الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

التابع الرابع : القسم بين النساء ، وفيه خمسة فصول :

الفصل الأول : فيمن يستحق القسم ، قال الله تعالى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ) ، وقال تعالى : ( وعاشروهن بالمعروف ) ، وفي الترمذي ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء [ ص: 455 ] يوم القيامة ، وشقه ساقط ) .

وفي الجواهر : من له امرأة واحدة لا يجب عليه المبيت عندها ، ويستحب لتحصينها ، وقال ابن حنبل : يجب لها في كل أربع ليال ليلة ; لأنه لو كان له أربع نسوة كان لها ذلك ، والفرق : أن ضرر إتيان الضرة منفي هاهنا ، ولو كان له أربع ، وترك الجميع جاز ، ولا يجب القسم بين السراري لعدم حقهن في الوطء ، ولا بينهن وبين الزوجات ، والأولى كف الأذى ، ويجب العدل بين الزوجات إجماعا ، وتستحقه المريضة ، والرتقاء ، والنفساء ، والحائض ، والمحرمة ، والمولى عنها ، والمظاهرة ، وكل من لها عذر شرعي أو طبعي بحصول الاثنين ، وقاله في الكتاب : وقاله الأئمة ، ولا تجب المباشرة ، ولا جمع أن ينشط في يوم واحدة دون الأخرى إلا أن يقصد الضرر عنها ليس في لغيرها ، وفي البخاري : ( كان - صلى الله عليه وسلم - يقسم بين نسائه فيعدل ، ويقول : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) ، قال أبو الطاهر : الإتيان على أربعة أقسام : جائز ، وهو ميل القلب والمحسنة ، وإنشاط إلى الحمل ; لأنه لا يملك ، وكذلك بما يجب لها لارتفاع منزلتها ، وتفضيلها بالمقدار الواجب بزيادة نفقة على الأخرى بما لا تستحقه مع توفية الأخرى نفقتها فيه قولان : الجواز ; لأنه لم يجر ، والمنع ; لأنه ميل بما يملكه ، والأذية للأخرى ، والرابع : تنقيص إحداهما بما يجب لها أو بترك الجماع قصدا ، ويترك للأخرى ، وهو ممنوع إجماعا ، وفي الجواهر : يجب القسم على كل زوج مكلف ، وعلى ولي المجنون أن يطوف به ، وقاله الأئمة لتحصيل الأنس ، وفي الكتاب : إذا كان المريض يقدر على [ ص: 456 ] القسم وجب أن لا يجد لإقامته ما لم يكن كما أقام - صلى الله عليه وسلم - عند عائشة - رضي الله عنها - في مرضه ، قال اللخمي : وقيل : إذا غلب المرض وإحداهن تصلح لتمريضه دون غيرها تعينت ، وإن تساوين فبالقرعة إلا أن يرضين لما في أبي داود : ( بعث - صلى الله عليه وسلم - إلى نسائه في المرض فاجتمعن ، فقال : إني لا أستطيع أن أدور بينكن ، فإن رأيتن أن تأذن لي فأكون عند عائشة - رضي الله عنها - إن فعلتن ، فأذن له ) ، والمشهور : يروى أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك تطييبا لقلوبهن لا أنه واجب عليه .

فرع

في الكتاب : إذا سافرت إحداهن مدة لم تحاسبه ويبتدئ القسم ; لأنها أسقطت حقوقها ، وإذا أقام عند إحداهن مدة عن ذلك ولم تحاسبه ; لأن المقصود من القسم دفع الضرر الحاضر وتحصين المرأة ، وهو يفوت بفوات زمانه ، وكالعبد المعتق بعضه لا يحاسبه بهذا الإباق ، وقاله ( ح ) ، وقال ( ش ) : يجب القضاء فيما ظلم فيه كسائر الحقوق ، والفرق : أن الحقوق إنما وجب دفعها بعد زمان لحصول مصلحتها بعد زمانها ، وهاهنا تفوت المصلحة لفوات الزمان فلا مضي للقضاء ، وفي [ ص: 457 ] الجواهر : استقرأ اللخمي القضاء إذا أقام عند غيرها أكثر من نوبتها من قوله في السليمانية : إذا أقام عند إحداهن شهرين وهن أربع ، وحلف أن لا يطأها ستة أشهر حتى يوفي الباقيات ليس بمول ; لأنه قصد العدل ، قال أبو الطاهر : يحتمل أن يكون مراده الاستئناف دون المحاسبة فلا يكون موليا ; لأنه لا يقصد الضرر ، قال ابن يونس : قال مالك : إذا أغلقن الباب دونه ضررا له فله الذهاب إلى الأخرى ، وإن قدر على المبيت في حجرتها فعل ; لأنها وإن ظلمته فلم تسقط حقها ، قال أبو الطاهر : إن كان ظالما عليها لم يذهب بغيرها ، وإن كانت ظالمة ذهب ، قال ابن يونس : ولها أن يشرب ويتوضأ من بيتها في غير يومها ، ويأكل من طعام يبعث به إليها من غير تعمل ميل ، وقال لا يأتي في يومها إلا لحاجة أو عيادة ، وله جعل ثيابه عند إحداهما ما لم يرد ضررا أو ميلا .

فرع

قال ابن يونس : قال ابن حبيب : إذا قدم من سفره نهارا أقامه عند أيهما شاء ، ولا يحسبه ، ويأتنف القسم ; لأن المقصود الليل فقد ذهب ، قال : وأحب أن ينزل عند التي خرج من عندها ، وقاله مالك وأصحابه ، وإذا كانت ذات قدر جازت المفاضلة في النفقة ، والأحسن التسوية فقد كان لمعاذ بن جبل امرأتان يمتنع من شرب الماء من عندهما ، وإنهما ماتتا فلم يدفنهما إلا بالقرعة .

[ ص: 458 ] فرع

إذا رضيت بذاك أيامها وآثرت بها غيرها على أن لا يطلقها ، جاز ; لما في مسلم : ( أن سودة لما كبرت جعلت يومها منه - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - فكان - صلى الله عليه وسلم - يقسم لها يومين ، ولها الرجوع متى شاءت فيما ذهبت ، وقاله الأئمة .

قاعدة : كل حق تعين سببه نفذ التصرف فيه ، ولو فقد شرطه ، كدفع الزكاة قبل الحول لتحقق السبب الذي هو النصاب ، وإن فقد الشرط الذي هو الحول ، والعفو عن القصاص ، والدية قبل الموت ، والتكفير قبل الحنث ، وغير ذلك ، وهاهنا تحقق سبب استحقاق القسم ، وهو العصمة ، فينبغي أن ينفذ التصرف فيشكل أن لها الرجوع ، والذي يمكن أن يقال : إن التصرفات تنقسم إلى النقل : كالهبة والبيع ، والإسقاط : كالعتق والطلاق ، فإن العبد إذا لم يملك نفسه بعد العتق لم ينتقل إليه ما كان للسيد ، بل سقط ، وكذلك الزوج فقلنا أن يجعل هذا من باب النقل بالهبة ، والهبة إذا لم يتصل بها قبض لا تتم ، وإن كان سبب ملكه متحققا ، أما لو جعلناه من باب الإسقاط فلا يتأتى الرجوع لما تقدم من القاعدة في إسقاط الدين وغيره ، ويرد عليه أنه بالإسقاط أشبه ; لأن الزوج لا يملك المطالبة بأن يوطأ كما كان ذلك للمرأة ، وأما إن دفعته لضرتها فليس إسقاطا ; لأنه لم يترتب على الضرة حتى يسقط بالهبة لكن الهبة إذا كانت [ ص: 459 ] بشرط تجري مجرى المعاوضة تتم بمجرد العقد ، ولو سلم أن الشرط لا أنزله لكن الواهب لا يتمكن من الرجوع في الهبة ، بل للموهوب له المطالبة والإلزام بالتسليم إذا أعرض الموهوب مع القدرة سقط حقه ، وهاهنا لم تتمكن الضرة من استيفاء الموهوب لكونه في المستقبل فلا تستوفي إلا منه .

فرع

قال في الجواهر : لا يلزمه قبول الهبة ; لأن له حقا في الاستمتاع بالواهبة ، فإن قيل : ليس للموهوبة الامتناع ، وإن وهبت من الزوج نفسه فله تخصيص بعضهن بالموهوب قياسا على ماله بالأصالة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث