الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحجة الرابعة والخامسة والسادسة

[ ص: 282 ] قالوا : لو أراد الشارع تعميم المحال بالأحكام لعمها نصا ، نحو : الربا في كل مكيل ويترك التطويل .

قلنا : هذا تحكم عليه كقول من حرم الملاذ : وفعلها لا يضره ، ثم لعله أبقى للمجتهدين ما يثابون بالاجتهاد فيه .

قالوا : كيف يثبت حكم الفرع بغير طريق ثبوته في الأصل .

قلنا : من يثبت الحكم في محل النص بالعلة لا يرد هذا عليه ، ومن يثبته بالنص يقول : القصد الحكم ، لا تعيين طريقه ، فإذا ظن وجوده اتبع بأي طريق كان .

قالوا : غاية العلة أن تكون منصوصة ، وهو لا يوجب الإلحاق ، نحو : أعتقت غانما لسواده ، لا يقتضي عتق كل أسود من عبيده .

قلنا : وكذا لو صرح ، فقال : قيسوا عليه كل أسود ، فليس بوارد ، بخلاف قول الشارع : حرمت الخمر لشدتها فقيسوا عليه كل مسكر ، ثم بين الشارع وغيره فرق يدرك بالنظر .

التالي السابق


الحجة الرابعة : " قالوا : لو أراد الشارع تعميم المحال بالأحكام ، لعمها نصا ، نحو " قوله : " الربا في كل مكيل " أو في كل مطعوم أو مقتات . " ويترك التطويل " بأن ينص على تحريمه في ستة أشياء بدون بيان علته فيها ، ثم يوقع الناس بعده في الاختلاف الطويل العريض في استخراج علة الربا بتخريج المناط ، فلما لم ينص على تحريم تعميم المحال بأحكامها ، دل على أنه لم يرد تعميمها ، وإنما أراد منها ما نص عليه ، وأحال الباقي على تحقيق [ ص: 283 ] المناط ، أو على تنقيحه ، أو البقاء على النفي الأصلي .

والجواب : أن " هذا تحكم " على الشارع ، وتحجر عليه ، وهو شبيه بقول المباحية الذين قالوا : لا فائدة في تحريم الملاذ كالزنى والشرب ونحوه ، إذ " فعلها لا يضره " ، وهو ينفع الناس . وقد ثبت باتفاقنا أن في ذلك حكمة الامتحان والابتلاء ، فكذلك عدم تعميمه المحال بالأحكام تنصيصا له فيه حكمة ، فلعله أبقى للمجتهدين مجالا في الأحكام يثابون بالاجتهاد فيه ، ولو عم محال الأحكام بها ، لم يبق لهم مجال في ذلك ، إذ لو قال : كل مكيل ربوي ، لثبت الحكم في الأرز بالنص ، ولم يحتج فيه إلى اجتهاد المجتهد .

الحجة الخامسة : " قالوا : كيف يثبت حكم الفرع بغير طريق ثبوته في الأصل ؟ " وذلك لأن حكم الأصل ثابت بالنص ، كتحريم الخمر بالنص على تحريمها ، وحكم الفرع ثابت بالإلحاق كتحريم النبيذ ، فالحكم واحد ، والطريق مختلف ; فكيف يصح هذا ! .

والجواب : أن الناس اختلفوا في ثبوت الحكم في الأصل ، هل هو بالعلة التي هي المعنى المشار إليه من النص ، أو بنفس النص ؟ فمن أثبت " الحكم في محل النص بالعلة " لم يرد هذا السؤال عليه ؛ لأنه إنما أثبت الحكم في الفرع والأصل بطريق واحد ، وهو معنى الإسكار مثلا في الخمر والنبيذ . ومن أثبته في الأصل بالنص ، قال : المقصود ثبوت الحكم لا تعيين طريقه بكونه نصا أو قياسا ، أو نصا في الأصل قياسا في الفرع ؛ لأن الطريق وسيلة ، والحكم مقصد ، ومع حصول المقصد لو قدر عدم الوسائل ، لم يضر [ ص: 284 ] فضلا عن اختلافها . وهذا كمن قصد مكة - شرفها الله تعالى - أو غيرها من البلاد لا حرج عليه من أي جهة دخلها .

الحجة السادسة : " قالوا : غاية العلة أن تكون منصوصة ، وهو " يعني النص عليها " لا يوجب الإلحاق " ، يعني إلحاق الفرع بالأصل ، " نحو " قول القائل : " أعتقت غانما لسواده ، لا يقتضي عتق كل أسود من عبيده " ، وإذا لم يقتض النص على العلة الإلحاق فالإيماء والإشارة التي تستخرج العلة منها بالاستنباط وعليها مدار أكثر الأقيسة أولى أن لا يقتضيه .

والجواب : أن هذا لا ينفع الخصم ؛ لأنه لو صرح بالقياس في العتق ، لم يتعد الوصف ، فلو قال : أعتقت غانما لسواده ، و " قيسوا عليه كل أسود " ; لما جاز عتق السودان بالقياس ؛ لما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى . ولو قال : " حرمت الخمر لشدتها ، فقيسوا عليه كل مسكر " ; لصح الإلحاق والتعدية ، واتجهت التسوية عند أكثر منكري القياس ، وهم القاشانية والنهروانية ، وإذ بين البابين هذا الفرق ، فكيف يصح إلزام أحدهما على الآخر ، على أن من العلماء من ذهب إلى أنه إذا قال : أعتقت هذا العبد لسواده ، يصح الإلحاق ، فيعتق عليه كل أسود .

نعم اختلفوا في اشتراط نية العتق مع ذلك ، وعلى هذا التقدير فالسؤال غير وارد ، والحكم ملتزم في البابين ، وهذا هو مقتضى اللغة ، فإنه لو قال : لا تأكل هذه الحشيشة لأنها سم ، أو : لا تأكل الإهليلج ؛ لأنه مسهل ، أو : لا تجالس فلانا ؛ لأنه مبتدع ; فهم من ذلك التعدية ، واجتناب كل سم ومسهل ومبتدع ، وإنما منع من طرد ذلك في حقوق الآدميين عند الأكثرين التعبد ، ثم إن الخصم مناقض لنفسه ، إذ احتجابه هاهنا بالقياس ؛ لأنه قاس بطلان [ ص: 285 ] القياس في أحكام الشرع على بطلانه في حقوق الآدميين ، فإن صح احتجاجه بالقياس هاهنا ، فلم لا يصح الاحتجاج به مطلقا ؟ وإن لم يصح احتجاجه به ، لم يقدح في احتجاجنا بالقياس ، وأيضا إذا اعتقد الخصم صحة الاحتجاج في أصل كبير وهو بطلان القياس ، فلم لا يصح احتجاجنا في الفروع اليسيرة الخطب ؟ .

قوله : " ثم بين الشارع وغيره فرق يدرك بالنظر " : بيان هذا الفرق أن أحكام الشرع مناط ثبوتها الظن توسيعا لمجاري التكليف ، وحقوق الآدميين لا تنقل عنهم إلا بطريق قاطع ; إما احتياطا لحقوقهم لما اختصوا به من الحاجة والفقر الموجب لتضييق الأمر في حقوقهم ، أو لأن حقوقهم في الأصل ملك لله - عز وجل ، فتعبد في زوالها بالطريق القاطع ، وأثبت التكاليف الشرعية بالطرق المظنونة ، ولله - سبحانه وتعالى - أن يفعل في ملكه ما يشاء .

ومن الفرق بين البابين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فعل بحضرته شيء ، فأقر عليه ، استفيد من ذلك رضاه به بشرطه لحصول الظن بذلك ، ولو أن شخصا باع مال إنسان بحضرته بأضعاف قيمته ، فسكت ، ولم ينكر ، بل أظهر الاستبشار والفرح ; لم يصح البيع حتى يصرح بالإيجاب ، أو يعلم رضاه أو يوكل فيه ، فعلم بذلك أن الشرع في حقوق المخلوقين ضيق غاية التضييق بخلاف أحكام الشرع .

فإن قيل : هذا يلزمكم في بيع المعاطاة ، فإن التراضي في البيع شرط بالنص ، وهو أمر باطن خفي ، ولم تعتبروا له صيغة الإيجاب والقبول ، كما قاله الشافعي - رحمه الله تعالى - فهذا حق آدمي قد أزلتموه عنه بغير طريق [ ص: 286 ] قاطع .

فالجواب : لا نسلم أنه غير قاطع ، بل المعاطاة تقترن بها قرائن تدل على الرضا قطعا ، وهي ثابتة بين الأمة على توالي الأعصار في سائر الأقطار .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث