الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


كتاب أدب القاضي

( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء : اعلم بأن القضاء بالحق من أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى وهو من أشرف العبادات لأجله أثبت الله تعالى لآدم عليه السلام اسم الخلافة فقال [ ص: 60 ] جل جلاله { إني جاعل في الأرض خليفة } وأثبت ذلك لداود فقال عز وجل { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } ، وبه أمر كل نبي مرسل حتى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون } . وقال الله تعالى { ، وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } ) ، وهذا لأن في القضاء بالحق إظهار العدل وبالعدل قامت السموات والأرض ورفع الظلم وهو ما يدعو إليه عقل كل عاقل ، وإنصاف المظلوم من الظالم واتصال الحق إلى المستحق وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ولأجله بعث الأنبياء والرسل رضوان الله عليهم ، وبه اشتغل الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم .

وقد دل على جميع ما قلنا الحديث الذي بدأ به محمد رحمه الله الكتاب ورواه عن أبي بكر الهذلي عن أبي المليح عن أسامة الهذلي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ، وما كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما عند الناس يسمونه كتاب سياسة القضاء وتدبير الحكم وقوله أما بعد أي بعد الثناء على الله تعالى والصلاة على رسوله وهذه الكلمة علامة بها يعرف تحول الكاتب إلى بيان مقصوده من الكتاب وعد من فصل الخطاب قيل في تأويل قوله تعالى { وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } الحكمة النبوة وفصل الخطاب أما بعد . وقال قتادة الحكمة الفقه وفصل الخطاب البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقوله فإن القضاء فريضة محكمة أي مقطوع بها ليس فيها احتمال نسخ ولا تخصيص ولا تأويل فتفسير المحكم هذا بيانه في قوله تعالى { آيات محكمات هن أم الكتاب } ومنه يقال بناء محكم والفرض هو التقدير والقطع قال الله تعالى { سورة أنزلناها وفرضناها } وقوله سنة متبعة أي طريقة مسلوكة في الدين يجب اتباعها على كل حال فالسنة في اللغة الطريقة ، وما يكون متبعا منها فأخذها هدى وتركها ضلالة ( قال ) فافهم إذا أدلى إليك الخصمان والإدلاء رفع الخصومة إلى الحاكم والفهم إصابة الحق فمعناه عليك ببذل المجهود في إصابة الحق إذا أدلى إليك وقيل معناه اسمع كلام كل واحد من الخصمين وافهم مراده وبهذا يؤمر كل قاض ; لأنه لا يتمكن من تمييز الحق من المبطل إلا بذلك وربما يجري على لسان أحد الخصمين ما يكون فيه إقرار بالحق لخصمه . فإذا فهم القاضي ذلك أنفذه . وإذا لم يفهم ضاع وإليه أشار في قوله فإنه لا ينفع تكلم بحق ولا نفاذ له وقيل المراد استمع إلى كلام الشهود وافهم مرادهم فإنهم يتكلمون بالحق بين يديك .

وإنما يظهر منفعة ذلك لتنفيذ القاضي [ ص: 61 ] إياه ، ثم قال أس بين الناس معناه سو بين الخصمين فالتأسي في اللغة التسوية قال قائلهم :

فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي     وما يبكون مثل أخي ولكن
أعز النفس عنهم بالتأسي

وفيه دليل أن على القاضي أن يسوي بين الخصوم إذا تقدموا إليه اتفقت مللهم أو اختلفت فاسم الناس يتناول الكل ، وإنما يسوى بينهم فيما أشار إليه في الحديث فقال في وجهك ومجلسك وعدلك يعني في النظر إلى الخصمين والإقبال عليهما في جلوسهما بين يديه حتى لا يقدم أحدهما على الآخر ، وفي عدله بينهما وبالعدل أمر وحكي أن أبا يوسف رحمه الله قال في مناجاته عند موته اللهم إن كنت تعلم أني ما تركت العدل بين الخصمين إلا في حادثة واحدة فاغفرها لي قيل وما تلك الحادثة قال ادعى نصراني على أمير المؤمنين دعوى فلم يمكني أن آمر الخليفة بالقيام من مجلسه والمحاباة مع خصمه ، ولكني رفعت النصراني إلى جانب البساط بقدر ما أمكنني ، ثم سمعت الخصومة قبل أن أسوي بينهما في المجلس فهذا كان جوري ليعلم أن هذا من أهم ما ينبغي للقاضي أن ينصرف إليه في العناية لما أشار إليه في الحديث فقال لا يطمع شريف في حيفك ولا يخاف ضعيف من جورك والحيف هو الظلم قال الله تعالى { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } .

فإذا قدم الشريف طمع في ظلمه وانكسر بهذا التقديم قلب خصمه الضعيف فيخاف الجور ، وربما يتمكن للشريف عند هذا التقديم من التلبس ويعجز الضعيف عن إثبات حقه بالحجة والقاضي هو المسبب لذلك بإقباله على أحدهما وتركه التسوية بينهما في المجلس ويصير به متهما بالميل أيضا وهو مأمور بالتحرز عن ذلك بأقصى ما يمكنه ( قال ) { البينة على المدعي واليمين على من أنكر } ، وهذا اللفظ مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد من جوامع الكلم على ما قال صلوات الله وسلامه { أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا } ، وقد أملينا فوائد هذين الحديثين في شرح كتاب الدعوى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث