الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ تعارض الوصل والإرسال ] ( واحكم ) أيها الطالب فيما يختلف الثقات فيه من الحديث بأن يرويه [ بعضهم متصلا ] ، وبعضهم مرسلا ( لوصل ثقة ) ضابط ; سواء كان المخالف له واحدا أو جماعة ، أحفظ أم لا ( في الأظهر ) الذي صححه الخطيب ، وعزاه النووي للمحققين من أصحاب الحديث .

قلت : ومنهم البزار ; فإنه قال في حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رفعه : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة - : رواه غير واحد ، منهم مالك وابن عيينة ، كلاهما عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا ، وأسنده عبد الرزاق عن معمر والثوري ، كلاهما عن زيد ، وإذا حدث بالحديث ثقة فأسنده ، كان عندي هو الصواب .

قال الخطيب : ولعل المرسل أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم ، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان ، والناسي لا يقضى له على الذاكر ( وقيل : بل ) [ ص: 215 ] احكم لـ ( إرساله ) أي الثقة ، وهذا عزاه الخطيب ( للأكثر ) من أصحاب الحديث ، فسلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ ، كما أشار إليه النسائي .

وقيل : إن الإرسال نوع قدح في الحديث ، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل ، كما سيأتي آخر زيادات الثقات مع ما فيه ( ونسب ) ابن الصلاح القول ( الأول ) من هذين ( للنظار ) بضم النون وتشديد الظاء المشالة وآخره راء مهملة ، [ جمع كثرة لناظر ] ، وهم هنا أهل الفقه والأصول ( أن صححوه ) بفتح الهمزة وتخفيف النون من " أن " المصدرية ، منصوب على البدل ، أي : تصحيحه ، إذا كان الراوي عدلا .

وكذا عزاه أبو الحسن بن القطان لاختيار أكثر الأصوليين ، واختاره هو أيضا ، وارتضاه ابن سيد الناس من جهة النظر ، لكن إذا استويا في رتبة الثقة والعدالة أو تقاربا .

( وقضى ) إمام الصنعة ( البخاري لوصل ) حديث : لا نكاح إلا بولي ) الذي اختلف فيه على راويه أبي إسحاق السبيعي ; فرواه شعبة والثوري عنه عن أبي بردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، ووصله عنه حفيده إسرائيل بن يونس وشريك وأبو عوانة بذكر أبي موسى ( مع كون من أرسله كالجبل ) ; لأن لهما في الحفظ والإتقان الدرجة العالية ، وقال [ ص: 216 ] البخاري : الزيادة من الثقة مقبولة . انتهى .

ويشكل عليه ، وكذا على التعليل به أيضا في تقديم الرفع ، بل وعلى إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة - نص إمامهم في شروط المرسل كما تقدم ، على أن يكون إذا شارك أحدا من الحفاظ لا يخالف ، إلا أن تكون المخالفة بأنقص ، فإنها لا تضر ; لاقتضائه أن المخالفة بالزيادة تضر .

وحينئذ فهو دال على أن زيادة العدل عنه لا يلزم قبولها مطلقا ، وقياس هذا هنا أن يكون الحكم لمن أرسل أو وقف .

ويمكن أن يقال : كلام الشافعي في راو نريد اختبار حاله حيث لم نعلمه قبل ، بخلاف زيادة الثقة فليتأمل ، ولكن الحق أن القول بذلك ليس على إطلاقه ; كما سيأتي في بابه مع الجواب عن استشكال عزو الخطيب الحكم بالإرسال للأكثرين من أهل الحديث ، ونقله ترجيح الزيادة من الثقة عن الأكثرين من المحدثين والفقهاء .

( وقيل ) وهو القول الثالث المعتبر ما قاله ( الأكثر ) من وصل أو إرسال ، كما نقله الحاكم في المدخل عن أئمة الحديث ; لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد ، ( وقيل ) وهو الرابع المعتبر ما قاله ( الأحفظ ) من وصل أو إرسال .

وفي المسألة قول خامس وهو التساوي ، قاله السبكي ، والظاهر أن محل الأقوال فيما لم يظهر فيه ترجيح ، كما أشار إليه شيخنا ، وأومأ إليه ما قدمته عن ابن سيد الناس ، وإلا فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن - كابن [ ص: 217 ] مهدي ، والقطان ، وأحمد ، والبخاري - عدم اطراد حكم كلي .

بل ذلك دائر مع الترجيح ، فتارة يترجح الوصل ، وتارة الإرسال ، وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات ، وتارة العكس ، ومن راجع أحكامهم الجزئية تبين له ذلك ، والحديث المذكور لم يحكم له البخاري بالوصل ; لمجرد أن الواصل معه زيادة ، بل لما انضم لذلك من قرائن رجحته .

ككون يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولا ، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم ، لا سيما وإسرائيل قال فيه ابن مهدي : إنه كان يحفظ حديث جده كما يحفظ سورة الحمد .

ولذلك قال الدارقطني : يشبه أن يكون القول قوله . ووافقهم على الوصل عشرة من أصحاب أبي إسحاق [ ممن سمعه ] من لفظه ، واختلفت مجالسهم في الأخذ عنه ، كما جزم به الترمذي .

وأما شعبة والثوري فكان أخذهما له عنه عرضا في مجلس واحد ; لما رواه الترمذي من طريق الطيالسي ، ثنا شعبة قال : سمعت الثوري سأل أبا إسحاق ، أسمعت أبا بردة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا نكاح إلا بولي ؟ فقال أبو إسحاق : نعم . ولا يخفى رجحان الأول ، هذا إذا قلنا : حفظ الثوري وشعبة في مقابل عدد الآخرين ، مع أن الشافعي يقول : العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد .

[ ص: 218 ] ويتأيد كل ذلك بتقديم البخاري نفسه للإرسال في أحاديث أخر لقرائن قامت عنده ، ومنها أنه ذكر لأبي داود الطيالسي حديثا وصله ، وقال : إرساله أثبت .

هذا حاصل ما أفاده شيخنا مع زيادة ، وسبقه لكون ذلك مقتضى كلام الأئمة : العلائي ، ومن قبله ابن دقيق العيد وغيرهما ، وسيأتي في المعلل أنه كثر الإعلال بالإرسال والوقف للوصل والرفع إن قويا عليهما ، وهو شاهد لما قررناه .

( ثم ) إذا مشينا على القول الرابع في الاعتبار بالأحفظ ( فما إرسال عدل يحفظ يقدح ) أي : قادحا ( في أهلية الواصل ) من ضبط - حيث لم تكثر المخالفة - ، وعدالة ، ( أو ) في ( مسنده ) أي : في جميع حديثه الذي رواه بسنده لا في المختلف فيه للقدح فيه بلا شك ، و " أو " هنا للجمع المطلق كالواو ; كما دلت عليه عبارة ابن الصلاح الآتية .

وحينئذ فهو تأكيد ، وإلا فقد يقال : إن التصريح بعدم القدح في الضبط والعدالة يغني عن التصريح بعدم القدح في مرويه ; لاستلزامها ذلك غالبا .

و " ما " هي النافية الحجازية ، و " إرسال عدل يحفظ " اسمها ، وخبرها جملة " يقدح " . فإن قيل : كيف اجتمع الرد لمسنده هذا ، مع عدم القدح في عدالته ؟ فالجواب أن الرد للاحتياط ، وعدم القدح فيه لإمكان إصابته ، ووهم الأحفظ وعلى تقدير تحقق خطئه مرة لا يكون مجرحا به ; كما سيأتي قريبا التصريح به عن الدارقطني .

وهذا الحكم ( على الأصح ) من القولين ، فهو الذي قدمه ابن الصلاح ; حيث قال : ثم لا يقدح [ ص: 219 ] ذلك في عدالة من وصله وأهليته ، قال : ومنهم من قال : من أسند حديثا قد أرسله الحفاظ ، فإرسالهم له يقدح في مسنده وعدالته وأهليته .

وعبارة الخطيب في الأول : لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له ، وفي الثاني على لسان القائلين به : لأن إرسالهم له يقدح في مسنده ، فيقدح في عدالته .

التالي السابق


الخدمات العلمية