الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم لبس الطيلسان

حكم لبس الطيلسان

وعن مرة بن كعب -رضي الله عنه-، قال: سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذكر الفتن، فقربها؛ أي: ذكر أنها قريبة. فمر رجل مقنع في ثوب؛ أي: مستتر في ثوب جعله كالقناع.

قال في «الترجمة»: جعله فوق رأسه، ويقال له: التطلس؛ من الطيلسان، وقد وردت أخبار وآثار كثيرة في التطلس، وكرهه بعضهم، وجعلوه من سيماء اليهود. والصواب استحبابه واستحسانه، وهذا الحديث وأمثاله تؤيد ذلك، فقال: هذا يومئذ على الهدى»، فقمت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان، قال: فأقبلت إليه بوجهه؛ أي: أدرت وجهه، ليتبين الأمر عليه، فقلت: هذا؛ أي: هذا هو الذي يومئذ على الهدى؟ قال: «نعم» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه أيضا.

فيه: أن عثمان على الحق، والفتنة التي وقعت في زمنه أهلها على الباطل، ولنعم ما قيل:


إنك حق وهم الباطل



وفيه فضيلة له -رضي الله عنه- عظيمة. وفيه رواية أخرى عن ابن عمر، قال: ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتنة، فقال: «يقتل هذا فيها مظلوما» لعثمان . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب إسنادا.

وفيه حجة على أنه قتل مظلوما، ولم يقتل ظالما، وقصة شهادته -رضي الله عنه- مذكورة في «الإشاعة»، وفي «حجج الكرامة». والحديث علم من أعلام النبوة؛ حيث أخبر فيه بما سيكون، وقد وقع كما أخبر، فلله الحجة البالغة.

[ ص: 417 ] وعن أنس -رضي الله عنه- قال: لما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببيعة الرضوان، كان عثمان رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن عثمان في حاجة الله»؛ أي: نصرة دينه وحاجة رسوله»، فضرب بإحدى يديه على الأخرى؛ أي: في البيعة من جهة عثمان، على فرض أنه حاضر في المكان والزمان. والمعنى: أنه جعل إحدى يديه نائبة عن يد عثمان، فقيل: هي اليسرى، وقيل: اليمنى، وهو الصحيح فكانت يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعثمان، خيرا من أيديهم لأنفسهم. رواه الترمذي .

قال في «الترجمة»: كان عثمان يقول: شمال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير من يميني . وهذه فضيلة خاصة لعثمان، لا يشارك فيها معه أحد.

قلت: وكم له من فضائل خاصة! منها اشتراء بئر «رومة »، وهو بئر عظيم شمالي مسجد القبلتين، بوادي العقيق، ماؤه عذب لطيف في غاية العذوبة واللطافة، يسميها الآن العامة: بئر الجنة؛ لترتب دخول الجنة لعثمان على شرائها، كما في حديث ثمامة بن حزن القشيري، عن عثمان : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدم المدينة، وليس بها ماء يستعذب، غير بئر رومة، فقال: «من يشتري بئر رومة، يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة.. الحديث.

ومنها: أنه اشترى بقعة آل فلان، فزادها في المسجد «بخير له منها في الجنة»؛ كما في الحديث المذكور أيضا.

وعنه -رضي الله عنه-: أن النبي-صلى الله عليه وسلم- صعد « أحدا » وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم؛ أي: تحرك اهتزازا، فضربه برجله، فقال: «اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان رواه البخاري؛ أي: عمر وعثمان . وفيه الشهادة بكونه شهيدا، ولا رتبة أعظم من الشهادة بعد الرسالة والصدق، [ ص: 418 ] فهذا الحديث من عظيم فضائله -رضي الله عنه-.

وعن جابر : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أري الليلة»؛ أي: أبصر البارحة «رجل صالح كأن أبا بكر نيط». أي: علق برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قلنا: أما الرجل الصالح، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما نوط بعضهم ببعض، فهم ولاة الأمر الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم . رواه أبو داود .

هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وفيه إشارة إلى ترتيب الخلافة الراشدة بعده صلى الله عليه وسلم، وقد فهم ذلك من قوله هذا، راوي الحديث، وكان كما قال. ومن شواهده حديث ابن عمر، قال: كنا نقول ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- حي: أبو بكر، وعمر، وعثمان». رواه الترمذي .

وهذا يشير إلى أن الله تعالى ألهمهم وألقى في روعهم ما كان صانعه بعد نبيه صلى الله عليه وسلم، من أمر ترتيب الخلافة.

وفي حديث أبي موسى الأشعري، قال: كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «افتح له وبشره بالجنة»، ففتحت له، فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فحمد الله. ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «افتح له وبشره بالجنة»، ففتحت له، فإذا عمر، فأخبرته بما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فحمد الله، ثم استفتح رجل فقال لي: «افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه»، فإذا عثمان، فأخبرته بما قاله النبي-صلى الله عليه وسلم- فحمد الله ثم قال: الله المستعان . متفق عليه.

وفيه ذكر الثلاثة على ترتيب الخلافة، وإخبار عن بلوى تصيب عثمان، فالحديث علم من أعلام النبوة، وفيه إشارة إلى كونه شهيدا. ويزيده إيضاحا: حديث عائشة : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يا عثمان! إنه لعل الله يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه، فلا تخلعه رواه الترمذي، وابن [ ص: 419 ] ماجه. وقال الترمذي : في الحديث قصة طويلة.

فيه: الإشارة إلى الخلافة، واستعارة القميص لها، وذكر الخلع ترشيح؛ أي: سيجعلك الله خليفة، فإن قصد الناس عزلك، فلا تعزل نفسك عنها لأجلهم؛ لكونك على الحق، وكونهم على الباطل، وفي قبول العزل إيهام وتهمة، فلذا كان عثمان، ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار، وقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد عهد إلي عهدا، وأنا صابر عليه. رواه الترمذي عن أبي سهلة، عن أبي عثمان، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وبالجملة: دل الحديث على صحة خلافته، فمن أنكر خلافته، ولم يره من أهل الجنة والشهداء، وأساء الأدب فيه باللسان أو الجنان، فهو خارج عن دائرة الإيمان وحيز الإسلام. والأحاديث في مناقبه كثيرة جدا، تصدى لذكرها المرزا محمد بن رستم المخاطب بمعتمد خان الحارثي البدخشي، المحدث الهندي - رحمه الله تعالى -.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث