الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بيع العرايا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى وأما العرايا وهو بيع الرطب على النخل بالتمر على الأرض خرصا فإنه يجوز للفقراء ، فيخرص ما على النخل من الرطب وما يجيء منه من التمر إذا جف ، ثم يبيع ذلك بمثله تمرا ويسلمه [ إليه ] قبل التفرق ، والدليل عليه ما روى محمود بن لبيد قال : { قلت لزيد بن ثابت : ما عراياكم هذه ؟ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه مع الناس ، وعندهم فضول من قوتهم من التمر فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم ، يأكلونها رطبا } .

التالي السابق


( الشرح ) حديث زيد بن ثابت في العرايا ثابت في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما ، ولفظ البخاري ومسلم { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 333 ] رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا } ، وألفاظ أخر غير ذلك ( وأما ) ما ذكره المصنف من رواية محمود بن لبيد فلم أرها إلا في كلام الشافعي رضي الله عنه فيها فيما ذكر محمود بن لبيد قال : " { سألت زيد بن ثابت عن عراياهم هذه التي يحلونها فقال : فلان وأصحابه شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يحضر وليس عندهم ذهب ولا ورق يشترون بها وعندهم فضل عن قوت سنتهم ، فأرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبا } . وقال الشافعي أيضا في كتاب البيوع من الأم : " قيل لمحمود بن لبيد ، أو قال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إما زيد بن ثابت وإما غيره : ما عراياكم هذه ؟ قال : فلان وفلان وسمى رجالا محتاجين من الأنصار " وذكر معنى ما تقدم ، ونقله البيهقي في المعرفة عن الشافعي كذلك معلقا ، ولم يذكر له إسنادا يتصل به ، وأشار ابن حزم إلى تضعيفه بقوله : إن الشافعي ذكر فيه حديثا لا يدري أحد منشأه ولا مبدأه ولا طريقه ، وذكره أيضا بغير إسناد ، فبطل أن يكون فيه حجة ، يعني في اختصاصها بالفقراء وهذا سيأتي الكلام فيه ، والمقصود هنا أنها تجوز للفقراء ، وذلك لا نزاع فيه ، وقد ذكر الترمذي هذا المعنى من غير تعيين رواية ، قال : لما ذكر حديث العرايا في جامعه : " ومعنى هذا عند بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد التوسعة عليهم في هذا لأنهم شكوا إليه وقالوا : لا نجد ما نشتري من التمر إلا بالتمر ، فرخص لهم فيما دون خمسة أوسق أن يشتروها فيأكلوها رطبا " . لكن يحتمل أن يكون مراد الترمذي ببعض العلماء الشافعي وقال الماوردي : ولم يسنده الشافعي لأنه نقله من السير .

وجعلت أولاد الصحابة الذين ولدوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معدود أيضا [ منهم ] من الصحابة على الصحيح ، فهو صحابي ابن صحابي من كبار العلماء وقوله : ما عراياكم هذه ؟ لأن زيدا كان أكبر منه وأعلم بسنن [ ص: 334 ] النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يبينها له وقد رأيت في الوافي في شرح المهذب كلاما لولا تفرق النسخ لكنت أزلته غيرة . قال : سمعت فقيها يقول : إن محمود بن لبيد ساعتئذ كان يهوديا فلذلك قال هذا الكلام ، وكان الواجب أن يمحى هذا من الكتاب لولا تفرق النسخ ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، نعوذ بالله أن نقول ما لا نعلم ولولا خشية أن يطالعه بعض الضعفة فيعتقد صحته وينقله ما تعرضت له ولا نقلته لكن نبهت عليه خوفا من أن يغتر به فيوقع بسببه في نسبة هذا الرجل العظيم إلى مثل هذا فنسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل بمنه وكرمه .

والعرايا جمع عرية وهي تفرد صاحبها للأكل ووزن العرية فعيلة ، واختلف في اشتقاقها على قولين ، قيل بمعنى فاعلة ، وهو قول الأزهري وابن فارس ، ويكون من عري يعرى كأنها عريت من جملة النخيل فعريت أي خلت وخرجت كما يقال عري الرجل إذا تجرد من ثيابه وعلى هذا تكون لام الكلمة ياء كهدية ، وجمعه فعائل كصحيفة وصحائف ، كذلك عرية وعرائي - بهمزة بعد المد مكسورة وبعدها ياء - ثم فتحت هذه الهمزة العارضة في الجمع فصار عرائيا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار عراءا ثم إنهم كرهوا اجتماع ألفين بينهما همزة مفتوحة لأن الهمزة كأنها ألف فكأنه اجتمع ثلاث ألفات فأبدلوا من الهمزة ياء فقالوا : عرايا فليس وزنها فعالى ، لأن هذه الياء ليست أصلية ، وإنما وزنه فعايل وهذا الإبدال والعمل واجب ، وكل هذه القواعد محكمة في علم التصريف ومثل هدية وهدايا - وقد قالوا في جمعه أيضا : هداوا - فأكثر النحويين جعلوا ذلك شاذا والأخفش قاس عليه ، وردوا عليه بأنه لم ينقل منه إلا هذه اللفظة ، أعني هداوا فلم يأت مثل عداوى وشبهه ، وإنما كتب بالياء كحنية وحنايا ، ومنية ومنايا ، قال شيخنا الأستاذ أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي [ ص: 335 ] فسح الله في مدته : لو ذهب ذاهب إلى أن وزن هذا الجمع كله فعالى لكان مذهبا حسنا بعيدا من التكلف ، وإنما دعا النحويين إلى تلك التقديرات حملهم جمع المعتل على الصحيح ، فأجروا ذلك مجرى صحيفة ، وقد تكون أحكام للمعتل لا للصحيح ، وأحكام للصحيح لا للمعتل ، ويقال : هو عرو من هذا الأمر أي خلو منه ويقال لساحل البحر : العراء لأنه خلو من النبات قال الله تعالى : { فنبذناه بالعراء وهو سقيم } وقيل : بمعنى مفعوله من عراه يعروه إذا أتاه وتردد إليه ، لأن صاحبها يتردد إليها ويقال أعريته النخلة أي أطعمته ثمرتها يعروها .

قال الخطابي : كما يقال : طلب إلي فأطلبته ، وهذا قول أبي عبيد الهروي وجوز أيضا أن يكون بمعنى فاعله كما تقدم ، فعلى القول الثاني تكون لامها واوا ، أصلها عريوه اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ثم أدغمت إحداهما في الأخرى ثم فعل بجمعه كما فعل به من غير فرق إلا أنه على هذا القول يكون كمطية لا كهدية ، وهذا الوزن متى كانت لامه واوا اعتلت في المفرد كان حكمه ما لامه ياء . بخلاف الذي لامه واو صحت في المفرد فله حكم آخر والله أعلم .

وأما المراد بها هنا فعندنا هو بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض ، والعرايا نوع من المزابنة رخص فيه ، قال أهل اللغة الأزهري والهروي وغيرهما : إن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن المزابنة وهي بيع التمر في رءوس النخل بالتمر ، رخص من جملة المزابنة فيما دون خمسة أوسق ، } وهو أن يجيء الرجل إلى صاحب الحائط فيقول له : بعني من حائطك ثلاث نخلات بأعيانها بخرصها من التمر ، فيبيعه إياها ويقبض الثمن ، ويسلم إليه النخلات يأكلها ويتمرها .

[ ص: 336 ] قال الشافعي رضي الله عنه في الأم في كتاب البيوع في باب بيع العرايا بعد ما ذكر أحكام العرايا بالتفسير المشهور : والعرايا ثلاثة أصناف هذا الذي وصفنا أحدها ، وجماع العرايا كل ما أفرد ليأكله خاصة ، ولم يكن في جملة البيع من ثمر الحائط إذا بيعت جملة من واحد . والصنف الثاني أن يخص رب الحائط القوم فيعطي الرجل ثمر النخلة وثمر النخلتين وأكثر ، هدية يأكلها ، وهذه في معنى المنحة من الغنم ، يمنح الرجل الرجل الشاة أو الشاتين وأكثر ليشرب لبنها وينتفع به ، وللمعرى أن يبيع ثمرها ويتمره ويصنع فيه ما يصنع في ماله ، لأنه قد ملكه . والصنف الثالث أن يعري الرجل الرجل النخلة وأكثر من حائطه ليأكل ثمرها ويهديه ويتمره ويفعل فيه ما أحب ويبيع ما بقي من ثمر حائطه فتكون هذه مفردة من البيع منه جملة ، وقد روي أن مصدق الحائط يأمر الخارص أن يدع لأهل البيت من حائطهم قدر ما يراهم يأكلون ، ولا يخرجه لتؤخذ زكاته ، وقيل قياسا على ذلك أن يدع ما أعرى المساكين منها فلا يخرصه ، وهذا بتعبيره في كتاب الخرص انتهى كلام الشافعي رحمه الله تعالى .

وهذا الذي ذكره الشافعي من كونه يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكلها أهله ، نقله الأصحاب في كتاب الزكاة قولا قديما ، ونقله النووي هناك عن نصه في البويطي في البيوع والقديم ، قال أبو عبيد القاسم بن سلام : العرية النخلة يعريها صاحبها رجلا محتاجا والإعراء أن يجعل له ثمرة عامها ، فرخص لرب النخل أن يبتاع ثمر تلك النخلة من المعرى بتمر لدفع حاجته ، قال : وقال بعضهم : بل هو الرجل يكون له النخلة في وسط نخل كثير لرجل آخر ، فيدخل رب النخلة إلى نخلته ، وربما كان مع صاحب النخل الكثير أهله في النخل ، فيؤذيه بدخوله ، فرخص لصاحب النخل الكثير أن يشتري ثمر تلك النخلة من صاحبها قبل أن يجذه ، بتمر لئلا يتأذى به ، قال أبو عبيد : والتفسير الأول أجود ، لأن هذا ليس فيه إعراء إنما هي نخلة يملكها ربها ، فكيف تسمى عرية ، ومما يعين ذلك قول شاعر الأنصار يصف النخل :

ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح

[ ص: 337 ] يقول : إنا نعيرها الناس ، والسنهاء الخفيفة الحمل ، والرجبية الثقيلة الحمل ، التي قد انحنت من ثقل حملها ، قاله ابن الصباغ ، وروى أبو عبيد عن مكحول قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص قال : خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية } .

( قلت ) : وقد ورد في حديث زيد بن ثابت في معجم الطبراني بسند صحيح : { رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرايا ، النخلة والنخلتين توهبان للرجل ، فيبيعها بخرصها تمرا } لكن ليس في ذلك تخصيص أن الذي يبتاعها هو الواهب ولا أن ذلك لدفع حاجته ، فهذا أولى ما يعتمد في تفسيرها ، وهو مخالف للقولين اللذين قالهما أبو عبيد قال الماوردي : العرايا ثلاثة ( مواساة ) وهي ما يعطى للمساكين وذلك ، سنة ( ومحاباة ) وهي ما يتركها الخارص لمن يخرص نخله ليأكلها ، علما أنه سيتصدق منها بأكثر من عشرها ، فذلك جائز لقوله صلى الله عليه وسلم : " { وإذا خرصتم فدعوا لهم الثلث ، فدعوا الربع } .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث