الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب حد المسكر

[ ص: 186 ] باب حد المسكر قال شيخ الإسلام رضي الله عنه أما " الأشربة المسكرة " فمذهب جمهور علماء المسلمين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر العلماء أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام . وهذا مذهب مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة واختيار طائفة من المشايخ : مثل أبي الليث السمرقندي وغيره . وهذا قول الأوزاعي وأصحابه والليث ابن سعد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن علي وأصحابه وأبي ثور وأصحابه وابن جرير الطبري وأصحابه وغير هؤلاء من علماء المسلمين وأئمة الدين . وذهب طائفة من العلماء من أهل الكوفة كالنخعي والشعبي وأبي حنيفة وشريك وغيرهم إلى أن ما أسكر من غير الشجرتين - النخل والعنب - كنبيذ الحنطة والشعير والذرة والعسل ولبن الخيل وغير ذلك فإنما يحرم [ ص: 187 ] منه القدر الذي يسكر . وأما القليل الذي لا يسكر فلا يحرم .

وأما عصير العنب الذي إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فهو خمر يحرم قليله وكثيره بإجماع المسلمين . وأصحاب " القول الثاني " قالوا : لا يسمى خمرا إلا ما كان من العنب . وقالوا : إن نبيذ التمر والزبيب إذا كان نيئا مسكرا حرم قليله وكثيره ولا يسمى خمرا فإن طبخ أدنى طبخ حل . وأما عصير العنب إذا طبخ وهو مسكر لم يحل إلا أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه . فأما بعد أن يصير خمرا فلا يحل وإن طبخ إذا كان مسكرا بلا نزاع . و " القول الأول " الذي عليه جمهور علماء المسلمين هو الصحيح الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار ; فإن الله تعالى قال في كتابه : { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } . واسم " الخمر " في لغة العرب الذين خوطبوا بالقرآن كان يتناول المسكر من التمر وغيره ولا يختص بالمسكر من العنب ; فإنه قد ثبت بالنقول الصحيحة أن الخمر لما حرمت بالمدينة النبوية وكان تحريمها بعد غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة لم يكن من عصير العنب شيء فإن المدينة ليس فيها [ ص: 188 ] شجر عنب ; وإنما كانت خمرهم من التمر . فلما حرمها الله عليهم أراقوها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بل وكسروا أوعيتها وشقوا ظروفها ; وكانوا يسمونها " خمرا " . فعلم أن اسم " الخمر " في كتاب الله عام لا يختص بعصير العنب . فروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ; ما منها شراب العنب . وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال : إن الخمر حرمت يومئذ من البسر والتمر . وفي لفظ لمسلم : لقد أنزل الله هذه الآية التي حرم فيها الخمر ; وما بالمدينة شراب إلا من تمر وبسر . وفي لفظ للبخاري : وحرمت علينا حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا ; وعامة خمرنا البسر والتمر .

وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال . كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب من فريخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال : إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة : يا أنس قم إلى هذه الجرار فأهرقها فأهرقتها . وقد ثبت { عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أن الخمر يكون من الحنطة والشعير ; كما يكون من العنب } ففي الصحيحين عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال على منبر النبي صلى الله عليه وسلم أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب والتمر ; [ ص: 189 ] والعسل ; والحنطة ; والشعير ; والخمر ما خامر العقل . وروى أهل السنن أبو داود والترمذي وابن ماجه عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن من الحنطة خمرا ومن الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا ; ومن التمر خمرا ومن العسل خمرا } زاد أبو داود : { وأنا أنهى عن كل مسكر } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث