الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


362 [ ص: 152 ] ( 9 ) باب جامع سبحة الضحى .

333 - ذكر فيه مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس أن جدته مليكة دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى طعام صنعته فأكل منه ، ثم قال رسول الله : - صلى الله عليه وسلم - " قوموا فلأصل لكم . قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ، فنضحته بماء ، فقام عليه رسول الله وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين ثم انصرف .

التالي السابق


8349 - في هذا الحديث إجابة الدعوة إلى الطعام في غير الوليمة ، وفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة .

8350 - وفيه : أن المرأة المتجالة ، والمرأة الصالحة ، إذا دعت إلى طعام أجيبت .

8351 - قال الله - عز وجل - : " والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن [ النور : 60 ] . [ ص: 153 ] 8352 - وفيه من الفقه : أن من حلف ألا يلبس ثوبا ، ولم تكن له نية ولا لكلامه بساط يعلم به مخرج يمينه ، فإنه يحنث بما ينوي ويبسط من الثياب ; لأن ذلك يسمى لباسا .

8353 - ألا ترى إلى قوله : فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس .

8354 - وأما نضح الحصير ، فإن إسماعيل بن إسحاق وغيره من أصحابنا كانوا يقولون : إنما كان ذلك ليلين الحصير ، لا لنجاسة فيه .

8355 - وقال بعض أصحابنا : إن النضح طهارة لما شك فيه ; لتطييب النفس عليه اتباعا لعمر في قوله : أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أره . 8356 - قال أبو عمر : الذي أقول به أن ثوب المسلم محمول على الطهارة حتى يستيقن بالنجاسة ، وأن النضح فيما قد تنجس لا يزيده إلا شرا ، وقد يسمى الغسل نضحا .

8357 - وقد ذكرنا ذلك بالشاهد عليه فيما تقدم من هذا الكتاب .

8358 - إلا أن من قصد بالنضح - الذي هو الرش - إلى قطع الوسوسة ، وحزازة النفس فيما يشك فيه ، اتباعا لعمر وغيره من السلف ، واتباعا للأصل في الثوب أنه على الطهارة محمول حتى تصح النجاسة فيه ، إلا أن يكون في النفس فيما شك فيه اتباعا شيء من الشك يقطع بالرش على ما جاء عن السلف ، فهو احتياط غير مضر وبالله التوفيق .

8359 - وأما النضخ بالخاء المنقوطة : فالكثير المنهمر .

8360 - يدل على ذلك قول الله - عز وجل - " فيهما عينان نضاختان " [ الرحمن : 66 ] .

8361 - وفي هذا الحديث حجة على الكوفيين القائلين : إذا كانوا ثلاثة وأرادوا أن يصلوا جماعة ، قام إمامهم وسطهم ; لحديث رووه عن علقمة ، والأسود أن [ ص: 154 ] ابن مسعود صلى بهما فقام وسطهما .

8362 - وقد ذكرنا في التمهيد من رفع هذا الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح أنه موقوف .

8363 - وقال أهل الحجاز وأكثر أهل العلم : يقومان خلفه كما لو كانوا ثلاثة سوى الإمام ، ولم يختلفوا فيما لو كانوا ثلاثة سوى الإمام أنه يقف أمامهم ويقومون خلفه .

8364 - وكذلك إذا كانوا اثنين سوى الإمام ; بدليل هذا الحديث عن أنس قوله : " فصففت أنا واليتيم من ورائه - صلى الله عليه وسلم - " .

8365 - وقد روينا عن جابر بن عبد الله ، قال صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبجبار بن صخر ، فأقامنا خلفه .

8366 - وزعم الشافعي أن فيه حجة على من أبطل صلاة المصلي خلف الصف وحده ; لأن العجوز قد قامت خلف الصف في هذا الحديث .

8367 - وكان أحمد بن حنبل ، والحميدي ، وأبو ثور ، يذهبون إلى الفرق بين [ ص: 155 ] الرجل والمرأة في المصلي خلف الصف ، فكانوا يرون الإعادة على من صلى خلف الصف وحده من الرجال ; لحديثوابصة بن معبد عن النبي - عليه السلام - بذلك .

8368 - ولا يرون على المرأة إذا صلت خلف الصف شيئا ; لهذا الحديث .

8369 - وقالوا : سنة المرأة أن تقوم خلف الرجال لا تقوم معهم .

8370 - قالوا : فليس في حديث أنس هذا حجة لمن أجاز الصلاة للرجل خلف الصف وحده .

8371 - قال أبو عمر : لا خلاف في أن سنة النساء القيام خلف الرجال ، لا يجوز لهن القيام معهم في الصف .

8372 - وقد ذكرنا في التمهيد حديث شعبة ، عن عبد الله بن المختار ، عن موسى بن أنس ، عن أنس ، قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بي وبامرأة من أهلي ، فأقامني عن يمينه والمرأة خلفنا . [ ص: 156 ] 8373 - وحديث أبي مالك الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصف الرجال ، ثم الصبيان خلف الرجال ، ثم النساء خلف الصبيان في الصلاة .

8374 - وأما الشافعي فقد استدل على جواز صلاة الرجل خلف الصف وحده بحديث أنس هذا ، وأردفه بحديث أبي بكرة حين ركع خلف الصف وحده فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " زادك الله حرصا ولا تعد " ولم يأمره بإعادة الصلاة .

8375 - قال : وقوله لأبي بكرة لا تعد ، يعني لا تعد أن تتأخر عن الصلاة حتى تفوتك أو تفوتك منها ركعة .

8376 - قال : وإذا جاز الركوع للرجل خلف الصف وحده أجزأ ذلك عنه ، فكذلك سائر صلاته ; لأن الركوع ركن من أركانها ، فإذا جاز للمصلي أن يركع خلف الصف وحده ، جاز له أن يسجد وأن يتم صلاته ، والله أعلم .

8377 - وقد احتج جماعة من أصحابنا بما احتج به الشافعي في هذه المسألة .

8378 - والذي أقول : إنه ليس في هذا الباب حجة على من أنكر صلاة [ ص: 157 ] الرجل وحده خلف الصف ; لأن السنة المجتمع عليها أن تقوم المرأة خلف الرجال .

8379 - ولكني أقول : إن الحديث في إبطال صلاة الرجل خلف الصف وحده ، مضطرب الإسناد لا يقوم به حجة .

8380 - وقد اتفق فقهاء الحجاز والعراق على ترك القول به ، منهم : مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم ، ومن سلك سبيلهم ، كلهم يرى أن صلاة الرجل خلف الصف جائزة .

8381 - وفي هذا الحديث أيضا : ما يدل على أن الصبي إذا عقل الصلاة حضرها مع الجماعة ودخل معهم في الصف ، إذا كان يؤمن منه اللعب والأذى ، وكان ممن يفهم معنى ما هو فيه من الصلاة .

8382 - وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان إذا أبصر صبيا في الصف أخرجه .

8383 - وعن زر بن حبيش ، وأبي وائل مثل ذلك .

8384 - وهذا يحتمل أن يكون ذلك الصبي ممن لا يؤمن لعبه وعبثه ، أو يكون كره التقدم له في الصف مع الشيوخ ، والأصل ما ذكرنا بحديث هذا الباب ، والله أعلم .

8385 - وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى كراهة ذلك .

8386 - قال الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يكره أن يقوم مع الناس في المسجد إلا من قد احتلم أو أنبت أو بلغ خمس عشرة سنة ، فذكرت له حديث أنس واليتيم فقال : ذلك في التطوع .

8387 - وفي هذا الحديث صلاة الضحى ; ولذلك ساقه مالك ، وقد مضى [ ص: 158 ] القول في صلاة الضحى في الباب قبل هذا .

8388 - وقد ذكرنا في التمهيد حديث شعبة عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك ، قال : كان رجل ضخم لا يستطيع أن يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام فقال : إني لا أستطيع أن أصلي معك فلو أتيت منزلي فصليت فأقتدي بك ، فصنع الرجل طعاما ثم دعا بالنبي عليه الصلاة والسلام ، ونضح حصيرا لهم ، فصلى النبي عليه ركعتين ، فقال : رجل من آل الجارود لأنس : أكان رسول الله يصلي الضحى ؟ فقال : ما رأيته صلاها إلا يومئذ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث