الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في إطالة الركعة الأولى وقراءة السور وغير ذلك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

وأما الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانا ، حتى قال أبو سعيد : ( كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها ) رواه مسلم .

وكان يقرأ فيها تارة بقدر ( الم تنزيل ) وتارة ب ( سبح اسم ربك الأعلى ) ( والليل إذا يغشى ) وتارة ب ( والسماء ذات البروج ) ( والسماء والطارق )

وأما العصر فعلى النصف من قراءة صلاة الظهر إذا طالت ، وبقدرها إذا قصرت . وأما المغرب فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم ، فإنه صلاها مرة [ ص: 204 ] ب ( الأعراف )فرقها في الركعتين ، ومرة ب ( والطور ) ومرة ب ( والمرسلات ) . قال أبو عمر بن عبد البر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب ب ( المص ) ، وأنه قرأ فيها ب ( الصافات ) ، وأنه قرأ فيها ب ( حم الدخان ) ، وأنه قرأ فيها ب ( سبح اسم ربك الأعلى ) ، وأنه قرأ فيها ب ( والتين والزيتون ) ، وأنه قرأ فيها ب ( المعوذتين ) ، وأنه قرأ فيها ب ( المرسلات ) ، وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل . قال : وهي كلها آثار صحاح مشهورة . انتهى .

وأما المداومة فيها على قراءة قصار المفصل دائما فهو فعل مروان بن الحكم ، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت وقال : ( ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل ؟ وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين . قال : قلت : وما طولى الطوليين ؟ قال ( الأعراف ) وهذا حديث صحيح رواه أهل السنن .

وذكر النسائي عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي قرأ في المغرب بسورة ( الأعراف ) فرقها في الركعتين

[ ص: 205 ] فالمحافظة فيها على الآية القصيرة والسورة من قصار المفصل خلاف السنة ، وهو فعل مروان بن الحكم . وأما العشاء الآخرة فقرأ فيها صلى الله عليه وسلم ب ( والتين والزيتون ) ووقت لمعاذ فيها ب ( والشمس وضحاها ) و ( سبح اسم ربك الأعلى ) ( والليل إذا يغشى ) ونحوها ، وأنكر عليه قراءته فيها ب ( البقرة ) بعد ما صلى معه ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف فأعادها لهم بعد ما مضى من الليل ما شاء الله ، وقرأ بهم ب ( البقرة ) ، ولهذا قال له : ( أفتان أنت يا معاذ ) فتعلق النقارون بهذه الكلمة ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها .

وأما الجمعة فكان يقرأ فيها بسورتي ( الجمعة ) و ( المنافقين ) كاملتين و ( سورة سبح ) و ( الغاشية ) .

وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من ( يا أيها الذين آمنوا . . . ) إلى آخرها فلم يفعله قط ، وهو مخالف لهديه الذي كان يحافظ عليه .

وأما قراءته في الأعياد؛ فتارة كان يقرأ سورتي ( ق ) و ( اقتربت ) كاملتين ، وتارة سورتي ( سبح ) و ( الغاشية ) ، وهذا هو الهدي الذي استمر صلى الله عليه وسلم عليه إلى أن لقي الله عز وجل لم ينسخه شيء .

ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده ، فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في [ ص: 206 ] الفجر بسورة ( البقرة ) حتى سلم منها قريبا من طلوع الشمس ، فقالوا : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ كادت الشمس تطلع ، فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين .

وكان عمر رضي الله عنه يقرأ فيها ب ( يوسف ) و ( النحل ) وب ( هود ) و ( بني إسرائيل ) ونحوها من السور ، ولو كان تطويله صلى الله عليه وسلم منسوخا لم يخف على خلفائه الراشدين ويطلع عليه النقارون .

وأما الحديث الذي رواه مسلم في " صحيحه " عن جابر بن سمرة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر ( ق والقرآن المجيد ) وكانت صلاته بعد تخفيفا ) فالمراد بقوله " بعد " أي بعد الفجر ، أي إنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها ، وصلاته بعدها تخفيفا . ويدل على ذلك قول أم الفضل وقد سمعت ابن عباس يقرأ ( والمرسلات عرفا ) فقالت : يا بني لقد ذكرتني بقراءة هذه السورة ، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب ، فهذا في آخر الأمر )

وأيضا فإن قوله : وكانت صلاتها " بعد " غاية قد حذف ما هي مضافة إليه ، فلا يجوز إضمار ما لا يدل عليه السياق ، وترك إضمار ما يقتضيه السياق ، والسياق إنما يقتضي أن صلاته بعد الفجر كانت تخفيفا ، ولا يقتضي أن صلاته كلها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفا ، هذا ما لا يدل عليه اللفظ ، ولو كان هو المراد لم يخف على خلفائه الراشدين فيتمسكون بالمنسوخ ويدعون الناسخ .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم " أيكم أم الناس فليخفف " وقول أنس رضي الله عنه [ ص: 207 ] : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في تمام ) فالتخفيف أمر نسبي يرجع إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه ، لا إلى شهوة المأمومين ، فإنه لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه ، وقد علم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة ، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به ، فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة ، فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها ، وهديه الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون ، ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ، ويؤمنا ب ( الصافات ) ، فالقراءة ب ( الصافات ) من التخفيف الذي كان يأمر به . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث