الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الناس على ثلاث منازل باعتبار موقفهم من الصحابة

قال سعد بن أبي وقاص: الناس على ثلاث منازل، قد مضت منزلتان، وبقيت منزلة.

فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ هذه الآية: يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان المراد بالأخوة هنا: أخوة الدين أمرهم الله أن يستغفروا لأنفسهم، ولمن تقدمهم من المهاجرين [ ص: 391 ] والأنصار ولا تجعل في قلوبنا غلا أي غشا وحقدا وبغضا وحسدا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم [الحشر: 10] كثير الرأفة والرحمة، بليغهما لمن يستحق ذلك من عبادك.

أمر الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا؛ لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم.

فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ولم يطلب رضوان الله لهم، فقد خالف ما أمر الله في هذه الآية. فإن وجد في قلبه غلا لهم، فقد أصابه نزغ الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان؛ بعداوة أوليائه وخير أمة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم -إن شاء الله تعالى- إن لم يتدارك نفسه باللجأ إلى الله سبحانه، والاستغاثة به؛ بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون وأشرف هذه الأمة.

فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم، فقد انقاد للشيطان بزمام، ووقع في غضب الله وسخطه.

قال في «فتح البيان» بعد هذا التبيان: وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة، أو صاحب من أعداء خير الأمة، الذين تلاعب بهم الشيطان، وزين لهم الأكاذيب المختلقة، والأقاصيص المفتراة، والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42] وعن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر، في كل عصر من العصور، فاشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر.

وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة، حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وخير أمته، وصالحي عباده، وسائر المؤمنين.

وأهملوا فرائض الله، وهجروا شعائر الدين، وسعوا في كيد الإسلام وأهله [ ص: 391 ] كل السعي، ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر، والله من ورائهم محيط. اهـ.

قالت عائشة -رضي الله عنها- في هذه الآية: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية.

وقيل لسعيد بن المسيب: ما تقول في عثمان وطلحة والزبير؟ قال: أقول ما قولنيه الله، وتلا هذه الآية.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر: أنه سمع رجلا وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه: للفقراء المهاجرين ثم قال: هؤلاء المهاجرون أفمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: والذين جاءوا من بعدهم الآية ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو. قال: ليس من هؤلاء من سب هؤلاء.

والحاصل: أن هذه الآية الكريمة دالة على رد مذهب الرفض دلالة كافية شافية وافية للمقصود؛ لأنه ليس في الدنيا رافضي إلا وهو يسب الصحابة، وإن لم يلعنهم صحيحا، أو يكفرهم واضحا.

والسب منه على خلاف هذه الآية؛ فإن فيها الأمر بالاستغفار لهم.

فكأن هذا الساب الرافضي جاء بالسب على رغم أمر الله سبحانه، وهو كفر بواح، وعناد مع الله سبحانه، وعداوة به تعالى.

وكذلك الخوارج، الذين هم كلاب النار على لسان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يسبون أهل البيت والعترة الطاهرة.

ولا ريب أن هؤلاء من الصحابة، ولهم مناقب وفضائل كثيرة كفضائل الصحابة ومناقبهم، بل أزيد منها، خصوصا وعموما.

[ ص: 393 ] فمن سبهم، فهو كمن سب الصحابة، ومن سب الصحابة بغضا لدينه، وحسدا من فضائلهم فقد خرج عن حيز الإسلام، ودخل في دائرة الكفر.

وأرى أنه ليس في الإسلام فرقة من الفرق الباطلة المبتدعة الضالة المضلة إلا ولها بغض ما مع الصحابة، أو مع صحابي وصحابية، على اختلاف القلة والكثرة منهم في ذلك، كالتفضيلية، والزيدية ومن ضاهاهم.

فإن منهم من ينقصهم أو بعضا منهم، ومنهم أيضا من لا يسب أحدا منهم، ولكن يفضل بعضهم على بعض من قبل نفسه، من دون برهان من الله، أو سلطان من الرسول صلى الله عليه وسلم.

إلا الفرقة الناجية الملقبة بأهل السنة والجماعة، وهم المحدثون المتبعون الموحدون المقتدون بكتاب الله العزيز، وسنة رسوله المطهرة.

فإنهم وسط بين الإفراط والتفريط، وعلاوة بين العدلين، والصراط المستقيم بين السبل، وهم الذين امتثلوا أمر الله سبحانه لهم في هذه الآية، فيستغفرون للمهاجرين والأنصار كلهم، وللسلف الصالحين جميعهم، ويعرفون للعلماء العرفاء بالكتاب والسنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر حقوقهم، ويذكرونهم بالدعاء لهم، والثناء عليهم، سواء كانوا في المتقدمين، أو هم من المتأخرين، وليس في قلوبهم غل أصلا، لا للصحابة والتابعين وتبعهم، ولا لأحد من الموحدين المحدثين المتبعين السنيين، من كانوا وأينما كانوا.

بل سيرتهم فحص السنن من أماكنها، وجمع الآثار من معادنها، ثم عرض الفقهيات والمجتهدات من أي رجل كان، إمام أو مأموم عليها وعلى الكتاب، وقبول ما ظهر موافقته بهما، ورد ما لم يظهر موافقته بهما، والدعاء للسلف الحاملين لها، المبلغين إياها إلينا، وكف اللسان عن الجرح والطعن والشتم [ ص: 394 ] واللعن على أحد، وإن كان من الفرق المخالفة لهم في الاعتقاد، والعمل.

وأما تسجيلهم على بعضها بأن عقيدتها كفر، والقول الفلاني كفر، ويصير المرء بالقول الفلاني كافرا مثلا، فهذا رواية لما ورد عن الله، وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيهم.

وهم -مع ذلك- مقتصرون على ما ورد، لا يزيدون فيه، ولا ينقصون منه، ولا يفرطون، ولا يفرطون، ولا ينصون على شخص واحد ورجل خاص أنه كافر، أو في النار.

بل قولهم في مثل هذه المواضع، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من ترك الصلاة متعمدا، فقد كفر» «ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» ونحو ذلك من العبارات.

و«ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، أو يقولون كذا وكذا؟» وفي هذا الإجمال منهم ما يكفي عن الإيضاح، ويغني عن التفصيل.

التالي السابق


الخدمات العلمية