الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


كتاب الصرف .

ولما كان يخص هذا البيع شرطان : أحدهما : عدم النسيئة ، ( وهو الفور ) ، والآخر : عدم التفاضل ، ( وهو اشتراط المثلية ) ، كان النظر في هذا الباب ينحصر في خمسة أجناس :

الأول : في معرفة ما هو نسيئة مما ليس بنسيئة .

الثاني : في معرفة ما هو مماثل مما ليس بمماثل; إذ هذان القسمان ينقسمان بفصول كثيرة فيعرض هنالك الخلاف .

الثالث : فيما وقع أيضا من هذا البيع بصورة مختلف فيها هل هو ذريعة إلى أحد هذين ( أعني : الزيادة والنسيئة ) ، أو كليهما عند من قال بالذرائع ، وهو مالك ، وأصحابه ، وهذا ينقسم أيضا إلى نوعين كانقسام أصله .

الخامس : في خصائص أحكام هذا البيع من جهة ما يعتبر فيه هذان الشرطان ( أعني : عدم النساء والتفاضل ) ، أو كليهما ، وذلك أنه يخالف هذا البيع البيوع لمكان هذين الشرطين فيه في أحكام كثيرة .

وأنت إذا تأملت الكتب الموضوعة في فروع الكتاب الذي يرسمونه بكتاب الصرف وجدتها كلها راجعة إلى هذه الأجناس الخمسة ، أو إلى ما تركب منها ما عدا المسائل التي يدخلون في الكتاب الواحد بعينه مما ليس هو من ذلك الكتاب ، مثل إدخال الملكية في الصرف مسائل كثيرة هي من باب الاقتضاء في السلف ، لكن لما كان الفاسد منها يئول إلى أحد هذين الأصلين ( أعني : إلى صرف بنسيئة ، أو بتفاضل ) أدخلوها في هذا الكتاب مثل مسائلهم في اقتضاء القائمة ، والمجموعة ، والفرادى بعضها من بعض .

لكن لما كان قصدنا إنما هو ذكر المسائل التي هي منطوق بها في الشرع ، أو قريب من المنطوق بها; [ ص: 554 ] رأينا أن نذكر في هذا الكتاب سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الأصول لما يطرأ على المجتهد من مسائل هذا الباب ، فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو ، واللغة ، وصناعة أصول الفقه ، ويكفي من ذلك ما هو مساو لجرم هذا الكتاب ، أو أقل ، وبهذه الرتبة يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه ، ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان ، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر ، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة لا الذي يقدر على عملها ، وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه ، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة ، وهو الذي يصنع لكل قدم خفا يوافقه ، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت .

وإذ قد خرجنا عما كنا بسبيله ، فلنرجع إلى حيث كنا من ذكر المسائل التي وعدنا بها .

المسألة الأولى .

[ بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ] .

أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلا مثلا بمثل ، يدا بيد ، إلا ما روي عن ابن عباس ، ومن تبعه من المكيين ، فإنهم أجازوا بيعه متفاضلا ، ومنعوه نسيئة فقط .

وإنما صار ابن عباس لذلك لما رواه عن أسامة بن زيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا ربا إلا في النسيئة " ، وهو حديث صحيح ، فأخذ ابن عباس بظاهر هذا الحديث ، فلم يجعل الربا إلا في النسيئة .

وأما الجمهور فصاروا إلى ما رواه مالك ، عن نافع ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز " ، وهو من أصح ما روي في هذا الباب . وحديث عبادة بن الصامت حديث صحيح أيضا في هذا الباب .

فصار الجمهور إلى هذه الأحاديث ; إذ كانت نصا في ذلك . وأما حديث ابن عباس فإنه ليس بنص في ذلك; لأنه روي فيه لفظان :

أحدهما : أنه قال : " إنما الربا في النسيئة " ، وهذا ليس يفهم منه إجازة التفاضل إلا من باب دليل الخطاب ، وهو ضعيف ، ولا سيما إذا عارضه النص .

وأما اللفظ الآخر : وهو : " لا ربا إلا في النسيئة " ، فهو أقوى من هذا اللفظ ; لأن ظاهره يقتضي أن ما عدا النسيئة فليس بربا ، لكن يحتمل أن يريد بقوله : " لا ربا إلا في النسيئة " ، من جهة أن الواقع في الأكثر ، وإذا كان هذا محتملا ، والأول نص وجب تأويله على الجهة التي يصح الجمع بينهما .

وأجمع الجمهور على أن مسكوكه ، وتبره ، ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلا لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك ، إلا معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر ، والمصوغ لمكان زيادة الصياغة ، وإلا ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه ، فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم [ ص: 555 ] دنانير ، ودراهم وزن ورقه أو دراهمه ، فقال : إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ، ونحو ذلك ، فأرجو أن لا يكون به بأس ، وبه قال ابن القاسم من أصحابه ، وأنكر ذلك ابن وهب من أصحابه ، وعيسى بن دينار ، وجمهور العلماء . وأجاز مالك بدل الدينار الناقص بالوازن أو بالدينارين على اختلاف بين أصحابه في العدد الذي يجوز فيه ذلك من الذي لا يجوز على جهة المعروف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث