الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن باع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن ففيه وجهان ، قال أبو الطيب بن سلمة : يجوز كما يجوز بيع السمسم بالسمسم ، وإن كان في كل واحد منهما شيرج ، وكما يجوز بيع دار بدار ، وإن كان في كل واحدة منهما بئر ماء وقال أكثر أصحابنا : لا يجوز ; لأنه جنس فيه ربا بيع بعضه ببعض ومع كل واحد منهما شيء مقصود فلم يجز ، كما لو باع نخلة مثمرة بنخلة مثمرة ويخالف السمسم ; لأن الشيرج في السمسم كالمعدوم ، ; لأنه لا يحصل إلا بطحن وعصر ، واللبن موجود في الضرع من غير فعل ، ويمكن أخذه من غير مشقة ، وأما الدار فإن قلنا : إن الماء يملك ويحرم فيه الربا فلا يجوز بيع إحدى الدارين بالأخرى ) .

التالي السابق


( الشرح ) الوجهان مشهوران حكاهما كذلك الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهم ، ونسب الشيخ أبو حامد الثاني إلى عامة أصحابنا منهم أبو العباس وأبو إسحاق ، وكذلك القاضي أبو الطيب نسبه إلى أصحابنا ، وقال نصر : إنه المذهب وقال المحاملي : إنه ظاهر المذهب ، وجزم به في اللباب وأصح الوجهين الثاني وبه جزم ابن أبي هريرة لما ذكره المصنف ، ولأنه يشبه بيع شاة معها لبن في إناء بشاة معها لبن في إناء ، ووافق أبو الطيب بن سلمة على امتناع بيع الشاة التي في ضرعها لبن بلبن ، فلذلك شبه المسألة التي خالف فيها السمسم بالسمسم ، وتلك المسألة كالسمسم بالشيرج . [ ص: 441 ] وفرق الشيخ أبو حامد بين هذا وبين السمسم بالسمسم بفرقين ( أحدهما ) ما ذكره المصنف وغيره من الأصحاب ( والثاني ) هذه ، وهو أن السمسم إذا بيع بالسمسم فالمقصود منه الشيرج ، فأما التفل الذي يكون فيه فليس بمقصود وقد وجدت المماثلة بينهما كيلا ، فيصح البيع ، ولم يمنعه التفل كالتمر بالتمر إذا كان فيهما نوى ، حيث لم يكن مقصودا ، بخلاف الشاة باللبن ، فإن الشاة مقصودة واللبن له قسط من الثمن ، ولو باع شاة لبونا بشاة لبون وهما مستفرغتا الضرع جاز قال القاضي حسين : فلذلك قال المصنف : في ضرعها لبن احترازا عن هذا . وأفهم كلام المصنف أنا إذا قلنا : إن الماء لا يملك أو قلنا بأنه يملك ولكنه ليس بربوي لا يحتاج إلى الفرق ، ويسقط التمسك به ( وإن قلنا ) بأنه مملوك ربوي منعنا الحكم ، فلا يصح القياس عليه ، وبيان ذلك أنه إن قلنا : لا يملك صح بيع الدار بالدار ، ولم يتناول البيع الماء ، فإنه غير مملوك على هذا القول ، وإذا تخطى رجل إلى البئر واستقى منها ملكه ولا يجب عليه رده مع عصيانه في دخوله الدار بغير إذن ( وإن قلنا ) يملك وهو غير ربوي صح البيع وتناوله ( وإن قلنا : ) ربوي امتنع البيع فعلى كل التقدير احتجاج أبي الطيب بن سلمة بذلك ساقط ، ومنع بيع إحدى الدارين المذكورتين بالأخرى على قول بأن الماء مملوك ربوي قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ لكن ابن الصباغ قال في الباب الذي بعد هذا المترجم عنه ب ( باب الحائط يباع أصله ) : أن ماء البئر لا يدخل في مطلق بيع الدار على الوجهين ، لأنه في أحدهما غير مملوك وفي الأخرى بماء ظاهر ، ولا يدخل في البيع إلا بالشروط كالطلع المؤبر .

( قلت ) ومتى باعه وحده لم يصح على الوجهين كما قاله ابن الصباغ أيضا في باب بيع الثمار ، وبأنه لا يملك في أحدهما ، وفي الآخر يكون مجهولا فيها ولا يمكن تسليمه ; لأنه إلى أن يسلمه يختلط به غيره ومتى باع واشترط دخوله صح بلا خلاف ; لأن الاختلاط هاهنا لا يضر ; لأن الجميع ملك المشتري قال ابن الرفعة : صرح بحكاية ذلك الإمام . وقال القاضي حسين : إن كان في موضع لا قيمة للماء فيه يجوز ، وإن كان في موضع للماء فيه قيمة ولم يسميا في العقد أيضا يجوز ، وإن سميا في العقد فإنه لا يجوز ، ويصير كمسألة مد [ ص: 442 ] عجوة ، وبنى القاضي حسين ذلك على أصل قدمه في بيع الدار التي فيها البئر مطلقا ، فصل فيه بين أن يكون للماء قيمة في ذلك المكان أو لا ، فقال : إن كان مما لا قيمة له يدخل في العقد ، وقيل : لا يدخل إلا بالتسمية كسائر المنقولات التي تكون في البيت ، وحكى عن القاضي وجها آخر أنه يندرج كالثمار التي لم تؤبر . ( وإذا قلنا : ) بأنه غير مملوك اختص به المشتري كما كان يختص به البائع وجزم الروياني في الحلية بأن الماء الظاهر عند البيع لا يدخل يعني عند الإطلاق وكذا المعدن الظاهر كالنفط ونحوه ، وما ينبع بعده كان للمشتري ، والذي قاله الرافعي : أن الأصح الصحة تبعا ، وعلى هذا يشكل الفرق ، فإن تبعية الماء للدار كتبعية اللبن للشاة ، والأظهر عند الإمام أيضا الصحة ، وعلله بأن الماء الكائن في البئر ليس مقصودا ولا يرتبط به قصد .

( وقوله ) الكائن في البئر احتراز جيد . فإن ماء البئر من حيث الجملة مقصود في الدار . ولكن لا غرض في ذلك للقدر الكائن وقت العقد . ومع قول الإمام : إن هذا هو الظاهر فإن الثاني هو القياس وإنه لا يقدح للجواز وجه في القياس ، ولكن عليه العمل ومعتمده سقوط القصد إلى الماء الحاصل ثم أورد الإمام سؤالا وانفصل عنه . أما السؤال فإن خل التمر إذا بيع بخل الزبيب ، وقلنا : إن الماء ربوي امتنع البيع . والماء ليس مقصودا في الخل . كما أنه ليس مقصودا في مسألة الدار وانفصل عنه بأن الماء يستعمل على صفة الخل حتى كأنه انقلب خلا فلم يخرج مقدار الماء عن كونه مقصودا وإن كان لا يقصد ماء وهذا لا يتحقق في البئر ومائها وقد يقال : كل من الشاة ولبنها مقصود بخلاف الماء الحاصل وقت العقد في البئر فإنه غير مقصود . وقد تقدم في مسألة مد عجوة الكلام في شيء من ذلك . وقال الماوردي : إن قلنا : لا ربا في الماء جاز مطلقا وإن قلنا : فيه ربا فإن كان الماء محرزا في الأجباب فهو مملوك قطعا . ولا يجوز [ ص: 443 ] البيع حينئذ خوف التفاضل ، وإن كان في الآبار فبعض أصحابنا يزعم أن ماء البئر يكون ملكا لمالك البئر . فعلى هذا يمتنع إلا أن يكون ملحا فيجوز . لأن الماء الملح غير مشروب ولا ربا فيه . وذهب جمهور أصحابنا وهو ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أن ماء البئر لا يملك إلا بالأخذ والإجارة ، وكذلك ماء العين والنهر ، وإنما يكون لمالك البئر منع غيره من التصرف في بئره أو نهره ; لأن من اشترى دارا ذات بئر فاستعمل ماءها ثم ردها بعيب لم يلزمه للماء غرم ولو كان مملوكا لزمه غرمه ; كما يغرم لبن الضرع ولأن مستأجر الدار له أن يستعمل ماء البئر فعلى هذا يجوز بيع دار ذات بئر فيها بدار ذات بئر فيها .

( قلت : ) وهذا الذي قاله فيه نظر فإن الذي صححوه في إحياء الموات أنه يملك ماء البئر - والله أعلم .

وقال ابن الرفعة بعد حكايته كلام القاضي في بيع الدار التي فيها البئر : هذا لا شك فيه بناء على أصله في أن الماء لا يدخل في إطلاق العقد . أما إذا قلنا : يدخل كما هو وجه بعيد فهو تابع وهل يعامل معاملة المقصود أم لا فهو محل الخلاف الذي ذكره الغزالي للإمام فيما نظمه والله أعلم . نعم لك أن تقول : الجزم بصحة العقد مع عدم دخول ما في البئر من الماء نظر . لا يمكن أخذه إلا مختلطا بملك المشتري فكما لم يصح بيع الجمة بمفردها حذرا من الاختلاط بملك البائع ينبغي أن لا يصح إذا بيعت الجمة للبائع حذرا من الاختلاط بملك المشتري . وإن تخيل في الفرق أن الاختلاط لم يمنع من تسليم عين المبيع وهو هاهنا في غير المبيع فلا يمنع التسليم . فلا يمنع الصحة . ( قلنا : ) ذلك يقتضي صحة بيع الأصل وغلة ثمرة تكون للبائع ولا يتأتى تسليمها إلا بعد اختلاطها بالثمرة الحادثة على ملك المشتري . والمنقول فيها عدم الصحة . لكن قد يفرق بين ذلك وما نحن فيه بأن الثمار مقصود الأشجار كما ستعرفه ثم . ولا كذلك ماء البئر في بيع الدار وأما في بيع البئر ففيه [ ص: 444 ] وقفة في حال كون الماء له قيمة والله أعلم . انتهى كلام ابن الرفعة ، ومنع بيع النخلة المثمرة بالنخلة المثمرة من جنسها باطل اتفق عليه الأصحاب وممن صرح به ابن أبي هريرة وغيره ، فلو كان على إحداهما ثمرة ولا شيء على الأخرى جاز ، وكذلك الشاة التي فيها لبن بالشاة التي لا لبن فيها ، صرح بهما ابن أبي هريرة والماوردي إلا أن تكون إحداهما مذبوحة فذلك يمتنع لأمر آخر وهو بيع حيوان بلحم .

فائدة عرفت أن أبا الطيب بن سلمة قائل بالجواز في بيع الشاة بالشاة والدار بالدار ، وقد صرح الغزالي في البسيط فقال في بيع الشاة اللبون بالشاة اللبون وفي ضرعهما لبن ، حكى أصحابنا عن أبي الطيب بن سلمة أنه جوز ذلك وذكر مسألة الدارين ، وأطلق الخلاف فيها ، ولم ينسب فيها إلى أبي الطيب بن سلمة شيئا ، وفي الوسيط ذكر لفظا مشكلا فقال بعد أن جزم بالبطلان في مسألة اللبون وحكى الوجهين في مسألة الدارين ، وسوى بالمنع فيهما ، واستشكله الفضلاء ، وتأويل كلامه في الوسيط ، وغاية ما ظهر لي في تأويله أن يكون المراد بالمنع منع الحكم المدعى وهو البطلان الذي جزم به في مسألة الشاة اللبون ; لكن لا يستمر ذلك في مسألة الدارين ، فإنه اقتصر على حكاية الخلاف من غير ترجيح البطلان ، ولعل ذلك وهم من ناسخ أو سبق قلم والله أعلم .

وكذلك قال ابن أبي الدم في كلامه على الوسيط : إن ذلك غلط على أبي الطيب بن سلمة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث