الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وهل يجوز ذلك في الرطب ؟ فيه ثلاثة أوجه : ( أحدها ) يجوز ، وهو قول أبي علي بن خيران لما روى زيد بن ثابت قال : { رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرايا بالتمر والرطب ، ولم يرخص في غير ذلك } .

( والثاني ) لا يجوز وهو قول أبي سعيد الإصطخري ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { لا تبايعوا ثمر النخل بثمر [ ص: 355 ] النخل } ولأن الخرص غرر ، وقد وردت الرخصة في جوازه في أحد العوضين ، فلو جوزنا في الرطب بالرطب لجوزناه في العوضين ; وذلك غرر كثير زائد على ما وردت فيه الرخصة ; فلم يجز كشرط الخيار فيما زاد على ثلاثة أيام .

( والثالث ) وهو قول أبي إسحاق أنه إن كان نوعا واحدا لم يجز ، لأنه لا حاجة به إليه لأن مثل ما يبتاعه عنده ، وإن كان نوعين جاز ، لأنه قد يشتهي كل واحد منهما النوع الذي عند صاحبه ، فيكون كمن عنده تمر ولا رطب عنده ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث زيد المذكور بهذا اللفظ في سنن أبي داود بسند صحيح لكن فيه بحث رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى فقالا فيه : " بيع العرية بالرطب ، أو بالتمر " ولم يرخص في غير ذلك هكذا ، ومع ذلك لا حجة فيه لهذا الوجه ، لأنه يحتمل أن يكون شك من الراوي ، ولا يكون للتخيير والرواية هكذا بأو في الصحيحين من رواية عقيل عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن زيد ، لكن النسائي رواه من جهة سالم عن أبيه عن زيد أيضا وقال فيه : بالرطب والتمر ، هكذا بالواو ، فنظرنا فوجدنا ذلك من رواية صالح وهو ابن كيسان عن الزهري ، وعقيل أحفظ منه ، فروايته مقدمة على رواية صالح ، ثم وجدنا الرواية عن نافع متفقة على التمر كأحد روايتي سالم ، فرجحنا ذلك على رواية صالح بن كيسان ، ثم رأينا الطبراني في المعجم الكبير روى رواية صالح بن كيسان كما رواها النسائي وزاد فرواها أيضا من رواية الأوزاعي عن الزهري وقال فيه : بالتمر والرطب كما قال المصنف . والأوزاعي - وإن كان إماما - لكنه غير متقن لحديث الزهري كإتقان [ ص: 356 ] عقيل وقد تابع عقيلا على ذلك سليمان بن أبي داود عن الزهري كذلك في معجم الطبراني والزبيدي أيضا ، وهو من جلة أصحاب الزهري فقال : ( { رخص في بيع العرايا بخرصها من التمر اليابس } ) رواه الطبراني ، وهذا نص ، وتابعهما معمر عن الزهري فقال : ( بخرصها تمرا ولم يرخص في غير ذلك ) رواه الطبراني ، وهذه الطرق كلها راجعة إلى رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن زيد بن ثابت ، وقد روى أبو داود ذلك كما قدمته من طريق يونس عن الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه وقال فيه : ( بالتمر والرطب ) وهي الرواية التي ذكرها المصنف ، والظاهر أنه نقلها من السنن ، فإنه سمعها وهذه طريقة قوية مقاومة لطريق عقيل ، فإن يونس في الزهري عظيم . ثم أمعنت الطلب ونظرت الحديث من مسند ابن وهب الذي هو الأصل ، فإن أبا داود رواه من طريقه وجدته فيه : ( بالتمر أو الرطب ) بألف ملحقة بخط كاتب الأصل ، والظاهر أن ذلك غلط من الناسخ ، فإن المتقدمين ذكروا رواية ابن وهب هذه مستدلين بها على الجواز ، ورواه الطبراني من طريق ابن وهب بالجمع بينهما ، لكن بطريق ضعيفة ، ورواه الطبراني بالجمع بينهما أيضا من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن خارجة بن زيد ، وفيه لا أدري أذكر أباه أم لا ؟ وهذا يقتضي الشك في اتصاله ، لكن طريقه لا تقاوم طريق أبي داود فالراجح حينئذ عن خارجة الجمع بينهما ، فبعد ذلك يمكن أن يقال : إن رواية ابن عمر عن زيد راجحة على رواية خارجة عن زيد كما لا يخفى من صحبة ابن عمر وجلالته وكبره حين سماعه ، وخارجة كان عمره في زمن أبيه بضع عشرة سنة . ويمكن أن يقال : إنه إذا صح ذلك عن خارجة ، وفي بعض روايات ابن عمر رضي الله عنهما كما تقدم فينبغي أن يحكم بصحة اللفظين عن زيد ، [ ص: 357 ] ويحمل ( أو ) على التخيير ، ويكون زيد رضي الله عنه لما فهم ذلك عبر عنه تارة بأو وتارة بالواو ، وهذه أولى من أن يحكم على بعض الرواة بالوهم مع ثقته وجلالته ، وعلى هذا يصح استدلال ابن خيران بها على الجواز ، ويمكن أن يقال بالتعارض لقوة كل من الطرفين ، والشك في ذلك يوجب الحكم بالمنع ، لأن الباب باب رخصة فمتى شك في شرطها بطلت ، وأما ترجيح رواية خارجة على رواية ابن عمر فغير ممكن ، والأقرب الحكم بالتعارض أو ترجيح رواية ابن عمر من الطرق الكثيرة لكثرتها واعتضادها برواية نافع ، وأما حمل ذلك على التخيير فيبعده رواية الزبيدي المتقدمة ، التي فيها تقييد التمر باليابس وذلك يقتضي أن الرطب بخلافه ، وسندها في الطبراني جيد . ومن جملة المرجحات لحديث ابن عمر رضي الله عنهما كونه ثابتا في الصحيحين ، ورواية خارجة ليست كذلك ، وإن كان سندها صحيحا . فهذه طريقة في الترجيح يسلكها بعض المتأخرين من فقهاء المحدثين . هذا ما عندي في ذلك ، والله عز وجل أعلم . وحديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور في رواية البيهقي في سننه الكبير ولفظه : " { لا تتبايعوا التمر بالتمر ، تمر النخل بتمر النخل } وإسناده فيه محمد بن الحسين بن أحمد الفارسي عن أحمد بن سعيد الثقفي لم أعرفهما . وقال في معرفة السنن والآثار وهكذا روي مقيدا يعني تمر النخل بتمر النخل فاقتصر المصنف رحمه الله على اللفظ الأخير وهو البدل . وترك المبدل منه . وهو قوله : التمر بالتمر وذلك جائز لأنه لا يحيل المعنى .

( وأما ) حديث ابن عمر : " { لا تبيعوا التمر بالتمر } " فذلك ثابت في البخاري . وقد تقدمت الإشارة إلى التوقف في هذا اللفظ فإن ثبت أنه بالثاء المثلثة فيهما فهو على الحديث بدون الزيادة التي فيه مبينة بالنخل . وقول المصنف : هل يجوز ذلك في الرطب بالرطب ؟ . أي سواء كان على رءوس النخل فبيعا خرصا . أو كان أحدهما في الأرض فبيع الذي على النخل خرصا بالذي على الأرض كيلا فالأوجه الثلاثة في المسألتين . قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمحاملي والعمراني [ ص: 358 ] والأقرب في عبارة المصنف أن يكون مراده : الرطب على رءوس النخل بالرطب على وجه الأرض . لأنه قال : هل يجوز ذلك ؟ إشارة إلى المسألة السابقة وصورتها إذا كان أحدهما في الأرض ، وكذلك القاضي أبو الطيب صور المسألة ثم ذكر فرع جريان الأوجه الثلاثة في الصورة الأخرى .

والأوجه المذكورة مشهورة . حكاها القاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي والجرجاني والمتولي وابن الصباغ وآخرون . وليس للشافعي نص في هذه المسألة على ما يقتضيه كلام ابن سريج الآتي ذكره ولكنها أوجه الأصحاب : ( أحدها ) أنه يجوز مطلقا أن يباع الرطب بالرطب خرصا فيهما ، سواء كان نوعا واحدا أو نوعين ، وهو قول أبي علي بن خيران ، واستدل بالحديث الذي ذكره المصنف وذكره بأو ، وكأنه اعتقدها للتخيير ، وقد عرفت الجواب عنه جوابا متقنا محررا . ( والثاني ) وهو الصحيح أنه لا يجوز مطلقا ، ولا يجوز إلا بالتمر ، وعزاه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي وابن الصباغ والمصنف إلى الإصطخري وقال الماوردي : إن هذا مذهب الشافعي ، وقال أبو حامد : إنه أشبه بمذهب الشافعي ، وقال المحاملي في التجريد والمجموع : مع ذلك إنه ظاهر المذهب ، وممن صححه الروياني في البحر ، وقال صاحب التهذيب : إنه المذهب ، واستدل له القاضي أبو الطيب بأن الأصل تحريم المزابنة إلا ما استثنى منه ، والرخصة وردت مقيدة بالتمر كما تقدم ، فيبقى فيما عداه على الأصل وهو التحريم ، والحديث الذي ذكره المصنف إن ثبت نص في ذلك وإن لم يثبت فالتمثيل بالأصل المقتضي للتحريم كاف في ذلك ، وأيضا الأصل في العقود الربوية التحريم كما تقدم غير مرة .

( فإن قلت : ) المصنف رحمه الله لم لا سلك هذه الطريقة التي سلكها شيخه وهي أقرب مما سلكه ، وهو التعليل بكثرة الغرر وقياس ذلك على شرط الخيار فيما زاد على ثلاثة أيام ، فإن التمسك بإدراجها تحت نص خاص أولى من قياس مستند إلى نص عام [ ص: 359 ] قلت ) : ما فعله المصنف أولى ; لأن المزابنة تقدم أنها مفسرة ببيع الرطب في رءوس النخل بالتمر ، وأما بيع الرطب بالرطب فهو - وإن كان أكثر غررا وأحق بالبطلان - لكن يمكن النزاع في دخوله تحت اسم المزابنة نصا ، وإنما يدخل تحت حكمها إما بطريق أولى فيكون من مفهوم الموافقة ، وإما بالقياس عند من يقارن بينهما وهو الصحيح . ( وإذا ثبت ذلك ) فكل واحد من مفهوم الموافقة والقياس شرطه بقاء أصله ، فمتى بطلت دلالة الأصل بطلت دلالة مفهومه والقياس عليه ، وهاهنا قد بطلت دلالة مفهومه والقياس عليه ، وهاهنا قد بطلت دلالة الأصل فيما دون خمسة أوسق ، فيتبعها دلالة المفهوم ، والقياس في ذلك العقد وإن بقي في الزائد لبقاء أصله ، فلذلك - والله أعلم - عدل المصنف عن ذلك إلى ما ذكره ، ويحق له ذلك وهو المبرز في علم النظر ، فعلى قول المصنف المعتمد في ذلك النهي عن الغرر ، ويجعل الرخصة الواردة في الرطب بالتمر مستثناة منه ، ولا يضره في ذلك كونها مستثناة من المزابنة ; لأن المزابنة نوع من الغرر ، والمستثنى من النوع مستثنى من الجنس ، والوصف المقتضي لإلحاقه بما زاد على الثلاث مركب من شيئين ، الغرر وكون ذلك على سبيل الرخصة ، وأحدهما بمجرده ليس كافيا في التعليل ، والله أعلم .

وممن صحح هذا القول القاضي أبو الطيب فيما حكى الشاشي عنه والروياني في البحر والبغوي والرافعي ويقتضيه إيراد الجرجاني . ( والوجه الثالث ) وهو قول أبي إسحاق المروزي ، واختلفت عبارة الأصحاب عنه ، فالذي قاله أبو الطيب وابن الصباغ والمصنف والمتولي أنه إن كانا نوعا واحدا لم يجز ، وإن كانا نوعين يجوز كالرطب المعقلي بالتمر البرني ، والرطب البرني بالتمر المعقلي ، وما أشبهه ، وأطلقوا ذلك فيما إذا كانا على النخل أو أحدهما على الأرض ، وقال المحاملي وأبو حامد فيما حكى عنه صاحب العدة والروياني والماوردي : ويجوز إذا كان الرطبان على رءوس النخل وكانا نوعين ، أما إذا كان أحدهما على الأرض فإنه لا يجوز مطلقا ، وكذلك إمام الحرمين حكى الأوجه الثلاثة عن حكاية العراقيين ، كما حكاها المحاملي .

[ ص: 360 ] من غير تعيين أبي إسحاق ، قال إمام الحرمين : فإن كان الغرض الذي أشار إليه الخبر أن يستبدل رطبا على الشجر بأكله على مر الزمن ، فالرطب على الأرض بين أن يفسد وبين أن يجف ، وزاد الإمام على المحاملي زيادة سأتعرض لها في فرع مفرد قريبا إن شاء الله تعالى .

وقد احتج أبو إسحاق لقوله بما ذكره المصنف ، وأجاب الشيخ أبو حامد بأن طعم أحد النوعين يقارب طعم الآخر ، فلا تدعو الحاجة إلى إجازة ذلك وروى هذه الأوجه الثلاثة ، ووجه رابع أنه يجوز بيع الرطب على الأرض بالرطب على النخل بكل حال ; لأنه أدوم نفعا أي سواء كانا نوعا أو نوعين ; ويجوز ما على النخل بما على النخل إذا كانا نوعين ، ولا يجوز إذا كانا من نوع واحد لفقد الفائدة ، ونقله الماوردي والروياني عن ابن أبي هريرة ، وقد رأيت في تعليق الطبري عن ابن أبي هريرة أطلق جواز بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض ، ويذكر إذا كانا على النخل والله أعلم .

فجملة الأوجه في المسألة أربعة ، وقد جمعها الماوردي وحكاها كذلك ، وتبعه صاحب البحر ، وما نقله المحاملي والماوردي ومن تبعهما يمكن أن ينزل عليه كلام من أطلق ، فإن كان الأمر كذلك فيجب تقييد كلام المصنف في قوله : وإن كانا نوعين جاز إذا كان على النخل ، ولكن هذا التقييد ينافيه كلام أبي الطيب ، فإنه صرح في جريان الأوجه الثلاثة فيما إذا كان أحدهما على الأرض ، فإن جمعنا بين النقلين جاءت خمسة أوجه في المسألة ، وكذلك فعل ابن الرفعة في المطلب وفيه بعد ; لأن الشخص المنقول عنه واحد ، وهو أبو إسحاق ، فكيف يحكي ذلك وجهين ؟ إلا أن يكون اختلف قوله في وقتين ، والأقرب أن ذلك اختلاف علة من الناقلين ، وينبغي أن يقصد الجمع بينهما ، ويبقى تجويز النقل أن يقول : قيل كذا ولا يقول : فيه وجهان ; لأنه لم يثبت أنهما وجهان ، وقد نقل في كل منهما أنه قيل ، وعبر الغزالي في الوسيط بعبارة لا توجد في كلام غيره .

( والثاني ) إن كان أحدهما موضوعا جاز ، وإن كان على الشجرة فلا ، وهذا وهم بلا شك ، وكأنه مل القلم فأراد أن يكتب إن كان أحدهما على [ ص: 361 ] الأرض لم يجز ، وإن كانا على الشجر جاز ، كما هو في النهاية ، فانقلب عليه ، هذا ما لا أشك فيه ، وقال الجوري : إذا كان للرجل نوع من الرطب جاز أن يشتري نوعا آخر من الرطب ليس عنده خرصا كالعرايا ، هذا جواب ابن خيران ، وقال ابن سريج : لم يتعرض الشافعي لهذا ، وإذا صح الحديث جاز ، والحديث صحيح ، وذكر حديث خارجة بن زيد عن أبيه من طريق ابن وهب ومن طريق صالح بن كيسان ، وهذا من ابن سريج والجوري موافقة لابن خيران أو لأبي إسحاق .

( فرع ) إذا قلنا بجواز بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض هل المعتبر فيه الخرص أو الكيل ؟ كلام الرافعي رضي الله عنه يقتضي أنه الكيل ، والذي رأيته في تعليق الطبري عن ابن أبي هريرة خلافه ، فإنه قال : ويجوز أن يباع الرطب بالخرص بالرطب الموضوع بالأرض إذا نقص عن خمسة أوسق .

( فروع ) عرفت أن الأصح من الأوجه الثلاثة المنع مطلقا ، وقد شذ ابن أبي عصرون فصحح قول أبي إسحاق أنه إذا اختلف نوعهما صح .

( فرع ) إذا كان الرطب بالرطب كلاهما على الأرض لم يجز ، جزم بذلك صاحب الشامل وصاحب التهذيب ; لأنه يتسارع إليه الجفاف أو الفساد ، فلا يحصل المقصود وهو أكل الرطب على الأم ، وحكى القفال في شرح التلخيص فيه وجهين ، وقال المتولي : إن فيه الأوجه الثلاثة ، وقال إمام الحرمين في حكاية الأوجه الثلاثة عن حكاية العراقيين في بيع الرطب بالرطب .

( الثالث ) الفصل بين أن يكون الرطبان أو أحدهما على الأرض فيمتنع ، أو يكونا على الشجر فيجوز ، وهذا يقتضي أن أحد الأوجه قائل بالجواز [ ص: 362 ] مطلقا إذا كانا على الأرض أو أحدهما ، ولم أجد في طريق العراقيين من نص على الجواز فيما إذا كانا على الأرض ، ولا حكى فيه خلافا ، وإنما الخلاف في ذلك في طريقة الخراسانيين .

وممن حكى الأوجه الثلاثة فيه صاحب التتمة ، وإذا جوزنا ذلك فهل يباع خرصا أو كيلا ؟ الذي يقتضيه كلام القفال وصاحب التتمة الأول ، فإنه قال : فأما بيع الرطب بالرطب خرصا وهما موضوعان على الأرض ، أو بيع الرطب على رءوس الشجر بالرطب خرصا فعلى وجهين : ( أحدهما ) يجوز ; لأن بيع الرطب بالتمر فيه وجهان خرصه رطبا ثم خرصه تمرا ، ومع ذلك يجوز ، وإذا كان الرطب على الأرض فليس فيه إلا جهالة واحدة ، وهو أن يقول : خرصها تمرا كذا ، ويعلم مقدارها في الحال ، فهذا بالجواز أولى ، هذا ما رأيته في شرح التلخيص للقفال .

ونقل الرافعي رحمه الله تعالى : أن القفال ذكر في شرح التلخيص أنه على الخلاف ; لأنه إذا جاز البيع وأحدهما أو كلاهما على رءوس النخل خرصا واحتملت الجهالة فلأن يجوز مع تحقق الكيل في الجانبين كان أولى ، فأوهم هذا النقل أمرين : ( أحدهما ) أن القفال جعل بيع الرطب بالرطب المقطوع على الأوجه الثلاثة ، وليس في كلامه إلا ذكر وجهين .

( والثاني ) أنه يكون البيع في ذلك كيلا ، والقفال إنما قال خرصا ، وكذلك صاحب التتمة ، نعم رطبا بل يخرص ما يجيء منهما تمرا فحسب ، والذي يقتضيه ذلك أنه إذا علم أن كيل هذا الرطب الآن أربعة أوسق ، وكيل الرطب الآخر أربعة ونصف ، وخرص ما يجيء منهما تمرا فكانا سواء - أنه يجوز البيع ولا اعتبار بالتفاضل في الكيل الآن ، فحينئذ تحقيق الكيل في الجانبين لا أثر له إلا تخفيف غرر خرصه تمرا فإنه يكون حينئذ أقل خطأ ، فتنبه لذلك . فإن ما نقله الرافعي رضي الله عنه عن القفال يوهم أنه لو باع صاع رطب بصاع رطب مقطوعين صح من غير اعتبار الخرص ، وليس في كلام القفال ذلك والله أعلم .

[ ص: 363 ] وقد تابع الرافعي على ذلك ابن الرفعة فقال : إن معياره الكيل كما قاله الرافعي ، وهو وهم والمناقشة في هذا الفرع تقرب من المناقشة في الفرع المتقدم قريبا في بيع الرطب على النخل بالرطب المقطوع على الأرض ، وقال القاضي حسين في تعليقه : لا خلاف أن بيع الرطب بالتمر كيلا على الأرض أو على الشجر من غير اعتبار المآل لا يجوز ، وهي المزابنة ، فهذا نص القاضي أكبر تلامذة القفال وأعلم بكلامه ، وبالجملة فما أوهمه كلام الرافعي غير مقبول والله سبحانه أعلم .

فائدة : أربع مسائل تنبني على أصل واحد ، وهو أن العرية جوزت للحاجة أو رخصة : فعلى الأول لا تصح إلا في التمر والرطب على النخل للفقراء . وعلى الثاني تصح مع الأغنياء بالرطب على الأرض إذا كان رطبين من الجانبين . قالها القاضي حسين .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث