الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( الأحكام ) أي : هذا فصل نذكر فيه هنا نبذة من معاني الأحكام . وحيث انتهى الكلام على ما يستمد منه هذا العلم من اللغة شرعنا في ذكر ما يستمد منه من الأحكام إذ لا بد من حكم ، وحاكم ، ومحكوم فيه ، ومحكوم عليه . والكلام الآن في الحكم فنقول ( الحسن والقبح ) يطلق بثلاثة اعتبارات أحدها : ( بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته ) كقولنا : إنقاذ الغريق حسن ، واتهام البريء قبيح الثاني : ما أشير إليه بقوله : ( أو ) بمعنى ( صفة كمال ونقص ) كقولنا : العلم حسن ، والجهل قبيح . وكل منهما ( عقلي ) أي إن العقل يستقل بإدراكهما من غير توقف على الشرع .

( و ) الثالث : إطلاق الحسن والقبح ( بمعنى المدح والثواب ، و ) بمعنى [ ص: 96 ] ( الذم والعقاب : شرعي ، فلا حاكم إلا الله تعالى ، والعقل لا يحسن ولا يقبح ولا يوجب ولا يحرم ) عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وأكثر أصحابه والأشعرية . قاله ابن عقيل وأهل السنة والفقهاء ، قال الإمام أحمد : ليس في السنة قياس ، ولا يضرب لها الأمثال ، ولا تدرك بالعقل ، وإنما هو الاتباع .

وقال أبو الحسن التميمي ، من أصحابنا ، والشيخ تقي الدين ، وابن القيم ، وأبو الخطاب ، والمعتزلة ، والكرامية : العقل يحسن ويقبح ، ويوجب ويحرم .

ونقل عن الحنفية والمالكية والشافعية قولان . قال ابن قاضي الجبل : قال شيخنا - يعني الشيخ تقي الدين - وغيره : الحسن والقبح ثابتان ، والإيجاب والتحريم بالخطاب والتعذيب متوقف على الإرسال ورد الحسن والقبح الشرعيين إلى الملاءمة والمنافرة ; لأن الحسن الشرعي : يتضمن المدح والثواب الملائمين .

والقبح الشرعي : يتضمن الذم والعقاب المنافرين . واختار ابن الخطيب في آخر كتبه : أن الحسن والقبح العقليين ثابتان في أفعال العباد . انتهى . وقال ابن قاضي الجبل أيضا : ليس مراد المعتزلة بأن الأحكام عقلية : أن الأوصاف مستقلة بالأحكام ، ولا أن العقل هو الموجب ، أو المحرم ، بل معناه عندهم : أن العقل أدرك أن الله تعالى بحكمته البالغة كلف بترك المفاسد وتحصيل المصالح . فالعقل أدرك الإيجاب والتحريم ، لا أنه أوجب وحرم فالنزاع معهم : في أن العقل أدرك ذلك أم لا . فخصومهم يقولون : ذلك جائز على الله تعالى ، ولا يلزم من الجواز الوقوع ، وهم يقولون : بل هذا عند العقل من قبل الواجبات . فكما يوجب العقل أنه يجب أن يكون الله عليما قديرا متصفا بصفات الكمال كذلك أدرك وجوب مراعاة الله تعالى للمصالح وللمفاسد . فهذا محل النزاع . انتهى .

ومن قواعد القائلين بأنه " لا حاكم إلا الله تعالى " : أن حسن الفعل وقبحه ليسا لذات الفعل ولا لأمر داخل في ذاته ولا خارج لازم لذاته ، حتى يحكم العقل بحسن الفعل ، أو قبحه بناء على تحقق ما به من الحسن والقبح . والحنفية وإن لم يجعلوا العقل حاكما صريحا فقد قالوا : حسن بعض الأشياء وقبحها لا يتوقف [ ص: 97 ] على الشرع ، بمعنى أن العقل يحكم في بعض الأشياء بأنها مناط للثواب والعقاب وإن لم يأت نبي ولا كتاب .

وبعض تلك الأحكام بديهي ، وبعضها كسبي ( ولا يرد الشرع بما يخالف ما يعرف ببداهة العقول وضرورياتها ) قال القاضي والحلواني وغيرهما : ما يعرف ببداهة العقول وضرورياتها - كالتوحيد وشكر المنعم وقبح الظلم - لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه . وما يعرف بتوليد العقل استنباطا أو استدلالا ، فلا يمتنع أن يرد بخلافه . ومعناه لأبي الخطاب . فإنه قال : ما ثبت بالعقل ينقسم قسمين . فما كان منه واجبا لعينه - كشكر المنعم والإنصاف وقبح الظلم - فلا يصح أن يرد الشرع بخلاف ذلك . وما كان واجبا لعلة أو دليل مثل : الأعيان المنتفع بها التي فيها الخلاف . فيصح أن يرتفع الدليل والعلة ، فيرتفع ذلك الحكم . وهذا غير ممتنع . كفروع الدين كلها . تثبت بأدلة ثم تنسخ الأدلة فيرتفع الحكم ، وقال : وقد قيل : إن الشرع يرد بما لا يقتضيه العقل إذا كان العقل لا يحيله كتكليف ما لا يطاق ، وإن الله سبحانه وتعالى يريد جميع أفعال العباد حسنها وقبيحها ويعاقبهم على القبيح وغير ذلك

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث