا يظهر فيه معنى الشفاعة ألبتة .

خامسها : قول الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد : إنها شفاعة الناس بعضهم لبعض ، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة ، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة [ ص: 251 ] سيئة ، ثم جزم الرازي بأن هذه الشفاعة لا بد أن يكون لها تعلق بالجهاد ، فلا يجوز قصرها على الوجوه الثلاثة ، وإنما يجوز أن تكون داخلة في معناها بطريق العموم الذي لا ينافيه خصوص السبب كما هو معلوم .

وقد أنكر الأستاذ الإمام على الجلال وغيره حمل الشفاعة على ما يكون بين الناس في شئونهم الخاصة من المعايش ، وقال : إن هذا التخصيص يذهب بما في الآية من القوة والحرارة ويخرجها من السياق ، والصواب أنها أعم فالمقصود أولا وبالذات الشفاعة المتعلقة بالحرب ، وقد علمنا أن الآيات في المبطئين عن القتال ، والذين يبيتون ما لا يرضى الله - تعالى - من خلاف ما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ومن ذلك ضروب الاعتذار التي كانوا يعتذرون بها ، وقد يكون هذا الاعتذار بواسطة بعض الناس الذين يرجى السماع لهم والقبول منهم ، وهو عين الشفاعة ، اهـ .

ثم أقول : إن العلماء متفقون على أن شفاعة الناس بعضهم لبعض تدخل في عموم الآية ، وأنها قسمان : حسنة وسيئة ، فالحسنة أن يشفع الشافع لإزالة ضرر ورفع مظلمة عن مظلوم أو جر منفعة إلى مستحق ، ليس في جرها إليه ضرر ولا ضرار ، والسيئة أن يشفع في إسقاط حد ، أو هضم حق ، أو إعطائه لغير مستحق ، أو محاباة في عمل ، بما يجر إلى الخلل والزلل ، والضابط العام أن الشفاعة الحسنة هي ما كانت فيما استحسنه الشرع ، والسيئة فيما كرهه أو حرمه .

ومن العبرة في الآية أن نتذكر بها أن الحاكم العادل لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإعلامه ما لم يكن يعلم من مظلمة المشفوع له أو استحقاقه لما يطلب له ، ولا يقبل الشفاعة لأجل إرضاء الشافع فيما يخالف الحق والعدل وينافي المصلحة العامة ، وأما الحاكم المستبد الظالم فهو الذي تروج عنده الشفاعات ; لأنه يحابي أعوانه المقربين منه ليكونوا شركاء له في استبداده ، فيثق بثباتهم على خدمته وإخلاصهم له ، وما الذئاب الضارية بأفتك من الغنم من فتك الشفاعات في إفساد الحكومات والدول ، فإن الحكومة التي تروج فيها الشفاعات يعتمد التابعون لها على الشفاعة في كل ما يطلبون منها لا على الحق والعدل ، فتضيع فيها الحقوق ، ويحل الظلم محل العدل ، ويسري ذلك من الدولة إلى الأمة فيكون الفساد عاما .

وقد نشأنا في بلاد هذه حال أهلها وحال حكومتهم ، يعتقد الجماهير أنه لا سبيل إلى قضاء مصلحة في الحكومة إلا بالشفاعة أو الرشوة ، ولا يقوم عندنا دليل على صلاح حكومتنا إلا إذا زال هذا الاعتقاد ، وصارت الشفاعة من الوسائل التي لا يلجأ إليها إلا أصحاب الحق بعد طلبه من أسبابه ، والدخول عليه من بابه ، وظهور الحاجة إلى شفيع يظهر للحاكم [ ص: 252 ] العادل ما لم يكن يعلمه من استحقاق المشفوع له لكذا ، أو وقوع الظلم عليه في كذا ، وأن يكون ما عدا هذا من النوادر التي لا تخلو حكومة منها ، مهما ارتقت وصلح حالها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث