الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات

قوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم الآية .

أخرج الفريابي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والحاكم وصححه، والبيهقي في "سننه"، عن أبي رافع قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه، فأذن له، فأبطأ، فأخذ رداءه فخرج إليه وهو قائم بالباب، فقال : (قد أذنا لك)، قال : أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو، قال أبو رافع : فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة، ففعلت، وجاء الناس فقالوا : يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : يسألونك ماذا أحل [ ص: 191 ] لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أرسل الرجل كلبه، وذكر اسم الله، فأمسك عليه، فليأكل ما لم يأكل) .

وأخرج ابن جرير ، عن عكرمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب، فقتل حتى بلغ العوالي، فدخل عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن ساعدة، فقالوا : ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت : يسألونك ماذا أحل لهم الآية .

وأخرج ابن جرير ، عن محمد بن كعب القرظي قال : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب قالوا : يا رسول الله، فماذا تحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت : يسألونك ماذا أحل لهم الآية .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير، أن عدي بن حاتم، وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله، [ ص: 192 ] إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل ذريح تصيد البقر، والحمير، والظباء، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا؟ فنزلت : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن عامر، أن عدي بن حاتم الطائي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن صيد الكلاب، فلم يدر ما يقول له، حتى أنزل الله عليه هذه الآية في (المائدة) : تعلمونهن مما علمكم الله .

وأخرج ابن جرير ، عن عروة بن الزبير، عمن حدثه، أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه والذي أحل له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لك فتأكل منه حتى تستغني عنه)، فقال الرجل : وما فقري الذي يحل لي، وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا كنت ترجو نتاجا فتبلغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك، أو كنت ترجو غنى تطلبه فتبلغ من ذلك شيئا، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه)، فقال الأعرابي : ما غناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال [ ص: 193 ] النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا أرويت أهلك غبوقا من الليل فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام، وأما مالك فإنه ميسور كله، ليس فيه حرام) .

وأخرج الطبراني، عن صفوان بن أمية، أن عرفطة بن نهيك التميمي قال : يا رسول الله، إني وأهل بيتي مرزقون من هذا الصيد، ولنا فيه قسم وبركة، وهو مشغلة عن ذكر الله، وعن الصلاة في جماعة، وبنا إليه حاجة، أفتحله أم تحرمه؟ قال : (أحله لأن الله قد أحله، نعم العمل، والله أولى بالعذر، قد كانت قبلي لله رسل كلهم يصطادون، أو يطلب الصيد، ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت عنها في طلب الرزق، حبك الجماعة وأهلها، وحبك ذكر الله وأهله، وابتغ على نفسك وعيالك حلالا، فإن ذلك جهاد في سبيل الله، واعلم أن عون الله في صالح التجار) .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في "سننه"، عن ابن عباس في قوله : وما علمتم من الجوارح مكلبين قال : هي الكلاب المعلمة، والبازي يعلم الصيد، والجوارح يعني : الكلاب، والفهود، والصقور، وأشباهها، والمكلبين : الضواري، فكلوا مما أمسكن عليكم يقول : كلوا [ ص: 194 ] مما قتلن، فإن قتل وأكل فلا تأكل، واذكروا اسم الله عليه يقول : إذا أرسلت جوارحك فقل : بسم الله، وإن نسيت فلا حرج .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن مجاهد في قوله : من الجوارح مكلبين قال : الطير، والكلاب .

وأخرج عبد بن حميد ، عن قتادة في قوله : من الجوارح مكلبين قال : يكالبن الصيد، فكلوا مما أمسكن عليكم قال : إذا أرسلت كلبك، أو طائرك، أو سهمك، فذكرت اسم الله فأمسك أو قتل، فكل .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في المسلم يأخذ كلب المجوسي المعلم، أو بازه، أو صقره، أو عقابه، مما علمه المجوسي فيرسله، فيأخذه، قال : لا تأكله، وإن سميت، لأنه من تعليم المجوسي، وإنما قال : تعلمونهن مما علمكم الله .

وأخرج ابن جرير ، عن الحسن في قوله : وما علمتم من الجوارح قال : كل ما علم فصاد، من كلب، أو فهد، أو غيره .

وأخرج ابن جرير ، عن السدي في قوله : تعلمونهن مما علمكم الله قال : تعلمونهن من الطلب كما علمكم الله .

[ ص: 195 ] وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس قال : آية المعلم من الكلاب أن يمسك صيده فلا يأكل منه حتى يأتيه صاحبه .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس قال : إذا أكل الكلب فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه .

وأخرج ابن جرير ، عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي، فقال : (ما أمسك عليك فكل) .

وأخرج البخاري، ومسلم ، عن عدي بن حاتم قال، قلت : يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة، وأذكر اسم الله، فقال : (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك)، قلت : وإن قتلن؟ قال : (وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره) .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عدي بن حاتم، قال : قلت : يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ قال : (يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه)، ثم قال : (ما أرسلت من كلب، وذكرت اسم الله عليه، فكل ما [ ص: 196 ] أمسك عليك)، قلت : وإن قتل؟ قال : (وإن قتل، ما لم يأكل)، قلت : يا رسول الله، وإن خالطت كلابنا كلاب غيرها؟ قال : (فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك عليك)، قلت : إنا قوم نرمي، فما يحل لنا؟ قال : (ما ذكرت اسم الله، وخزقت فكل) .

وأخرج عبد بن حميد ، عن علي بن الحكم، أن نافع بن الأزرق ، سأل ابن عباس فقال : أرأيت إذا أرسلت كلبي وسميت، فقتل الصيد، آكله؟ قال : نعم، قال نافع : يقول الله : إلا ما ذكيتم تقول أنت : وإن قتل، قال : ويحك يا ابن الأزرق، أرأيت لو أمسك علي سنور، فأدركت ذكاته، أكان يكون علي بأس؟ والله إني لأعلم في أي الكلاب نزلت، نزلت في كلاب بني نبهان من طيئ، ويحك يا ابن الأزرق، ليكونن لك نبأ .

وأخرج عبد بن حميد ، عن مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما أمسك عليك كلبك الذي ليس بمكلب فأدركت ذكاته فكل، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل) .

وأخرج عبد بن حميد ، عن ابن عباس ، قال : إذا أكل الكلب فلا [ ص: 197 ] تأكل، وإذا أكل الصقر فكل، لأن الكلب تستطيع أن تضربه، والصقر لا تستطيع .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عروة ، أنه سئل عن الغراب، أمن الطيبات هو؟ قال : من أين يكون من الطيبات وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا؟!

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث