الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيع الثمر المنزوع النوى بما لم ينزع نواه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ولا يباع منه ما نزع نواه بما لم ينزع نواه ; لأن أحدهما على هيئة الادخار والآخر على غير هيئة الادخار ، ويتفاضلان حال الادخار ، فلم يجز بيع أحدهما بالآخر كالرطب بالتمر ، وهل يجوز بيع ما نزع نواه بعضه ببعض ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم : { لا تبيعوا التمر بالتمر إلا سواء بسواء . } ( والثاني ) لا يجوز ; لأنه يتجافى في المكيال فلا يتحقق فيه التساوي ، ولأنه يجهل تساويهما في حال الكمال والادخار ، فأشبه بيع التمر بالتمر جزافا ) .

التالي السابق


( الشرح ) الحديث المذكور مختصر من حديث عبادة من رواية الشافعي في مختصر المزني وغيره كما قدمته في الفصل الذي جمعت فيه الأحاديث الواردة في تحريم ربا الفضل ، فليس هذا اللفظ الذي ذكره المصنف بكماله قطعة منه ، بل لفظه : { لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا الورق بالورق ، ولا البر بالبر ، ولا الشعير بالشعير ، ولا التمر بالتمر ، ولا الملح بالملح ، إلا سواء بسواء } " ، فاختصر المصنف منه هذه اللفظة وذلك جائز عند من يجوز الرواية بالمعنى ، لا سيما في مثل هذا الموضع الذي يقصد به الاستدلال دون الرواية فإنه يغتفر ذلك .

أما حكم المسألة : فقد سوى الشيخ أبو حامد بين المسألتين ، وجعل الوجهين مطلقا ، سواء أباع ما نزع منه النوى بما لم ينزع منه أم بمثله ، كذلك فيما علقه البندنيجي عنه ، وفيما علقه سليم ، حكى الوجهين في المسألة الأولى وسكت عن الثانية ، ويعلم جريانهما فيها بطريق الأولى ، والمحاملي ونصر المقدسي حكيا الوجهين في المسألتين أيضا ، وجزم البغوي في المسألتين بالمنع ، وكذلك الإمام جزم بالمنع ، ثم حكى أن العراقيين ذكروا وجها في المنزوع بالمنزوع فاستبعده جدا ، قال : ثم جاءوا بما هو أبعد منه وذكروا خلافا في بيع تمر منزوع النوى بتمر غير منزوع النوى ، وهذا ساقط لا يحتفل بمثله ، [ ص: 391 ] قال الفارقي تلميذ المصنف رحمه الله - : معنى قوله يتفاضلان حال الادخار أنهما قبل نزع النوى إذا كيلا متساويين ثم نزع النوى من أحدهما وكيلا ظهر التفاضل ; لأنه تنتفش أجزاؤه بالنزع ، وتتجافى في المكيال .

( فرع ) المشمش والخوخ ونحوهما لا يبطل كمالها نزع النوى في أصح الوجهين ; لأن الغالب في تجفيفها نزع النوى ، قاله الرافعي وصاحب التهذيب ، وكلام الفوراني يقتضي أن الوجهين فيها تفريع على منع بيع الثمر المنزوع النوى بعضه ببعض ، فإنه قاس المنع في ذلك على الثمرة . ومن ذلك يعلم أن الخلاف قريب ، إن جوزنا في التمر المنزوع النوى فهذا أولى . وإلا فوجهان . وكذلك أراده يعقوب بن عبد الرحمن بن أبي عصرون فيما جمع من المسائل . وللفرق بما ذكره الرافعي في الإبانة بأن التمر إذا نزع نواه تسارع إليه الفساد .

وذكر الإمام أن شيخه ذكر عن بعض الأصحاب وجها بعيدا في اشتراط نزع النوى ، كما يشترط نزع العظم عن اللحم في ظاهر المذهب . قال : إنه لم ير ذلك لغير شيخه ، وقال الإمام : إن المراتب ثلاثة : التمر نزع نواه يمنع بيعه ، واللحم في ظاهر المذهب يتعين نزع عظمه إذا حاولنا بيع بعضه ببعض ، وبينهما المشمش وما في معناه فيجوز بعضه ببعض مع النوى ، وفيه مع النزع الخلاف المذكور .

( قلت ) فتحصلنا في المشمش ونحوه على ثلاثة أوجه : ( أحدها ) أنه يشترط نزع النوى . ( الثاني ) أنه يفسد بنزع النوى . ( والثالث ) وهو الصحيح أنه يجوز بيع بعضه ببعض في الحالتين مع النوى ، ومن غير نوى . قال الروياني : إن الجواز قول القفال . وقد تقدم في كلام الرافعي أنه الأصح .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث