الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شروط الأصل

[ ص: 291 ] أركان القياس ما سبق .

فشرط الأصل ثبوته بنص ، وإن اختلفا فيه ; أو اتفاق منهما ولو ثبت بقياس ، إذ ما ليس منصوصا ولا متفقا عليه لا يصح التمسك به لعدم أولويته ، ولا يصح إثباته بالقياس على أصل آخر ؛ لأنه إن كان بينه وبين محل النزاع جامع ، فقياسه عليه أولى ، إذ توسيط الأصل الأول تطويل بلا فائدة ، وإلا لم يصح القياس لانتفاء الجامع بين محل النزاع وأصل أصله .

وقيل : يشترط الاتفاق عليه بين الأمة ، وإلا لعلل الخصم بعلة تتعدى إلى الفرع ، فإن ساعده المستدل فلا قياس ، وإلا منع في الأصل فلا قياس ، ويسمى : القياس المركب ، نحو : العبد منقوص بالرق فلا يقتل به الحر كالمكاتب ، فيقول الخصم : العبد يعلم مستحق دمه بخلاف المكاتب ، إذ لا يعلم مستحق دمه : الوارث أو السيد ، ورد : بأن كلا منهما مقلد لإمامه ، فليس له منع ما ثبت مذهبا له ، إذ لا يتعين مأخذ حكمه ، ولو عرف فلا يلزم من عجزه عن تقريره فساده ، إذ إمامه أكمل منه ، وقد اعتقد صحته ، ولأنه يفضي إلى تعطيل الأحكام لندرة المجمع عليه .

التالي السابق


قوله : " أركان القياس ما سبق " .

لما ثبت بالدليل صحة القياس وكونه دليلا شرعيا ; وجب القول في أركانه ، وشروطه ، وما يتعلق به ، فأركانه ما سبق في أوله ، وهي الأصل ، والفرع ، والعلة ، والحكم . وقد مر الكلام على بيان حقائقها وماهياتها ، والكلام هاهنا في بيان شرائطها ومصححاتها .

" فشرط الأصل " - يعني الحكم في محل النص - أمور : [ ص: 292 ] أحدها : أن يكون الأصل ثابتا " بنص ، وإن اختلفا " - يعني الخصمين - في الأصل ، " أو اتفاق منهما " على ثبوته إذا دل عليه النص ، فإن وافق عليه الخصم ، ثبت الأصل بالنص والاتفاق ، وإن لم يوافق عليه ، فالنص واف بإثباته ، وهو حجة على الخصم . وإنما اشترط ثبوت الأصل ؛ لأنه ينبني عليه الفرع ، ويلحق به ، وما لا ثبوت له لا يتصور بناء غيره عليه ، وإنما اشترط إذا لم يكن منصوصا عليه أن يكون متفقا عليه بينهما ليكون غاية ينقطع عندها النزاع ؛ لأن الأصل إذا كان مختلفا فيه فالمعترض كما ينازع في الفرع ينازع في الأصل .

مثال ما ثبت بالنص قولنا : إذا اختلف المتبايعان والسلعة تالفة ، تحالفا ؛ لأنهما متبايعان اختلفا ، فوجب أن يتحالفا ، كما إذا كانت السلعة قائمة ، والحنفية يمنعون الحكم في الأصل ، وهو التحالف عند قيام السلعة على رأي لهم ، فيدل عليه قوله - عليه السلام : إذا اختلف المتبايعان تحالفا أو ترادا ، والتراد ظاهر في بقاء العين ، على أن في بعض الروايات : إذا اختلف البيعان والسلعة قائمة . وكذلك نقول في غسل ولوغ الخنزير : حيوان نجس ، فيغسل الإناء من ولوغه سبعا قياسا على الكلب ، فإن منعوا الحكم في ولوغ الكلب ، دللنا عليه بالحديث الصحيح المشهور فيه .

ومثال ما ثبت بالاتفاق قياس النبيذ على الخمر ، والأرز على البر ، والقتل بالمثقل على القتل بالمحدد ، وهو كثير .

قوله : " ولو ثبت بقياس " ، أي : إذا كان الأصل متفقا عليه ، حصل [ ص: 293 ] المقصود ، ولو كان ثبوته بالقياس ، وهو قول بعض أصحابنا ؛ لأنه لما ثبت صار أصلا بنفسه ، فجاز القياس عليه كالمنصوص والمجمع .

مثاله : أن يقول : قد اتفقنا على تحريم الربا في الأرز قياسا على البر بجامع الكيل ، فيحرم في الذرة قياسا على الأرز ، لكن هذا يفضي إلى العبث المذكور ، وينافي قولنا بعد : إن الأصل لا يصح إثباته بالقياس ، وسيأتي الكلام هناك في تحقيق هذا إن شاء الله تعالى .

قوله : " إذ ما ليس منصوصا ولا متفقا عليه لا يصح التمسك به لعدم أولويته " . هذا توجيه لاشتراط كون حكم الأصل ثابتا بنص أو اتفاق ؛ لأنه إذا لم يكن كذلك ، لم يكن بكونه أصلا مقيسا عليه بأولى من أن يكون فرعا مقيسا على غيره ؛ لأنه إنما اختص بكونه أصلا لثبوته في نفسه والاتفاق عليه ، فإذا لم يحصل له هذه الخاصة ; لم يكن بالأصالة أولى من الفرع .

قوله : " ولا يصح إثباته بالقياس على أصل آخر " إلى آخره ، أي : لا يصح إثبات الأصل المقيس عليه بقياسه على أصل آخر ، وإن شئت ، قلت : لا يصح أن يكون فرعا لأصل آخر .

مثاله : أن يقيس الذرة على الأرز المقيس على البر ، فلا يصح ؛ لأنه إن كان بين ذلك الأصل الآخر الذي قاس عليه وهو البر هاهنا وبين محل النزاع - وهو الذرة - جامع ، فقياس محل النزاع على ذلك الأصل الآخر البعيد وهو البر أولى ؛ لأن توسيط الأول الذي قاس عليه محل النزاع ، وهو الأرز [ ص: 294 ] " تطويل بلا فائدة " ، إذ عوض ما نقول : يحرم التفاضل في الذرة قياسا على الأرز ، وفي الأرز قياسا على البر ، فلنقل : يحرم التفاضل في الذرة قياسا على البر ، إذ توسيط الأرز في البين عبث ، " وإلا " ، أي : وإن لم يكن بين الأصل الآخر الثاني ، وبين محل النزاع جامع ، " لم يصح القياس " ، كما لو قاس الذرة على الأرز ، والأرز على الحديد ، " لانتفاء الجامع بين محل النزاع " وهو الذرة ، " وأصل أصله " وهو الحديد ، الذي جعله أصلا للأرز ، الذي هو أصل الذرة .

وكذلك لو قال المستدل في اشتراط النية للوضوء : عبادة ، فيفتقر إلى النية كالتيمم ، فلو منع الحكم في التيمم ، فأثبت الحكم فيه قياسا على الصلاة ، فإن جمع بين التيمم والصلاة بكونهما عبادة ، قلنا : فقس الوضوء على الصلاة بجامع العبادة ، ولا حاجة إلى توسيط التيمم ، وإن جمع بينهما بكون التيمم طهارة ، لم يصح القياس ؛ لأن الصلاة ليست طهارة ، والجامع بينهما منتف .

واعلم أنا قد ذكرنا قبل هذا بيسير أن الأصل يجوز أن يثبت بالقياس ، وهاهنا ذكرنا أنه لا يجوز ، وهما قولان لأصحابنا ، والقول بعدم الجواز هو المشهور لإفضاء القول بالجواز إلى العبث المذكور ، ولا يمكن أن يخرج للقول بالجواز فائدة إلا أن يكون الأصل ثابتا بقياس شبهي ، ومحل النزاع يلحق به بقياس جلي بحيث يكون محل النزاع بأصله أشبه منه بالأصل [ ص: 295 ] البعيد ، كما لو جعلنا علة الفضة الوزن والثمنية جميعا ، وقسنا عليه الحديد قياسا شبهيا لاشتراكهما في الوزن ، ثم قسنا الصفر أو الرصاص ونحوه على الحديد ، لكن هذا أيضا لا جدوى له ، إذ القياس الجلي بين محل النزاع وأصله وهما الصفر والحديد مستند إلى قياس ضعيف شبهي ، وهو قياس الحديد على الفضة ، فلنسترح من هذا التكليف ، ولنجزم ببطلان كون الأصل ثابتا بالقياس .

قوله : " وقيل : يشترط الاتفاق عليه " ، أي : على الأصل " بين الأمة " ، ولا يكفي الاتفاق بين الخصمين عليه ، " وإلا لعلل الخصم " ، أي : وإن لم يكن الأصل مجمعا عليه بين الأمة ، جاز أن يعلل الخصم المعترض الأصل " بعلة لا تتعدى إلى الفرع ، فإن ساعده المستدل " على ذلك ، انقطع القياس ، " فلا قياس " لعدم المعنى الجامع بين الأصل والفرع ، وإن لم يساعده المستدل على التعليل بذلك ، بل علل بعلة متعدية إلى الفرع ، منعه المعترض علة الأصل ، وقال : لا نسلم أن العلة في الأصل هذه العلة المتعدية إلى محل النزاع ، بل هذه التي لا تتعدى إليه ، فينقطع القياس أيضا ، " ويسمى القياس المركب " لما سيأتي إن شاء الله تعالى في آخر الأسئلة الواردة على القياس .

مثاله : أن يقاس العبد على المكاتب في عدم قتل الحر به قصاصا ، [ ص: 296 ] فيقال : العبد منقوص بالرق ، فلا يقتل به الحر كالمكاتب ، " فيقول الخصم " المعترض : " العبد يعلم مستحق دمه " وهو السيد " بخلاف المكاتب " ، أي : لا نسلم أن علة امتناع القصاص في المكاتب كونه منقوصا بالرق ، بل كونه لا يعلم من هو المستحق لدمه هل وارثه أو سيده الذي كاتبه ؟ لأنه بالكتابة صار فيه شيئا بين الحرية والرق ، وذلك ظاهر في أحكامه ، فبتقدير أن يؤدي يعتق ، ويكون مستحق دمه وارثه كسائر الأحرار ، وبتقدير أن لا يؤدي يعود رقيقا ، ويكون مستحق دمه سيده كسائر العبيد ، فإن سلم المستدل أن العلة في المكاتب هي عدم العلم بمستحق دمه كما قال المعترض ، امتنع قياس العبد عليه ؛ لأن مستحق دمه معلوم ، وإن لم يسلم أن العلة ذلك بل هي نقص الرق ، منع المعترض أن ذلك هو العلة في المكاتب ، بل هي ما ذكره ، أو منع الحكم فيه ، فيقول : سلمت أن العلة في المكاتب نقص الرق ، لكن لا أسلم امتناع القصاص بينه وبين الحر ، فالأمر دائر بين منع العلة في المكاتب أو منع الحكم .

ومن هذا الباب لو قيل في قتل المرتدة : إنسان بدل دينه ، فيقتل كالمرتد ، فيقول الخصم : لا أسلم أن العلة في قتل المرتد تبديل الدين ، وإنما هي جناية على المسلمين بتنقيص عددهم ، وإعانة عدوهم عليهم ، وهذا ليس موجودا في المرأة ، إذ ليست من أهل الإعانة والنكاية ، فلا [ ص: 297 ] يصح إلحاقها بالمرتد ، فإن سلمت هذه العلة ، انقطع الإلحاق ، وإن لم تسلمها ، فما تقبل العلة في الأصل أو الحكم ، وهذا بخلاف ما إذا كانت العلة مجمعا عليها بين الأمة ، إذ لا يسوغ للخصم الخروج عنها والتعليل بغيرها .

قلت : وحاصل المنع المذكور يرجع إلى الفرق بين الأصل والفرع ، كما فرق بين الحر والعبد بمعرفة المستحق وعدمه ، وبين المرتد والمرتدة بوجود النكاية وعدمها .

قوله : " ورد " ، إلى آخره ، أي : ورد اشتراط كون الحكم مجمعا عليه بأن المحذور اللازم من عدمه لا يلزم ، وإذا لم يلزم من عدم الإجماع على الأصل محذور ; لم يكن إلى اشتراطه ضرورة ، وإنما قلنا : إن المحذور المذكور وهو تعليل الخصم بعلة لا تتعدى إلى الفرع إلى آخر ما قررتموه لا يلزم بوجهين :

أحدهما : أن كلا من المستدل والمعترض " مقلد لإمامه ، فليس له منع ما ثبت مذهبا له " أي : لإمامه ؛ لأنه إن لم يتعين مأخذ إمامه في الحكم ، فليس له أن يمنع مذهبه على الجهالة ، " ولو عرف " مأخذ إمامه ، لكن " لا يلزم من عجزه عن تقرير " مذهب إمامه " فساده " ؛ لاحتمال أن ذلك لقصوره عن تقريره ، و " إمامه أكمل منه ، وقد اعتقد صحته " ، فلعله لم يثبت الحكم في الفرع لانتفاء شرط ، أو وجود مانع ، لا لعدم العلة التي ذكرها المستدل في الأصل .

[ ص: 298 ] ومثاله : أن أبا حنيفة لم يمنع من قتل المرتدة ؛ لكون العلة في المرتدة ليست بتبديل الدين ، بل لأن المرأة وجد فيها نص خاص عنده منع من قتلها ، وهو قوله - عليه السلام : نهيت عن قتل النساء ، فهو من باب تخصيص العموم ، والعلة في قوله : من بدل دينه فاقتلوه فليس للحنفي أن يقول للحنبلي أو الشافعي : إن سلمت أن علة قتل المرتد إعانة العدو وإلا منعت قتله ، مع أن قتله مذهب لإمامه .

وحاصل الأمر أن المعترض إن زعم أن منعه على مذهب إمامه ، فالأمر بخلافه ، والفرض أنه كذلك ، أي : أنه منع ما ثبت مذهبا لإمامه ، أما لو منع على مذهب إمامه منعا صحيحا ، مثل أن قيل له : جلد الميتة نجس ، فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب ، فمنع حكم الأصل جاز ؛ لأنه مذهب إمامه ، وإن منع على غير مذهب إمامه لم يجز ؛ لأنه إنما تصدى لتقريره ، فكيف يعدل عنه ، بل يكون بذلك منقطعا ؛ لأنه منتقل ، ثم لو ساغ ذلك ، لما تمكن أحد الخصمين من إفحام خصمه غالبا ؛ لأنه متى ألزمه حكما ، منعه على مذهبه أو مذهب غيره ممن خالف فيه ، فكان ينعكس مقصود المناظرة ؛ إذ هي طريق وضعت لإظهار الحق باختصار ، وفتح هذا الباب يوجب التطويل والشغب وتضييع الحق .

الوجه الثاني : أن اشتراط الإجماع على حكم الأصل " يفضي إلى تعطيل الأحكام " ، ويمنع التوصل إلى إظهارها " لندرة المجمع عليه " من ذلك .

[ ص: 299 ] قلت : وهاهنا وجه آخر في نفي المحذور المذكور ، وهو : أن المعترض إذا نازع في العلة ، أمكن المستدل أن يقررها بطريقها ، ويثبت علته المتعدية في الأصل ، ثم يحققها في محل النزاع ، إذ لا فرق بين إثبات العلة في الأصل ، وبين حكم الأصل بالنص إذا خالف فيه الخصم ، وقد سبق أنه يجوز .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث