الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله )

قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه : ومن الناس من يبيع نفسه بما وعد الله المجاهدين في سبيله وابتاع به أنفسهم بقوله : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) [ التوبة : 111 ] .

وقد دللنا على أن معنى"شرى" باع ، في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته .

وأما قوله : " ابتغاء مرضاة الله " فإنه يعني أن هذا الشاري يشري إذا اشترى طلب مرضاة الله .

ونصب" ابتغاء " بقوله : " يشري " ، فكأنه قال : ومن الناس من يشري [ نفسه ] من أجل ابتغاء مرضاة الله ، ثم ترك" من أجل" وعمل فيه الفعل .

وقد زعم بعض أهل العربية أنه نصب ذلك على الفعل ، على" يشري " ، كأنه قال : لابتغاء مرضاة الله ، فلما نزع"اللام" عمل الفعل ، قال : ومثله : ( حذر الموت ) [ البقرة : 19 ] وقال الشاعر وهو حاتم : [ ص: 247 ]


وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن قول اللئيم تكرما



وقال : لما أذهب"اللام" أعمل فيه الفعل .

وقال بعضهم : أيما مصدر وضع موضع الشرط ، وموضع"أن" فتحسن فيها"الباء" و"اللام" ، فتقول : "أتيتك من خوف الشر - ولخوف الشر - وبأن خفت الشر" ، فالصفة غير معلومة ، فحذفت وأقيم المصدر مقامها . قال : ولو كانت الصفة حرفا واحدا بعينه ، لم يجز حذفها ، كما غير جائز لمن قال : "فعلت هذا لك ولفلان" أن يسقط"اللام" .

ثم اختلف أهل التأويل في من نزلت هذه الآية فيه ومن عني بها . فقال بعضهم : نزلت في المهاجرين والأنصار ، وعني بها المجاهدون في سبيل الله .

ذكر من قال ذلك :

4000 - حدثنا الحسين بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " ، قال : المهاجرون والأنصار .

وقال بعضهم : نزلت في رجال من المهاجرين بأعيانهم .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 248 ]

4001 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " ، قال : نزلت في صهيب بن سنان ، وأبي ذر الغفاري جندب بن السكن أخذ أهل أبي ذر أبا ذر ، فانفلت منهم ، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رجع مهاجرا عرضوا له ، وكانوا بمر الظهران ، فانفلت أيضا حتى قدم على النبي عليه الصلاة والسلام . وأما صهيب فأخذه أهله ، فافتدى منهم بماله ، ثم خرج مهاجرا فأدركه قنقذ بن عمير بن جدعان ، فخرج له مما بقي من ماله ، وخلى سبيله .

4002 - حدثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " الآية ، قال : كان رجل من أهل مكة أسلم ، فأراد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويهاجر إلى المدينة ، فمنعوه وحبسوه ، فقال لهم : أعطيكم داري ومالي وما كان لي من شيء! فخلوا عني ، فألحق بهذا الرجل ! فأبوا . ثم إن بعضهم قال لهم : خذوا منه ما كان له من شيء وخلوا عنه ! ففعلوا ، فأعطاهم داره وماله ، ثم خرج; فأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " ، الآية . فلما دنا من المدينة تلقاه عمر في رجال ، فقال له عمر : ربح البيع! قال : وبيعك فلا يخسر! قال : وما ذاك ؟ قال : أنزل فيك كذا وكذا .

وقال آخرون : بل عني بذلك كل شار نفسه في طاعة الله وجهاد في سبيله ، أو أمر بمعروف .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 249 ]

4003 - محمد بن بشار ، قال : حدثنا حسين بن الحسن أبو عبد الله ، قال : حدثنا أبو عون ، عن محمد ، قال : حمل هشام بن عامر على الصف حتى خرقه ، فقالوا : ألقى بيده !! فقال أبو هريرة : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " .

4004 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا مصعب بن المقدام ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن طارق بن عبد الرحمن ، عن قيس بن أبي حازم ، عن المغيرة ، قال : بعث عمر جيشا فحاصروا أهل حصن ، وتقدم رجل من بجيلة ، فقاتل ، فقتل ، فأكثر الناس فيه يقولون : ألقى بيده إلى التهلكة! قال : فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال : كذبوا ، أليس الله عز وجل يقول : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد " ؟

4005 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا هشام ، عن قتادة ، قال : حمل هشام بن عامر على الصف حتى شقه ، فقال أبو هريرة : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " .

4006 - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا حزم بن أبي حزم ، قال : سمعت الحسن قرأ : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد " ، أتدرون فيم أنزلت ؟ نزلت في أن المسلم لقي الكافر فقال له : "قل لا إله إلا الله" ، فإذا قلتها عصمت دمك [ ص: 250 ] ومالك إلا بحقهما! فأبى أن يقولها ، فقال المسلم : والله لأشرين نفسي لله! فتقدم فقاتل حتى قتل .

4007 - حدثني أحمد بن حازم ، قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا زياد بن أبي مسلم ، عن أبي الخليل ، قال : سمع عمر إنسانا قرأ هذه الآية : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " ، قال : استرجع عمر فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون! قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل .

قال أبو جعفر : والذي هو أولى بظاهر هذه الآية من التأويل ، ما روي عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم ، من أن يكون عني بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر .

وذلك أن الله جل ثناؤه وصف صفة فريقين : أحدهما منافق يقول بلسانه خلاف ما في نفسه ، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها ، وإذا لم يقتدر رامها ، وإذا نهي أخذته العزة بالإثم بما هو به آثم ، والآخر منهما بائع نفسه ، طالب من الله رضا الله . فكان الظاهر من التأويل أن الفريق الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه ، إنما شراها للوثوب بالفريق الفاجر طلب رضا الله . فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية .

وأما ما روي من نزول الآية في أمر صهيب ، فإن ذلك غير مستنكر ، إذ كان غير مدفوع جواز نزول آية من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بسبب من الأسباب ، والمعني بها كل من شمله ظاهرها . [ ص: 251 ]

فالصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عز وجل وصف شاريا نفسه ابتغاء مرضاته ، فكل من باع نفسه في طاعته حتى قتل فيها ، أو استقتل وإن لم يقتل ، فمعني بقوله : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" - في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه ، أو في أمر بمعروف أو نهي عن منكر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث