الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سريان خصال الرافضة إلى المقلدين في المذاهب

سريان خصال الرافضة إلى المقلدين في المذاهب

وإني أقول في هذا المقام قولا حقا، وإن ثقل على أسماع السامعين، وأنكره أعداء الدين، وهو أن المقلدين للمذاهب المتدوالة في هذا العصر، سرت فيهم أيضا هذه الخصلة الشنيعة -أعني: السب واللعن والتكفير والشتم، وإزالة الأعراض بالقول والقلم- فيما بينهم عند التشغيل، في التأليف على أهل الحق والمتبعين.

هذه رسائلهم ومسائلهم، إن كنت تريد الاطلاع على ما ذكرناه، فراجعها تجد فيها تكفيرهم لأهل السنة على أدنى مسألة جزئية، وتبديعهم وتضليلهم لهم، والتعرض بأعراضهم على الكذب البحت، والسب والشتم، على رد القول، وعدم قبول تحقيق التقليد، وانتصار السنة، وعلى إشاعتها والتأليف في [ ص: 386 ] فقهها، وهم قد غلوا في التقليد غلوا عظيما، حتى صرحوا بوجوبه على كل فرد من أفراد الأمة، عالما كان، [أو] جاهلا عاميا، وقالوا فيه بوجوب الشخص، وكفروا من لا يقول به، أو ينكره ويدعو إلى اتباع السنة.

وهذا الداء العضال دخل في الدين من جهة هذه الرافضة؛ لأن الرفض دخل في الدين من قبل اليهود، وما فسدت اليهود في دينهم إلا بعدما حدث فيهم هذا التقليد.

وقد تقدم أن الرافضي مشرك، فكذلك شرك أهل التقليد بالله في جعلهم أئمتهم نازلين منزلة الإله الرب في قبول حكمهم، كما قال تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] ودخلوا في كل باب دخل فيه الرافضة واليهود، وما أشبه الليلة بالبارحة!

مع أنك إن بذلت عمرك العزيز، ووقتك النفيس في مطالعة الكتاب والسنة، لم تجد أبدا حرفا واحدا يدل على جواز هذا التقليد المشؤوم، فضلا عن استحبابه، فضلا عن وجوبه.

بل وجدت القرآن والحديث طافحين بذم التقليد والرأي.

لكن أهله يرونه واجبا متحتما، ويدعون الناس المنتسبين إلى الإسلام إليه، جهارا وسرا، ويكيدون به أهله وإياه، ويزخرفون القول في إيجابه للجهلة السفهاء.

وهم -لعمري- أشد الناس جهلا، وأضعفهم لبا، شابهوا نسوان هذه الأمة، في سخافة العقول، وضاهوا بالفرق الباطلة الضالة على رغم أصحاب الرسول، والعلماء الفحول، حتى فاه بعض متعصبيهم بأن قال: قال كثير: ومن هذا [ ص: 387 ] الشافعي، أو مالك يخالف أبا حنيفة الإمام الأعظم؟ وهذا القول منهم كفر بواح، وكبيرة من الكبائر؛ لأن في الأول ردا على النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي الثاني استخفاف بمن هو من أسلاف هذه الأمة وخيارها.

ولهم أقوال وأدلة من هذا الجنس كثير، يستحيي اليراع من حكايتها، وهم لا يستحيون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ماذا فعلت الآراء بأصحابها، وصنعت الأهواء بأربابها، وفي أي هوة أوقعتهم، وبأي واد أهلكتهم؟!! اللهم أصلح أمة رسولك، واهدنا إلى سواء الطريق، بجاه عريض الجاه محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل [الحديد: 10] أي: قبل فتح مكة، وبه قال أكثر المفسرين، أو قبل فتح الحديبية، وهو الراجح، قاله الكرخي: أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح هم في أفضلها.

قال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة، أكثر ما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أنفذ.

وقد أرشد -صلى الله عليه وسلم- إلى هذه الفضيلة بقوله فيما صح عنه: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».

وهذا خطاب منه -صلى الله عليه وسلم- للمتأخرين صحبة، كما يرشد إلى ذلك سبب ورود الآية وكلا أي: كل واحد من الفريقين وعد الله المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت درجاتهم فيها.

[ ص: 388 ] فالآية نص على غفران جميع الصحابة، أولهم وآخرهم، كبارهم وصغارهم، ولا مجال بعد هذا التنصيص لأحد أن يكفر أحدهم، فضلا عن جميعهم.

ومن كفر أحدا منهم بعد ذلك فهو كافر صريح، لا شك في هذا ولا شبهة، ومن شك فهو منقوص في إيمانه، مبتدع في دينه، يخشى عليه أن يكون منهم؛ لقوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله، وهذا يدل على فضله وتقدمه.

والرافضة أشد عداوة به من غيره، وبعمر الفاروق، يغيظون من اسمهما الشريف، فضلا من أن يسمعوا فضائلهما ومناقبهما، وكذا بعائشة بنت الصديق، وحفصة بنت عمر. قاتلهم الله أنى يؤفكون.

وقال تعالى: للفقراء المهاجرين أي: الذين هاجروا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رغبة في الدين، ونصرة له.

قال قتادة: هؤلاء هم الذين تركوا الديار والأموال والأهلين، كما قال تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أخرجهم كفار مكة منها، واضطروهم إلى الخروج، وكانوا مئة رجل.

قلت: هذه قصة الزمن السالف الماضي، وأما قصة الحال، فمن غرائب الزمان، وهي أن أهل مكة يخرجون كل من يسمعون أنه يعمل بالحديث، وينكر التقليد، ويضطرونه إلى الخروج والجلاء، مع أنه مهاجر غريب الدار والأهل والوطن والسكن، هاجر من ماله وأهله؛ حبا لله ولرسوله، وسكن أشرف البلاد، وهو ليس بمشغول في رد أحد من أهل المذاهب، ولا في الجهاد، يصلي الصلاة في الحرم الشريف المكي، ويطوف ويدرس في بيته مختفيا إن كان من أهل العلم، وإلا يسكت عن الجميع إن كان عاميا.

ومع ذلك إذا سمعوا في حق أحد من هؤلاء المهاجرين، من بلاد الهند وغيره أنه لا يقلد إماما من الأئمة الأربعة، ويتبع السنن، ويقتدي بكتاب الله ذي المنن، [ ص: 389 ] سخطوا عليه، ورموه بكل حجر ومدر، وسعوا به إلى الحكام، وألزموه ما لا يلزمه من الآثام، وتعاقبوه إلى أن أخرجوه من مكة إلى جدة، ومن جدة إلى الغربة.

وهذا من فتن آخر الزمن، ولا تخرج هذه الفتنة إلا من عند علمائها وكبرائها، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تخرج الفتنة من عندهم، وفيهم تعود».

حتى سمعنا أن بعضهم أفتى بقتل المتبعين، وقال: يقتل سياسة، وإن لم يستحق القتل.

وهذا حال مكة المكرمة -حرسها الله تعالى- فما مقام الشكوى من بلاد أخرى ليست هي في الشرف والفضيلة معشار عشرها؟ ولم يظهر الإسلام ولا الإيمان من إحداها إلا من هذه، ومن المدينة المنورة، ولكن ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس [الروم: 41].

ولا ريب أن ذلك كله من شؤم أعمالنا، وسيئات أفعالنا وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [الشورى: 30] اللهم غفرا.

يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله بالجهاد للكفار بأنفسهم وأموالهم، والمراد: نصر دينه، وإعلاء كلمته أولئك هم الصادقون [الحشر: 8] أي: الكاملون في الصدق، الراسخون فيه. قال قتادة: هم المهاجرون.

والذين تبوءوا الدار والإيمان المراد بالدار: المدينة -حرسها الله تعالى- وهي دار الهجرة من قبلهم أي: قبل هجرة المهاجرين؛ لأنهم سبقوهم في تبؤي الدار، وأسلموا في ديارهم، وآثروا الإيمان، وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي -صلى الله عليه وسلم- بسنتين يحبون من هاجر إليهم وذلك أنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم ولا يجدون في صدورهم حاجة أي: حسدا وغيظا وحزازة مما أوتوا أي: مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء، بل طابت أنفسهم بذلك ويؤثرون على أنفسهم في كل شيء من أسباب المعاش ولو كان بهم خصاصة أي: حاجة وفقر ومن يوق شح نفسه أي: [ ص: 390 ] البخل مع الحرص، وقيل: الشح أشد من البخل فأولئك هم المفلحون [الحشر: 19] الفائزون الظافرون بكل مطلوب.

أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه قال: أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم.

والآية الشريفة فيها دلالة عظيمة على فضل المهاجرين من الأصحاب والأنصار منهم، وحجة قوية على من لا يرضى منهم من الرافضة والخارجة ونحوهما. فكل من لا يحفظ لهم أجمعين أكتعين أبصعين حرمتهم ويسيء الأدب معهم، أو يسبهم، أو يلعنهم، أو يشتمهم، أو يفسقهم، أو يكفرهم، فهو كذلك، وهم عنه وعن هذيانه براء، والله حسيبه.

ثم لما فرغ سبحانه من الثناء على الفريقين منهم، ذكر ما ينبغي أن يقوله من جاء بعدهم فقال: والذين جاءوا من بعدهم وهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام.

قال في «فتح البيان» : والظاهر شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم في عصر النبوة ومن تبعهم من المسلمين بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة؛ لأنه يصدق على الكل أنهم جاؤوا بعد المهاجرين الأولين والأنصار.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث