الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مناظرة بين سني ورافضي في شأن الصحابة

مناظرة بين سني ورافضي في شأن الصحابة

قيل: سأل رافضي سنيا: ما تقول في حق الصحابة؟ فأجاب: أقول فيهم ما قال الله تعالى في كتابه، عنى به قوله هذا: رضي الله عنهم ورضوا عنه .

فقال: إنهم بدلوا بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن الله يقول: وما بدلوا تبديلا [الأحزاب: 23] ونحن لا نقول بإله يخبر بشيء ولا يعلم أنه يتغير بعد ذلك وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار في الدار الآخرة خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم [التوبة: 100].

في هذه الآية الشريفة دلالة أوضح من شمس النهار على فضل الصحابة الكبار، وعلى أنهم كلهم مغفورون، أصحاب الجنات والأنهار.

فمن نال منهم، أو طعن فيهم، أو سبهم، فلا شك ولا ريب أنه من أصحاب النار؛ لأنه عارض الله في كتابه وإخباره بمزيد فضلهم، برأيه الفاسد، ولم يقبل دليل القرآن.

ومن أنكر حرفا من القرآن، فقد خرج عن الإسلام، ودخل في الكفر بلا ارتياب.

فسحقا للرافضة اللاعنين لهم، والسابين إياهم.

وقد قال سبحانه: ليغيظ بهم الكفار [الفتح: 29] وقد نص جمع جم من أهل السنة والعلم بالحديث والقرآن: أن الرافضة كفار؛ لإنكارهم ضروريات الدين، وما علم من شرع الرسول بالقطع واليقين، وتكفيرهم للصحابة السابقين والآخرين، وهم أفضل الأمة وأبرها وأكرمها على الله بأدلة من الكتاب والسنة.

[ ص: 361 ] فمن خالف الله ورسوله في إخبارهما، وعصاهما بسوء العقيدة في خلص عباده، ونخبة عباده، فكفره بواح، لا سترة عليه.

قال في «فتح البيان» : اختلف أهل العلم في أول الناس إسلاما بعد اتفاقهم على أن خديجة أول الخلق إسلاما على أقوال يطول ذكرها.

قال إسحاق بن إبراهيم: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن العبيد زيد بن حارثة. فهؤلاء الأربعة سباق الخلق إلى الإسلام.

وأسلم على يد أبي بكر: عثمان، والزبير، وابن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة.

ثم تتابع الناس بعدهم في الدخول في الإسلام. فهؤلاء السابقون الأولون من المهاجرين.

وأما من الأنصار، فهم الذين بايعوا رسول الله ليلة العقبة، وهي العقبة الأولى، وكانوا خمسة نفر: سعد، وعوف، ورافع، وقطبة، وجابر.

ثم أصحاب العقبة الثانية، وكانوا اثني عشر رجلا. ثم أصحاب العقبة الثالثة، وكانوا سبعين رجلا.

فهؤلاء سابقو الأنصار. وقيل غير ذلك، مما ليس في ذكره كثير فائدة.

انتهى.

وقد تقدم أن منهم السابقين، ومنهم التابعين لهم بالإحسان، فشملت الآية كلتا الفرقتين، وهما الصحابة والتابعون.

وفي الحديث: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم». قال بعض الأعلام: المراد بـ: «قرني» عصر النبوة، وبـ «ثم» الأولى:

[ ص: 362 ] عصر الصحابة، وبـ «ثم» الأخرى عصر التابعين.

وعلى هذا اتفق الحديث بالقرآن في المراد، وثبت فضلهما على سائر الأمة بالكتاب والسنة ولله الحمد.

فمن لم يقر بهذه الفضيلة لهم، وينقصهم في شيء فهو مارق من الدين، خارق لإجماع المفسرين والمحدثين، وقال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور [الأنبياء: 105] أي: في كتاب داود -عليه السلام- وقيل: المراد: جنس الكتب المنزلة؛ لأن الزبور لغة: الكتاب من بعد الذكر أي: اللوح المحفوظ، كما في «البيضاوي» «والخازن» «وأبي السعود» «وأبي حيان».

وقيل: هو القرآن، قاله ابن عباس، وقيل: التوراة أن الأرض يرثها عبادي الصالحون اختلف في معناها، فقيل: المراد: أرض الجنة، قاله ابن عباس. وقيل: هي الأرض المقدسة. وقيل: هي أرض الأمم الكثيرة الكافرة، يرثها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمته بفتحها.

وقال في «فتح البيان» : الظاهر: أن هذا تبشير لأمته -صلى الله عليه وسلم- بوراثة أرض الكافرين، وعليه أكثر المفسرين.

قال ابن عباس: أخبر سبحانه في التوراة والزبور، وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض أن يورث أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.

قلت: ولا مانع من حمل الأرض على أرض الدنيا وأرض الآخرة؛ فإن رحمة الله قريب من المحسنين، وأوسع من جميع الأرضين.

وقد وقع في الخارج ما أخبر به تعالى في هذه الآية.

فإن الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- ورثوا أرض العرب والعجم، وتسلطوا على أكثر الأمم.

هذه فتوح زمن عمر الفاروق -رضي الله عنه- وفتوح من بعده إلى آخر [ ص: 363 ] الدولة العباسية، تأمل فيها وأدرك كيف كان وراثتهم للأرض. وفيها التنصيص على الصحابة بكونهم عبادا صالحين.

فمن اعتقد فيهم خلاف هذا الصلاح، الذي لا مرتبة أعلى منه بعد النبوة، فقد خاب وخسر؛ كالرافضة، والشيعة الشنيعة.

وفيها بيان مزية فضلهم، حيث كتب الله لهم ذلك قبل وجودهم في الدنيا.

فمن ذاك الذي ينقصهم ويزدري بهم، ولا يحفظ لهم منصبهم عند الله وعند رسوله، ولا يكف لسانه عن ذكر مساويهم مع هذه المحاسن؟ قاتلهم الله أنى يؤفكون.

إن في هذا أي: فيما جرى ذكره من مناقب الصحابة، وأوصافهم الحسنة، وصفاتهم الكاملة، ونعوتهم الجليلة، وما في هذه السورة من المواعظ لبلاغا أي: كفاية ووصولا إلى البغية لقوم عابدين [الأنبياء: 106] أي: مشغولين بعبادة الله، مهتمين بها. قيل: هم العالمون الموحدون المتبعون.

وقال الرازي: الأولى أنهم الجامعون بين الأمرين؛ لأن العلم كالشجرة، والعمل كالثمرة، والشجر بدون ثمر غير مفيد، والثمر بدون الشجر غير كائن. انتهى.

وأقول: مصداق هذه اللفظة جماعة أهل السنة فقط، فإنهم يعبدون الله كما أمرهم.

وأما الرافضة، فعمدة عبادتهم سب الصحابة، والازدراء بهم، فلا إيمان لهم بهذه الآية، ورأس العبادة الصلاة.

وفي حديث ابن عباس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية، وقال: هي «الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة» أخرجه ابن مردويه.

وعن أبي هريرة، قال: الصلوات الخمس. وما أبعد الرافضة من هذا المعنى! فتأمل.

[ ص: 364 ] وقال تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض المراد بهم: المهاجرون والأنصار، والتابعون لهم بإحسان.

وقيل: أهل الصلوات الخمس. وقيل: ولاة العدل. وقيل: غير ذلك.

وبالجملة: هو إخبار من الله بالغيب عما سيكون عليه سيرتهم أنهم إن مكن لهم في الأرض.

وعن عثمان -رضي الله عنه-: هذا والله ثناء قبل بلاء.

قال في «فتح البيان» : يريد: أن الله أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا.

فتبا لمن يطعن فيهم من أهل البدع والرفض بعد ذلك، وتعسا لهم. انتهى.

قال زيد بن أسلم: المراد بالأرض: أرض المدينة. وقيل: جميع الأرض. والعموم أولى.

قال في «فتح البيان» : وقد أنجز الله تعالى وعده، بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب، وأكاسرة العجم، وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم. انتهى.

الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فيه إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من مكنه الله في الأرض، وأقدره على القيام بذلك.

قال عثمان -رضي الله عنه-: فينا نزلت هذه الآية؛ أخرجنا من ديارنا بغير حق، ثم مكننا الله في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهي لي ولأصحابي. انتهى.

يريد بذلك: جميع الصحابة من الخلفاء وغيرهم.

والآية دليل ساطع على فضيلة الأصحاب والآل، وفضل التابعين لهم بالإحسان.

[ ص: 365 ] وهم ولاة الإسلام وملوكه من أهل الجماعة، فقد شهدت كتب السير والتواريخ بأن أولئك فعلوا هذه الأمور، قاموا بها وأقاموها، وكل قطر تسلط عليه غيرهم لم يوجد في تلك الأرض هذه الفعلة.

ألا ترى ديار الرافضة والإمامية، والشيعة الشنيعة، يدعون محبة أهل البيت، وهم يسبون الصحابة، ولم يقيموا أبدا في أرض من الأراضي المملوكة لهم الصلاة، ولا أدوا الزكاة على وجهها، بل أشاعوا فيما ملكوه من الممالك البدع المستخبثة، من التعزية وترويج السب على الصحابة، وترك الجماعة في الصلاة، إلى غير ذلك من المنكرات، فضلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كيف يأتي ذلك منهم وهم آمرون بالمنكر، ناهون عن المعروف، واقعون في الضلال والإضلال، وسوء الاعتقادات، وفساد الإرادات، يتبعون خطوات الشيطان، ويفرون من شرائع الإسلام وأحكام الإيمان؟!!.

وهذه الآية وما في معناها حجة عليهم واضحة، في كونهم تاركي الحق، متمسكي الباطل.

ولله عاقبة الأمور [الحج: 41] أي: مرجعها إلى حكمه وتدبيره، دون غيره، فيجازي كلا بعمله، من حسن الإرادة والنية في حق أصحاب رسوله -صلى الله عليه وسلم- وسوء العقيدة بهم وسبهم.

وإنما يرجع السب على الساب إذا لم يكن المسبوب له أهلا لذلك.

ومن ثم قيل: «إن الرافضي فوارة اللعنة» أي: لعنته على صالح عباد الله ترجع إليه، وتقع عليه لا على غيره، فاعتبروا منه يا أولي الأبصار.

وقال تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولمن معه ليستخلفنهم في الأرض بدلا عن الكفار، وهو وعد يعم جميع الأمة.

وقيل: هو خاص بالصحابة، ولا وجه لذلك؛ فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم، بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ممن عمل بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- نعم يدخل فيه الصحابة دخولا أوليا؛ لكون الخطاب معهم.

[ ص: 366 ] والمعنى: ليجعلنهم فيها خلفاء، يتصرفون فيها تصرف الملوك في مملوكاتهم.

وقد أبعد من قال: إنها مختصة بالخلفاء الأربعة، بل هي تعم جميع الصحابة، وسائر ملوك الإسلام وبرك الإيمان.

وكذلك ليس المراد بالأرض هنا: أرض مكة خاصة؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قال ابن العربي: إنها بلاد العرب والعجم. وهو الصحيح؛ لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين كما استخلف الذين من قبلهم [النور: 55] ولفظ الاستخلاف يشير إلى الخلفاء الراشدين؛ لأنهم داخلون في هذا دخولا أوليا.

والمراد: كل من استخلفه الله في أرضه، فلا يخص ذلك بني إسرائيل، ولا أمة من الأمم دون غيرها.

وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم المراد بالتمكين هنا: التثبيت والتقرير. أي: يجعله ثابتا مقررا لهم في البلاد، فيملكونها، ويظهر دينهم على جميع الأديان.

والمراد بالدين هنا: الإسلام، كما في قوله: ورضيت لكم الإسلام دينا .

ذكر سبحانه الاستخلاف لهم أولا، وهو جعلهم ملوكا، ثم ذكر التمكين ثانيا.

فأفاد ذلك أن الملك ليس على وجه العرض والطول، بل على وجه الاستقرار والثبوت؛ بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدهم.

وهذا الدين هو طريقة أهل السنة والجماعة؛ لأنهم المتصفون بهذا الوصف دون غيرهم.

ولم يبلغ ملك الرافضة ومن في معناهم -من الزيدية والخارجية- قط ما بلغ إليه ملك أهل السنة والكتاب.

[ ص: 367 ] فثبت بهذا: أن الدين المرضي هو هذه الطريقة المثلى، وإياها مكن الله تعالى في الأرض.

ففي الآية على هذا: تسجيل على حقية صراط السنة النبوية، ودليل على ضلالة الفرقة الرافضة، ورد عليهم فيما زعموه من النقص والردة وغيرهما في الصحابة، فإنه لا مصداق لهذه الآية إلا هذه الجماعة السنية.

وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا أي: يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف والخشية والدهشة من الأعداء أمنا؛ ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه، بحيث لا يخشون إلا الله، ولا يرجون غيره.

قال في «فتح البيان» : وقد كان المسلمون -قبل الهجرة وبعدها بقليل- في خوف شديد من المشركين، لا يخرجون إلا في السلاح، ولا يمسون ولا يصبحون إلا على ترقب لنزول المضرة بهم من الكفار، ثم صاروا في غاية من الأمن والدعة والراحة والنعومة، وأذل الله لهم شياطين المشركين وأبالس الكفار، وفتح عليهم البلاد، ومهد لهم في الأرض، ومكنهم منها، ولله الحمد. انتهى.

وقد فصل أهل السير والتاريخ هذا الإجمال في كتبهم، وذكروا فتوح الإسلام وغلبته على سائر الأمم.

وإن عاد الإسلام في هذه الأيام غريبا، وهذا لا يعارض الآية؛ فإن من جاءنا بهذا جاءنا ببيان غربة الدين، وقلة المؤمنين في آخر الزمان المخبر عنه في كثير من الأحاديث وفي القرآن.

قال في «فتح البيان» : وقد أنجز الله وعده، فأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا أبعد بلاد المشرق والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائن القياصرة، واستولوا على الدنيا، وأذلوا جميع أهلها.

قال: وفي الآية أوضح دليل على صحة خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- والخلفاء الراشدين بعده؛ لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا [ ص: 368 ] الصالحات، هم هم، وفي أيامهم كانت تلك الفتوحات العظيمة، وفتحت كنوز كسرى وغيره من الملوك، وحصل الأمن والتمكين وظهور الدين.

يعبدونني لا يشركون بي شيئا وهذا الوصف لا يصدق إلا على الصحابة والتابعين لهم بالإحسان إلى يوم القيامة، وهم فرقة التوحيد، وعصابة السنة، المتبعون للكتاب والحديث، دون الرافضة، والمقلدة.

فإن هاتين الطائفتين لا يعبدون الله إلا وهم مشركون، والله يقول:

يعبدونني غير مشركين بي في العبادة.

أما الرافضة: فشركهم واضح جلي ليس بخاف على أحد.

وأما المقلدة: فلأن التقليد شرك بلا شك؛ لأن قبول قول الحبر الراهب من دون علم بدليله ومعرفة بسبيله، تقليد له، وهو اتخاذ ذلك الإمام ربا دون الله، ومن اتخذ من دون الله ربا فقد أشرك به سبحانه، ومن أنزل أحدا من الأحبار والرهبان والأئمة والمشايخ في منزلة الشارع في امتثال أوامره، من دون التفات إلى كونها موافقة لما في الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، أو مخالفا لما فيهما، فقد أشرك في النبوة.

وهذا أمر مشاهد من هؤلاء في أقوالهم وأفعالهم ودفاترهم ودساتيرهم وطواميرهم ومن كفر هذه النعم بعد ذلك الوعي الصحيح فأولئك هم الفاسقون [النور: 55] أي: الكاملون في الخروج عن الطاعة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث