الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن كان مما لا يدخر يابسه كسائر الفواكه ففيه قولان ( أحدهما ) [ ص: 315 ] لا يجوز لأنه جنس فيه ربا فلم يجز بيع رطبه برطبه كالرطب والعنب ( والثاني ) أنه يجوز لأن معظم منافعه في حال رطوبته فجاز بيع رطبه برطبه كاللبن ) .

التالي السابق


( الشرح ) الذي لا يدخر يابسه في العادة كالأترج والسفرجل والتفاح والتوت والبطيخ والموز والقثاء والخيار والباذنجان والرمان الحلو والقرع والزيتون عند بعضهم والكراث والبصل وجميع البقول ، وكل ما غالب منافعه في حال رطوبته ، سوى الرطب والعنب ، وكل رطب لا ينفع إذا يبس ، إما من المكيلات أو الموزونات التي فيها الربا قولا واحدا ، وإما من غيرها على الجديد ومن ذلك أيضا السفرجل . وقال الجوري : إنه ييبس ويدخر - وهو غريب - فهل يجوز بيع بعضها ببعض ؟ فيه قولان منصوصان كما قاله الشيخ أبو حامد . وقد رأيت ما يقتضي ذلك في الأم ، والذي نص عليه في باب بيع الآجال المنع ، فإنه قال : وكذلك كل مأكول لا ييبس إذا كان مما ييبس ، فلا خير في رطب منه برطب كيلا بكيل ، ولا وزنا بوزن ولا عددا بعدد ، ولا خير في أترجة بأترجة ولا بطيخة ببطيخة وزنا ولا كيلا ولا عددا . وقول الشافعي : إذا كان مما ييبس احترازا عما يكون رطبا أبدا ، الذي تقدم من كلامه وفي آخر كلامه هنا ما يبين ذلك أيضا ; فإنه قال : فإذا كان من الرطب شيء لا ييبس بنفسه أبدا مثل الزيت والسمن والعسل واللبن فلا بأس ببعضه على بعض إن كان مما يوزن فوزنا ، وإن كان مما يكال فكيلا مثلا بمثل ، ينبغي أن الأولى ييبس - بياء مضمومة ثم ياء مفتوحة ثم باء مشددة - والثانية - بياء مفتوحة ثم ياء ساكنة ثم باء مخففة مفتوحة - أي هو ييبس بنفسه وإن كان يبسا غير آيل إلى صلاح لكنه لا ييبسه الناس ، ولذلك قال في باب الرطب بالتمر فيه : وهكذا ما كان رطبا فرسك وتفاح وتين وعنب وإجاص وكمثرى وفاكهة لا يباع شيء منها بشيء رطبا ، ولا رطب منها بيابس ، ولا جزاف منها بمكيل .

ثم قال فيه أيضا : وهكذا كل مأكول لو ترك رطبا ييبس فينقص ، وهكذا كل رطب لا يعود تمرا بحال ، وكل رطب من المأكول لا ينفع يابسا بحال ، [ ص: 316 ] مثل الخربز والقثاء والخيار والفقوس والجزر والأترج ، لا يباع منه شيء بشيء من صنفه وزنا بوزن ، ولا كيلا بكيل ، لمعنى ما في الرطوبة من تغيره عند اليبس وكثرة ما يحمل بعضها من الماء فيثقل به ويعظم ، وقلة ما يحمل غيرها فيضمر به ويخف ، وإذا اختلف الصنفان منه فلا بأس . وقال في آخر هذا الباب : كل فاكهة يأكلها الآدميون فلا يجوز رطب بيابس من صنفها ، ولا رطب برطب من صنفها ، لما وصفت من الاستدلال بالسنة . وقال في الأم أيضا في باب الآجال في الصرف بعد أن قرر القول الجديد : وجريان الربا في غير المكيل والموزون من المأكول والمشروب ( قال ) ولا يصح على قياس هذا رمانة برمانتين عددا ولا وزنا ، ولا سفرجلة بسفرجلتين ، ولا بطيخة ببطيختين ، ولا يصح أن يباع منه جنس بمثله إلا وزنا يدا بيد ، وظاهر هذا الاستثناء جواز بيع السفرجل والبطيخ بعضه ببعض وزنا ، وهو أيضا ظاهر في أن المعتبر في ذلك الوزن دون الكيل ، لأن كلامه يشمل ما يمكن كيله وما لا يمكن ، فإن قوله : منه ، أي من المأكول والمشروب غير المكيل والموزون ، وقد تقدم ذلك . وكذلك حكى أكثر الأصحاب في ذلك قولين ، منهم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي والمصنف وأتباعه والمتولي والبغوي والرافعي وآخرون ، وبعضهم من المراوزة يجعلها وجهين . وقال الماوردي : إن جمهور أصحابنا على أنه لا يجوز بيعه رطبا برطب ولا رطبا بيابس ، وأن ابن سريج ذهب إلى الجواز وأن ابن أبي هريرة كان يجعل مذهب ابن سريج قولا للشافعي ، ويخرج المسألة على قولين : ( أحدهما ) جواز ذلك وهو المحكي عن ابن سريج تعليقا بأن الشافعي قال في موضع من كتاب البيوع : ولا يجوز بيع البقل المأكول من صنف إلا مثلا بمثل ( قلت ) وقد تقدم من كلام الشافعي رحمه الله ما يدل على ذلك .

( والثاني ) وهو الصحيح من المذهب ، والمشهور من مذهب الشافعي أن بيع ذلك رطبا لا يجوز بجنسه ، فعلى هذا لا يجوز رمانة برمانتين ، ولا رمانة برمانة لعدم التماثل . وفيه وجه أنه يجوز بيع رمانة برمانة متماثلين وزنا ، حكاه الروياني وقال : ليس بمشهور . وقال نصر المقدسي في تهذيبه قريبا مما قاله الماوردي ، فجعل الجواز من [ ص: 317 ] تخريج ابن سريج بعد أن جزم بالمنع ، وجعل ذلك تفريعا على قوله الجديد ، وقد أطبق الأصحاب على حكاية القولين في ذلك كما حكاهما المصنف وممن حكاهما الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما . وذكر الروياني المسألة في موضع آخر في البقول خاصة تفريعا على الجديد ، وجعل المنع قول الشافعي والجواز قول ابن سريج ، وعلل قول ابن سريج بالقياس على اللبن ، وهذا أبلغ لأنه لا يؤول إلى صلاح بحال بخلاف اللبن ، ويمكن للذاهبين إلى ترجيح المنع أن يؤولوا نص الشافعي الذي حكيته بأن المراد بيعها حالة الجفاف ، فإنه لم يصرح بأن ذلك مع الرطوبة ، فإن نصوصه على المنع أكثر من خراصتها . والله أعلم .

والأصح من القولين على ما تقدم من كلام صاحب الحاوي ، وعند صاحب التهذيب والرافعي وابن داود شارح المختصر الأول ، وهو أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض . وجزم به أبو الحسن بن خيران في اللطيف ، والأصح عند جماعة الثاني لأنه يجوز بيع بعضه ببعض . وممن صحح ذلك الروياني . وقال في البحر : إنه المذهب ، والجرجاني في الشافي وابن أبي عصرون في الانتصار والمرشد . قال الروياني : وقيل : القولان فيما لا ينتفع بيابسه كالقثاء والبطيخ ، فأما فيما ينتفع بيابسه - فقولا واحدا - لا يجوز رطبا . قال الروياني : وهذا أقيس ، قال : قال هذا القائل . والمذهب أنه لا يجوز بيع رطبه برطبه ، وإنما نص الشافعي رضي الله عنه على اليابس بالرطب قصدا لأظهر الحالتين وأوضح المسألتين .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث