الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1243 [ ص: 54 ] حديث سادس من مراسيل ابن شهاب .

مالك عن ابن شهاب أنه قال : بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة حين أسلم : أمسك منهن أربعا وفارق سائرهن .

هكذا رواه جماعة رواة الموطأ وأكثر رواة ابن شهاب .

التالي السابق


ورواه ابن وهب عن يونس ، عن ابن شهاب عن عثمان بن محمد بن أبي سويد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لغيلان بن أبي سلمة الثقفي حين أسلم - وتحته عشر نسوة - : خذ منهن أربعا وفارق سائرهن .

رواه يحيى بن سلام عن مالك ومعمر ، وبحر السقاء ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه مسندا ، فأخطأ فيه يحيى بن سلام على مالك ولم يتابع عنه على ذلك ، ووصله معمر ، فرواه عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن ابن عمر ، ويقولون : إنه من خطأ معمر ، ومما حدث به بالعراق من حفظه ، وصحيح حديثه ما حدث به ظاهرا من كتبه : حدثنا خلف بن سعيد [ ص: 55 ] قال : حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أحمد بن خالد قال : حدثنا علي بن عبد العزيز قال : حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال : حدثنا يزيد بن هارون ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن معمر بن راشد ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه : أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة وأسلمن معه فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يختار منهن أربعا .

قال : وأخبرنا أبو عبيد قال : وحدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك ، وقد ذكر يعقوب بن شيبة حدثنا أحمد بن شبويه ، حدثنا عبد الرزاق قال : لم يسند لنا معمر حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم وعنده عشر نسوة ، وقد روي عن قيس بن الحارث ، وبعضهم يقول فيه الحارث بن قيس الأسدي ، والأكثر قيس بن الحارث ، قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اختر منهن أربعا .

[ ص: 56 ] أخبرنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد ووهب بن بقية قالا : أخبرنا هشيم ، عن ابن أبي ليلى ، عن حميضة بن الشمرذل ، عن الحارث بن قيس ، قال مسدد - ابن عميرة - ، قال وهب الأسدي قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اختر منهن أربعا .

قال أبو داود : وحدثنا أحمد بن إبراهيم قال : حدثنا هشيم بهذا الحديث فقال : قيس بن الحارث مكان الحارث بن قيس ، قال أحمد بن إبراهيم : هذا هو الصواب ، يعني : قيس بن الحارث .

قال أبو داود : وحدثنا أحمد بن إبراهيم قال : حدثنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة عن عيسى بن المختار ، عن ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمرذل عن قيس بن الحارث بمعناه .

[ ص: 57 ] قال أبو عمر : الصحيح عن هشيم في هذا الإسناد الحارث بن قيس ، وعن غير هشيم قيس بن الحارث ، وهو الصواب إن شاء الله ; لأن عيسى بن المختار والكلبي اجتمعا على ذلك ، هكذا يقول الثوري عن حميضة بن الشمرذل ، عن قيس بن الحارث بن حذاف الأسدي قال : أسلمت وكان عندي ثماني نسوة ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اختر منهن أربعا واترك أربعا .

ورواه شريك عن الكلبي عن حميضة بن الشمرذل عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرني أن أختار منهن أربعا .

أخبرنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعد قال : حدثنا أحمد بن عمرو قال : حدثنا ابن سنجر قال : حدثنا الفضل بن دكين قال : حدثنا شريك فذكره .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا جرير ، عن ابن شمرذل عن قيس بن الحارث الأسدي قال : أسلمت وتحتي ثماني نسوة ، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اختر منهن أربعا .

[ ص: 58 ] قال أحمد بن زهير : كذا قال ابن الشمرذل بالذال ، وإنما هو الشمردل ، وهو الرجل الطويل .

وحدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا بكر بن عبد الرحمن قال : حدثنا عيسى بن المختار ، عن ابن أبي ليلى ، عن حميضة بن الشمرذل ، عن قيس بن الحارث الأسدي أنه أسلم وتحته ثماني نسوة فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يختار منهن أربعا .

قال أبو عمر : الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة ، وليست أسانيدها بالقوية ، ولكنها لم يرو شيء يخالفها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والأصول تعضدها ، والقول بها والمصير إليها أولى ، وبالله التوفيق .

وقد اختلف الفقهاء في ذلك : فقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن والأوزاعي والليث بن سعد : إذا أسلم الكافر - كتابيا كان أو غير كتابي - وعنده عشر نسوة أو خمس نسوة ، أو ما زاد على أربع ، اختار منهن أربعا ، ولا يبالي كن الأوائل أو الأواخر على ما روي في هذه الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك إذا أسلم وتحته أختان ، اختار أيتهما شاء ، إلا أن الأوزاعي روي عنه في الأختين أن الأولى امرأته .

[ ص: 59 ] وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف : يختار الأوائل ، فإن تزوجن في عقدة واحدة فرق بينه وبينهن .

وقال الحسن بن حي : يختار الأربع الأوائل ، فإن لم يدر أيتهن أول ، طلق كل واحدة منهن تطليقة حتى تنقضي عدتهن ، ثم يتزوج منهن أربعا إن شاء .

وقال أحمد بن المعذل : سئل عبد الملك عن رجل أسلم وعنده عشر نسوة ، قال : يفارق ستا ويقيم على أربع ، وتلك السنة التي أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثقفي . قال عبد الملك : فإن وجد الاثنتين من الأربع أختيه ، قال : يكون له من الست اثنتان ; لأنه لم يطلق إنما ظن السلطان أنه قد أبقى له أربعا ففسخ ما سوى ذلك بتخييره إياه ، ثم انكشف أن منهن أختين له ، فينبغي أن يرد إلى تخييره ، كما لو كن عنده أمسك أربعا وفسخ ما سوى ذلك .

قال أحمد : يعني تخييره من الست اثنتين ; لأنه رجل كان عنده ثماني نسوة ، فكان عليه أن يفارق أربعا فغلط [ ص: 60 ] عليه السلطان فنزع منه ستا ; لأن أختيه من الرضاعة لم يكونا زوجتيه ، قيل لعبد الملك : فلم تزوجن ؟ قال : إذ لا يكون له إليهن سبيل ; لأنه أحلهن لمن نكحهن . قال : وإن كان خفي على الحاكم فإنه حكم قد فات ، وقيل : النكاح لم يفت ، فمن هناك رد عليه ، قال : وإذا تزوجت فهي مثل المطلقة لم تبلغها الرجعة ، فتزوجت وهي زوجة للأول ففاتت ومضى ذلك ، قال : ولو أسلم وعنده أختان من نسب أو رضاع أو امرأة وعمتها - كان ذلك كله كأنما عقده - وهو مسلم عقدا واحدا .

وقال أبو ثابت : قلت لابن القاسم : أرأيت الحربي أو الذمي يسلم وقد تزوج الأم والابنة في عقدة واحدة أو عقدتين فلم يبن بهما ، أله أن يحبس أيتهما شاء ويفارق الأخرى ؟ قال : نعم . قلت : وهذا قول مالك ، ؟ قال : نعم ، قال مالك : إلا أن يكون مسهما جميعا ، فإن مسهما جميعا فارقهما جميعا .

قال ابن القاسم : وإن مس واحدة ولم يمس الأخرى لم يكن له أن يختار التي لم يمس ، وامرأته هاهنا التي قد مس . قال : وأخبرني من أثق به عن ابن شهاب أنه قال في المجوسي يسلم وتحته الأم وابنتها أنه إن لم يكن أصاب واحدة منهما [ ص: 61 ] اختار أيتهما شاء ، وإن وطئ إحداهما أقام على التي وطئ وفارق الأخرى ، وإن مسهما جميعا فارقهما جميعا ولم تحل له واحدة منهما أبدا .

وقال ابن أبي أويس : قال مالك في الرجل ينكح المرأة المشركة وابنتها فدخل بهما ثم أسلم ويسلمان ، أنه يفرق بينهما وبينه ، ولا ينكح واحدة منهما أبدا .

قال إسماعيل : كل ملك لا يجوز لمسلم أن يستأنفه ، فإنه لا يجوز للذي أسلم أن يقيم عليه . قال : وحدثني أبو ثابت قال : حدثني عبد الله بن وهب قال : أخبرني ابن لهيعة عن ابن أبي حبيب أن مجوسيا أسلم وكان تحته امرأة وابنتها ، فكتب فيه عمر بن عبد العزيز أن له في النساء سعة ، ففرق بينهما وبينه ، ثم لا يرتجع منها شيئا .

قال عبد الله : وأخبرني أسامة بن زيد الليثي أن عدي بن أرطاة كتب إلى عمر بن عبد العزيز عن رجل من المجوس أسلم وعنده امرأة وابنتها أسلمتا معه ، فكتب إليه عمر أن يطلقهما جميعا ، وقال : لا أحب أن يمسك واحدة منهما وقد اطلع ذلك المطلع منهما .

[ ص: 62 ] وقال ابن أبي أويس : قال مالك في المشرك يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة أنه يختار منهن أربعا - ولا يبالي أوائل كن أو أواخر - هو في ذلك بالخيار .

قال مالك : وذلك أنه لو مات من الأوائل أربع أو أكثر أو أقل جاز له أن يحبس من الأواخر أربعا ، ولو كان كما يقول هؤلاء لم يصح أن يحبس الأواخر إذا مات الأوائل ; لأن نكاحهن فاسد في قولهم .

قال ابن نافع : وكان ابن أبي سلمة يقول : يحبس الأوائل . أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود ( ح ) وعبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قالا : حدثنا يحيى بن معين قال : حدثنا وهب بن جرير عن أبيه قال : سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي وهب الجيشاني ، عن الضحاك بن فيروز ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ، إني أسلمت وتحتي أختان ، قال : طلق أيتهما شئت ورواه ابن وهب عن ابن لهيعة ، عن أبي وهب الجيشاني ، سمع الضحاك بن فيروز عن أبيه مثله سواء .




الخدمات العلمية