الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الرد على قولهم العلة متقدمة على المعلول وإن قارنته في الزمان

وقول القائل: العلة متقدمة على المعلول وإن قارنته بالزمان، وجعله الباري مع العالم بهذه المنزلة.

يقال له: إن أردت بالعلة ما هو شرط في وجود المعلول لا مبدعا له كان حقيقة قولك: إن واجب الوجود ليس هو مبدعا للممكنات ولا ربا لها، بل وجوده شرط في وجودها ، وهذا حقيقة قول هؤلاء، فالرب على أصلهم والعالم متلازمان، كل منهما شرط في الآخر، والرب محتاج إلى العالم، كما أن العالم محتاج إلى الرب، وهم يبالغون في إثبات غناه عن غيره، وعلى أصلهم فقره إلى غيره كفقر بعض المخلوقات.

وغاية المتحذلق منهم كأرسطو أن يجعل الفلك واجب الوجود لا يقبل العدم مع كونه مفتقرا إلى المبدأ الأول لأجل التشبيه به، ويجعل المبدأ الأول غنيا عما سواه، لكن من التناقض أن يقول: إن واجب الوجود مفتقر إلى غيره، وأيضا فالأزلي الذي يثبته لا حقيقة له، كما قد بسط في موضع آخر.

وإن أراد بالعلة ما هو مبدع للمعلول له، فهذا لا يعقل مع كون زمانه زمان المعلول، لم يتقدم على المعلول تقدما حقيقيا، وهو التقدم المعقول. [ ص: 300 ]

وإذا شبهوا وجود الفلك مع الرب بالصوت مع الحركة والضوء مع الشمس، كان هذا ونحوه تشبيها باطلا لا يفيد إمكان صحة قولهم، فضلا عن إثبات صحته، فإن هذه الأمور وأمثالها إما أن يقال فيها: إن الثاني موجود متصل بالأول، كأجزاء الزمان والحركة، لا أنه معه في الزمان، وإما أن يقال: الثاني مشروط بالأول، لا أن الأول مبدع للثاني فاعل له، فلا يمكنهم أن يذكروا وجود فاعل لغيره مع أن زمانهما معا أصلا.

ونحن ذكرنا هذا التقسيم لئلا يكون الجواب مبنيا على أمور دقيقة يختص بفهمها بعض الناس، فإن الجواب كلما كان أظهر، واتفاق العقلاء عليه أكثر، كان أولى بالذكر من غيره، إذ المقصود بيان الحق وإبطال الباطل، وإلا فيمكن بسط الكلام في هذا، وأن يقال: السبب لا بد أن يتقدم على مسببه بالزمان، وأن الفاء المستعملة في هذا هي فاء التعقيب.

فقول القائل: تحركت يدي فتحرك كمي، يدل على أن الثاني عقب الأول، ويقال: إن فاء التسبب تتضمن التعقيب من غير عكس، فكل مسبب فإنه يكون بعد سببه، فليس كل ما كان عقب [ ص: 301 ] غيره يكون مسببا عنه، بل قد يكونان مسببين لسبب آخر وإن كان شرطا فيه.

ثم الكلام في هذا ينجر إلى الفرق بين السبب وجزئه والشرط، وليس هذا موضع استقصائه، فإن المقصود حاصل بدون ذلك، وإنما المقصود هنا أن تقدم العلة الفاعلة على المعلول المفعول أمر معقول عند جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، وإنما يجوز كون المفعول المعلول مقارنا لفاعله طائفة قليلة من الناس، كابن سينا والرازي ونحوهما.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث