الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في إباحة المعاريض ومحلها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 14 ] فصل ( في إباحة المعاريض ومحلها )

وقد تقدم بعض هذا من الكلام في المعاريض ، وتباح المعاريض وقال ابن الجوزي : عند الحاجة وقد تقدم في الرعاية وغيرها وتكره من غير حاجة والمراد بعدم تحريم المعاريض لغير الظالم .

وقيل : يحرم وقيل : له التعريض في الكلام دون اليمين بلا حاجة .

قال الشيخ تقي الدين : ونص عليه أحمد وذكر في بطلان التحليل أنه قول أكثر العلماء .

قال مثنى لأبي عبد الله : كيف الحديث الذي جاء في المعاريض في الكلام ؟ قال : المعاريض لا تكون في الشراء والبيع ، وتصلح بين الناس . فلعل ظاهره أن المعاريض فيما استثنى الشرع من الكذب ولا تجوز المعاريض في غيرها .

وسأله محمد بن الحكم عن الرجل يحلف فيقول : هو الله لا أزيدك يوهم الذي يشري منه قال : هذا عندي يحنث إنما المعاريض في الرجل يدفع عن نفسه فأما في الشراء ، والبيع لا تكون معاريض قلت : أو يقول هذه الدراهم في المساكين إن زدتك قال هو عندي يحنث .

وقال أبو طالب إنه سأل أبا عبد الله عن الرجل يعارض في كلام الرجل يسألني عن الشيء أكره أن أخبره به ؟ قال إذا لم يكن يمين فلا بأس ، في المعاريض مندوحة عن الكذب . وهو إذا احتاج إلى الخطاب ، فأما الابتداء بذلك فهو أشد .

فهذا النص قول خامس ، وجزم في المغني وغيره بالقول الأول وقال : ظاهر كلام أحمد له تأويله وهو مذهب الشافعي فلا نعلم فيه [ ص: 15 ] خلافا .

وذكره القاضي عياض إجماعا واحتج في المغني بأن مهنا كان عند أحمد وهو والمروذي وجماعة فجاء رجل يطلب المروذي ولم يرد المروذي أن يكلمه فوضع مهنا أصبعه في كفه وقال ليس المروذي ههنا يريد ليس المروذي في كفه فلم ينكره أبو عبد الله .

قال المروذي : جاء مهنا إلى أبي عبد الله ومعه أحاديث فقال : يا أبا عبد الله معي هذه وأريد أن أخرج قال متى تريد تخرج ؟ قال الساعة أخرج ، فحدثه بها وخرج ، فلما كان من الغد أو بعد ذلك جاء إلى أبي عبد الله فقال له أبو عبد الله : أليس قلت الساعة أخرج ؟ قال : قلت أخرج من بغداد ؟ إنما قلت لك أخرج من زقاقك قال في المغني : وقد ذكره بنحو هذا المعنى فلم ينكره أبو عبد الله انتهى كلامه . وهذان النصان لا يمين فيهما .

واحتج في المغني بالأخبار المشهورة في ذلك وبآثار وليس في شيء منها يمين كقوله : { لا يدخل الجنة عجوز } ولمن استحمله { إنا حاملوك على ولد الناقة } وقوله عليه السلام لرجل حر { من يشتري العبد } ، وغير ذلك قال : وهذا كله من التأويل والمعاريض وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حقا فقال : { لا أقول إلا حقا } وكان يقول ذلك في المزاح من غير حاجة إليه انتهى كلامه . يؤيده أنه إذا جاز التعريض في الخبر بغير يمين جاز باليمين ; لأنه إن كان بالتعريض كذبا منع منه مطلقا وقد ثبت جوازه بغير يمين ، وإن كان صدقا لم يمنع من تأكيد الصدق باليمين وغيرها وغاية ما فيه إيهام السامع وليس بمانع ، ولا المنع بغير يمين والغرض أن المتكلم ليس بظالم ولم يتعلق به حق لغيره ولا يقال : لا يلزم من جواز الإيهام بغير يمين جوازه بها لأنه معها آكد وأبلغ لأنا نقول : لم نقس بل نقول : إن كان الإيهام عليه للمنع فليطرد وقد جاء بغير يمين ، وأيضا القول بأن الإيهام عليه للمنع دعوى تفتقر إلى دليل والأصل عدمه ، ولا يقال الأصل في كل يمين عقدها المؤاخذة بها لظاهر القرآن إلا ما خصه الدليل ، ولا دليل لأنا نقول لا نسلم أن عقدها مع التأويل والتعريض يشملها القرآن ثم هي يمين صادق فيها بدليل صدقه بغير يمين ، يؤيده أن حقيقة [ ص: 16 ] الكلام تختلف باليمين وعدمها فما كان صدقا بدونها كان صدقا معها ، هذا لا شك فيه ولأن الأصل بقاء حقيقة اللفظ ، وعدم تغيره باليمين فمدعي خلافه عليه الدليل .

وقد روي { إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب } هذا ثابت عن إبراهيم النخعي . وروي مرفوعا وليس هو في مسند أحمد ولا الكتب الستة ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب المعاريض عن إسماعيل بن إبراهيم بن بسام عن داود بن الزبرقان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب } . ورواه أيضا عن أبي زيد النميري حدثنا الربيع بن محبور حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري عن سعيد فذكره ، وداود والعباس ضعيفان عند المحدثين قال ابن عدي : مع ضعفهما يكتب حديثهما

وقد ذكر في المغني هذا الخبر تعليقا بصيغة الجزم محتجا به ولم يعزه إلى كتاب والله أعلم .

وفي تفسير ابن الجوزي في قوله تعالى { بل فعله كبيرهم هذا } المعاريض لا تذم خصوصا إذا احتيج إليها ثم ذكر خبر عمران بن حصين ولم يعزه قال : وقال عمر بن الخطاب : ما يسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي .

وقال النخعي : لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شيء يدرءون به عن أنفسهم قال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف وذكر ابن الجوزي كلاما كثيرا فتبين أن قول الإمام أحمد لا يجوز مع اليمين ومن غير يمين يجوز ، وعنه لا ، وعنه الفرق بين الابتداء وغيره ، وقد يقيدون به الجواز الأولى بالمصلحة لا مطلقا ، وعليه تحمل الآثار .

وأما الأصحاب فتجوز عندهم المعاريض ، وقيل : تكره وقيل : تحرم ولم أجد أحدا منهم صرح بالفرق بين اليمين وغيرها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث