الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

والله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه ، وأقربهم إليه ، فقال [ ص: 122 ] لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا وقال إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون وهذا يبين أن الوقف التام في قوله في سورة الأنبياء وله من في السماوات والأرض هاهنا ، ثم يبتدئ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون فهما جملتان تامتان مستقلتان ، أي إن له من في السماوات ومن في الأرض عبيدا وملكا ، ثم استأنف جملة أخرى فقال ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته يعني لا يأنفون عنها ، ولا يتعاظمون ولا يستحسرون ، فيعيون وينقطعون يقال : حسر واستحسر ، إذا تعب وأعيا بل عبادتهم وتسبيحهم كالنفس لبني آدم ، فالأول وصف لعبيد ربوبيته ، والثاني وصف لعبيد إلهيته ، وقال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا إلى آخر السورة ، وقال عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا وقال واذكر عبدنا داود وقال واذكر عبدنا أيوب وقال واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب وقال عن سليمان نعم العبد إنه أواب وقال عن المسيح إن هو إلا عبد أنعمنا عليه فجعل غايته العبودية لا الإلهية ، كما يقول أعداؤه النصارى ، ووصف أكرم خلقه عليه ، وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته ، فقال تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا وقال تبارك وتعالى تبارك الذي نزل الفرقان على عبده وقال الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه ، وفي مقام التحدي بأن يأتوا [ ص: 123 ] بمثله ، وقال وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه ، وقال سبحان الذي أسرى بعبده ليلا فذكره بالعبودية في مقام الإسراء ، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله وفي الحديث أنا عبد ، آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : قرأت في التوراة صفة محمد صلى الله عليه وسلم : محمد رسول الله ، عبدي ورسولي ، سميته المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر .

وجعل الله سبحانه البشارة المطلقة لعباده ، فقال تعالى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وجعل الأمن المطلق لهم ، فقال تعالى ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة ، وجعل سلطانه على من تولاه وأشرك به ، فقال إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وقال [ ص: 124 ] إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم إحسان العبودية أعلى مراتب الدين وهو الإحسان فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث