الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أصل عقيدة الشيعة تضليل الصحابة

أصل عقيدة الشيعة تضليل الصحابة

وذكر البيهقي عن أبي حنيفة -رضي الله عنه-: أنه قال: أصل عقيدة الشيعة تضليل الصحابة. والروافض قائلون بتكفيرهم، قالوا: كفر كلهم إلا أشخاصا عديدة.

قال أبو بكر الباقلاني: وفيما ذهب إليه الرافضة إبطال لدين الإسلام بتمامه؛ لأنه لما وقع منهم، وصدر عنهم كتمان النصوص، ووقع الظلم والافتراء والكذب في أول أحكام الإسلام، بالغرض النفساني، فسائر ما روي عن هؤلاء من الأحاديث والأخبار يكون زورا وباطلا، بل هذه المنقصة ترجع إلى رسول الأمة ونبي الرحمة؛ لصيرورتهم كذلك في صحبتهم -صلى الله عليه وسلم- بل إلى علي أيضا؛ لأنه تهاون وقصر في طلب الحق وتأييده، وجبن في تحصيله. هذا كلام الشيخ ابن حجر في «صواعقه»، وهو طويل، وفيما ذكرناه كفاية. انتهى كلام الترجمة.

وأقول: مرادنا من إيراد هذا الحديث وأمثاله هاهنا: بيان فضيلة علي، لا الرد على الروافض والخوارج؛ فإن له محلا آخر، وهذا المراد حصل من هذا الخبر على أحسن الأسلوب، ولله الحمد.

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان عند النبي -صلى الله عليه وسلم- طير، فقال: «اللهم [ ص: 429 ] ائتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي هذا الطير»، فجاء علي، فأكل معه . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.

قال ابن الجوزي : موضوع، وقال الحاكم : ليس بموضوع. قال في «الترجمة»: يدل هذا الحديث على أن المرتضى أحب الخلق إلى الله، والشراح خصصوه وقيدوه بأشياء، فقالوا: المراد بخلق الله: الأمة، أو بنو أعمامه، أو قرابته القريبة، أو الأولى والأقرب والأحق بالإحسان إليه. والغالب أن هذه التخصيصات إنما جاؤوا بها؛ لئلا يلزم أحبيته على أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق -رضي الله عنهما- ولا حاجة -في الحقيقة- إليهما؛ لأن من المعلوم يقينا: أنه ليس تمام الخلق على العموم مرادا بذلك. فإن الأحب المطلق، هو سيد المحبوبين، وأفضل المخلوقين -صلى الله عليه وسلم- فإن خصص بعض الصحابة بالأحبية، ببعض الوجوه والحيثيات، فلا مضايقة فيه. والأفضلية من جهة كثرة الثواب لا تنافيه؛ لأنه ليس المراد به: الأحبية من جميع الوجوه والجهات كما قال بهذا بعض العلماء في مسألة الأفضلية والأحبية، والمقام وسيع، ولا حاجة إلى هذا التضييق، فافهم، وبالله التوفيق. انتهى كلام الترجمة.

قلت: وقد يأتي «أفعل» ولا يراد به التفضيل، بل معنى الفاعلية أو المفعولية فقط، في «أحب» هنا، يحتمل أن يكون بمعنى المحبوب كما في «أولى» و «مولى». وقد استدل بهذا الخبر أيضا سفهاء الشيعة على تنصيص الخلافة له -رضي الله عنه- وما أبعد هذا الاستدلال من موضع النزاع، وما أجهل من احتج به!

ومن العجائب: أنه ليس في الدنيا قوم ولا مذهب أسفه في دينه من الهنود والروافض. [ ص: 430 ] فهم سفهاء الأحلام، نسوان الأمة في الأنام، لا عقل لهم ولا دين، ولا فهم لهم ولا لب على اليقين. وأطال بعضهم في الكلام على هذا الحديث سندا ومتنا واحتجاجا، بما لا طائل تحته، ولا حاجة إليه، بل هو من فضول الأبحاث، سواء صح سنده أم لا؛ فإن الخلافة الراشدة والإمامة العظمى في الدين، ليست بشيء يثبت بخبر الطيور، أو ليتمسك به الجمهور من العلماء العارفين بكيفية الاحتجاج بالأدلة. ومن أعمى الله بصر بصيرته في الدنيا، فهو أعمى في الآخرة، ومن تطير، فقد أشرك. نعم، الحديث له دلالة واضحة على كمال قربه وحبه -صلى الله عليه وسلم- لعلي -عليه السلام- وهو كذلك، والله أعلم بما هنالك.

وعن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أنا دار الحكمة، وعلي بابها». قال في «المرقاة»: أي باب من أبوابها، ولكن التخصيص يفيد نوعا من التعظيم، وهو كذلك؛ لأنه بالنسبة إلى بعض الصحابة أعظمهم وأعلمهم. ومما يدل على أن جميع الأصحاب بمنزلة الأبواب: قوله -صلى الله عليه وسلم-: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». انتهى.

قلت: حديث «النجوم» ضعيف جدا، ولم يصح عند أهل التحقيق، وكذلك حديث الباب هذا، فيه كلام وسيع.

قال في «الترجمة»: لا شك أن العلم من النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء من جهة الصحابة الآخرين أيضا، وليس بمخصوص بالمرتضى، فيكون لتخصيصه هنا وجه خاص، وهو أنه أوسعهم علما، كما قال: « أقضاكم علي » رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وقال: روى بعضهم هذا الحديث عن شريك، ولم يذكروا فيه عن الصنابحي، ولا نعرف هذا الحديث عن أحد من الثقات.

قال في الترجمة: أصل هذا الخبر من أبي الصلت، عبد السلام بن الصلاح الهروي الشيعي، ولكن هو صدوق، لا يقصر في تعظيم الأصحاب. انتهى.

[ ص: 431 ] قلت: ليس فيه -على فرض صحة سنده وثبوته- نفي العلم عن غير علي -عليه السلام- حتى يحتاج له إلى التأويل والتوجيه. غايته: أن الباب من الوسائل، والدار من المقاصد. والمراد بالحكمة، إن كان السنة المطهرة، فالمراد بكونه -رضي الله عنه- بابها: أنه كان باب العمل بالحديث، وقد اشتركه في ذلك سائر الخلفاء الراشدين. وإن كان المراد أعم منها، ففيه إشارة إلى أنه حكيم هذه الشريعة. والدار، قد تكون لها أبواب، فـ «علي» واحد منها، وسائر الأصحاب أيضا أبواب لهذه الدار. ويشهد لذلك مجيء العلم الكثير عن غيره من الصحابة، هذه مسانيدهم، ومعاجمهم، وجوامعهم في علم الحديث، تدل على هذا، دلالة أوضح من شمس النهار، والحديث خبر لا حصر. وإنما خصه -عليه السلام- بهذا اللفظ؛ لقرب قرابته، وكونه ابن عمه، ومن أهل داره، وعترة بيته. والله أعلم.

وعن [أم] عطية قالت: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيشا، فيهم علي، قالت: فسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو رافع يديه يقول: «اللهم لا تمتني حتى تريني عليا رواه الترمذي .

قال في «اللمعات»: لعله كان في آخر عمره -صلى الله عليه وسلم- حيث كمل الدين، وإلا فكان بقاؤه -صلى الله عليه وسلم- إلى كمال الدين حتما مقضيا، أو كان قبل أن يوحى إليه ذلك، أو كان مكث علي -رضي الله عنه- إلى مدة عمره صلى الله لعيه وسلم- محتملا، وذلك بعيد. وفيه: الدعاء ممن غاب حبيبه بالرجوع سالما. انتهى.

[ ص: 432 ] وزاد في «الترجمة»: فيه دلالة على غلبة محبته -صلى الله عليه وسلم- لعلي -عليه السلام- والتألم بفراقه -رضي الله عنه-. انتهى.

قلت: وفيه دلالة على جواز الدعاء لنفسه بعدم الموت إلى أجل قريب .

وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى الله عليه وسلم: « من سب عليا، فقد سبني » رواه أحمد .

قال بعض أهل العلم: وذلك لما بينهما من نسبة القرابة، ما لم يكن بين أحد من الصحابة. زاد في «الترجمة»: لما يلزم من سبه سبي. انتهى.

قلت: وفيه دلالة على أن سب علي كفر؛ لأنه إذا صار سبه كسب النبي -صلى الله عليه وسلم- وسب النبي -صلى الله عليه وسلم- كفر، فسب علي يكون كفرا، وفي هذا من الفضيلة ما لا يقادر قدره.

قطع الله دابر الخوارج، فقد خالفوا هذه السنة، وسبوه بما لم يكن أهله قط، وكذلك نال منه بنو أمية، حتى جاء عمر بن عبد العزيز، فنهاهم عن ذلك، وكان -رحمه الله تعالى- من أفاضل خلفاء بني أمية في عهده.

وعن علي -كرم الله وجهه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « فيك مثل من عيسى، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وقالوا فيها ما لم يكن بحق »، وهي نسبتها -عليها السلام- إلى الزنا، ونعوذ بالله منه، « وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له »، وقالوا: إنه ابن الله، وهذا غاية الكفر، ثم قال: يهلك في رجلان: محب مفرط، يقرظني بما ليس في؛ أي: يمدحني. والتقريظ: مدح الحي، ووصفه. وفي «القاموس» موافقا لـ «الصحاح»: التقريظ: مدح الإنسان وهو حي، بحق أو باطل. ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني. لم يقل هنا: مفرط؛ لأن البغض بأصله ممنوع، بخلاف أصل الحب؛ فإنه ممدوح، والشنآن -بالمد-: العداوة، وقيل: شدة البغض. رواه أحمد .

[ ص: 433 ] قال في الترجمة: علم من هنا أن المحبة المحمودة: هي التي لا يتجاوز صاحبها الحد، وتكون وفق قاعدة الشرع والعقل. وإذا أفرط فيها، جرت إلى الضلال، وأخرجت عن الطريق المستقيم العدل، وعزت إلى الضلالة.

قال: والمتصف بهذه الصفة أهل السنة والجماعة، المحفوظون عن الإفراط والتفريط، لا سيما من لم تقع على وجوههم بؤغاء التعصب؛ أي: غباره، وسلكوا الطريق الوسط. وبالجملة: فمتاع السعادة ونجاح النجاح أمران:

1 - محبة أهل البيت.

2 - وتعظيم الأصحاب.

ينبغي أن يسعى في جمعهما، ويعتدل في اختيارهما، رزقنا الله. انتهى.

قلت: مصداق من أبغضه في هذه الأمة: فرقة الخوارج والنواصب، ففيهم شبه اليهود، وقد مرقوا من الدين، كما مرق اليهود من العمل بدينهم. ومصداق من أحبه بالإفراط: طائفة الرافضة، ففيهم شبه النصارى، لا سيما «النصيرية» منهم، فإنهم يقولون بألوهيته -رضي الله عنه- كما قالت النصارى: إن المسيح ولد الله. فهاتان الفرقتان هالكتان، بنص هذا الخبر والأثر. وبقي أهل السنة والجماعة، وهم عن هذين الطرفين بمعزل، وهم يحبونه ولا يبغضونه، وحبهم إياه علاوة بين العدلين، ووجود بين القدمين، ولله الحمد.

وعنه -رضي الله عنه- قال: قيل: يا رسول الله! من نؤمر من بعدك؛ أي: نجعله أميرا علينا؟ قال: «إن تؤمروا أبا بكر، تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة فيه فضيلة الصديق، واتصافه بهذه الأوصاف على لسان محمد -صلى الله عليه وسلم-، [ ص: 434 ] « وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا، لا يخاف في الله لومة لائم »، ففيه فضيلة الفاروق، ووصفه بالشدة والصلابة في دين الله، وهذا من أعظم الفضائل. وفيه إشارة إلى أن هذين يتأهلان للإمارة بعدي، بل صراحة بذلك؛ فالحديث يرد على من لا يراهما أهلا بما هنالك، وهم الشيعة الشنيعة، على اختلاف أصنافهم.

« وإن تؤمروا عليا -ولا أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديا، يأخذ بكم الصراط المستقيم ». فيه: أن عليا أهل للإمارة، ومتصف بهذه الصفات العلية، كأن كل واحد من هؤلاء الثلاثة يستحق للخلافة الراشدة، وليس فيه نص على خلافة أحد، بل فوض الأمر إليهم، وثبت ذلك بالإجماع من المهاجرين والأنصار، وأخبر أنهم لا يجعلونه أميرا بعد عمر -رضي الله عنه- حتى يأتي زمن خلافته المقدرة في علم الله. فهذا الحديث علم من أعلام النبوة، حيث وقع كما أخبر، وكان كما قال. ولم يذكر في الحديث عثمان، فقيل: ذكره -صلى الله عليه وسلم- ونسيه الراوي. وفيه: إشارة إلى أنه المتقدم على علي، وأن عليا يتأخر عنهم.

قال في «الترجمة»: في الحديث دليل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينص على الخلافة لأحد، ولم يعين أحدا، والظاهر أن المراد بالأمير بعده -صلى الله عليه وسلم- بلا واسطة. انتهى.

قلت: وسياق الكلام يدل على الترتيب في الجملة؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- ذكر أبا بكر، ثم ذكر عمر، ثم ذكر عليا، ولم يذكر عثمان . فلهذا قال بعض أهل العلم بتقديم علي على عثمان، ولكن المختار هو ترتيب الخلافة الواقع في الخارج، وهو الراجح؛ لأن ما شاء الله وأراد، كان، وما لم يشأ، ولم يرد، لم يكن.

وعنه -كرم الله وجهه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «رحم الله أبا بكر، زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وصحبني في الغار، وأعتق بلالا من ماله»، وتركه في خدمتي .

[ ص: 435 ] فيه بيان فضائل الصديق -رضي الله عنه-: فضيلة هذه الأعمال الصادرة منه في سبيل الله وسبيل رسوله، وذكر الغار، وذكر ابنته في القرآن. فمن أنكر فضله، فقد أنكر القرآن، وكذب الرحمن، ويا لذلك من شناعة وطغيان!

« رحم الله عمر يقول الحق، وإن كان مرا » فيه فضل قول الحق، وإن جاء في مذاق الناس مرا. وفي حديث آخر: « قل الحق وإن كان مرا ».

« تركه الحق، وماله من صديق »؛ أي: صيره قول الحق بهذه الحالة، وهي أنه لا صديق له ولا حميم، اكتفاء برضا الله ورسوله. رحم الله عثمان، تستحي منه الملائكة » فيه دلالة على أن الحياء فضيلة عظيمة .

وفي حديث آخر: « الحياء شعبة من الإيمان »، وفي آخر: « الحياء خير كله ».

« رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار »، ونحوه حديث آخر رواه السيوطي في «جمع الجوامع»: « القرآن مع علي، وعلي مع القرآن » رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.

قلت: وفي الحديث ترتيب الذكر، وهو يدل - بفحوى الخطاب - على ترتيب الخلافة. وفيه فضيلة علي -عليه السلام- وأي فضيلة، وهي كون الحق والقرآن معه، وكونه معهما. ولا شك أنه -رضي الله عنه- كان كذلك في عهد خلافته، وكان المخالفون له على [الباطل]، وهم: الخارجة، والمارقة، والناكسة. وله -كرم الله وجهه- مناقب كثيرة، وفضائل غزيرة لا يحصيها المقام.

وللسيد العلامة محمد بن إسماعيل بن الصلاح الأمير اليماني -رحمه الله- قصيدة بليغة في مناقبه لها خمسة وخمسون بيتا، ذيلها ولده - رحمه الله بسبعة [ ص: 436 ] عشر بيتا، فكان الجملة من الأصل والذيل، اثنين وسبعين بيتا، ثم شرحه السيد في مجلد لطيف، سماه: «الروضة الندية في شرح الأبيات الموسومة بالتحفة العلوية»، وقد وقفت على هذا الشرح، ووجدته أنه اعتمد فيه على «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى». ولأبي جعفر أحمد بن عبد الله الطبري، و «جمع الجوامع» للسيوطي، وربما نقل من غيرهما من كتب الحديث، ونقل شيئا يسيرا من «محاسن الأزهار» للفقيه الشهيد حميد بن أحمد المحلي -رحمه الله-. وحيث إن المآخذ لا تخلو عن ضعاف، اشتمل هذا الشرح على رطب ويابس، وسبب ذلك: أن الناس تساهلوا في باب الفضائل، فأخذوها حيث وجدوها. ومسلك أهل التحقيق أن الحكم بفضيلة أحد حكم شرعي، وأحكام الشرع الشريف متساوية الأقدام، فلا وجه للتمسك بالضعاف فيها، بل لا بد أن يكون الخبر صحيحا لذاته أو لغيره، وكذا الحسن، لا يحتج بالضعيف إلا على طريق الشهادة والمتابعة إذا كان موافقا لهما.

وكذلك ألف معتمد خان البدخشي كتابا في مناقب أهل البيت، ذكر فيه عليا وغيره، وجمع فيه روايات من كل صنف، وسماه: «نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار»، وقفت عليه أيضا، وهما عندي في خزانة الكتب، وما أحقهما بأن يجردا عن الضعاف وما في معناها، ويقتصر فيهما على الروايات الصحيحة اللائقة بالاحتجاج!! وهي أيضا على قدر الكفاية، فأي حاجة معها إلى ما لا يبلغ مداها؟ والصباح يغني عن المصباح، والحق أبلج والباطل لجلج؟

[ ص: 437 ] إنما دخل الفساد وسوء الاعتقاد في الأمة، من طرق هذه الأخبار المختلقة، والآثار المفتعلة، جاء بها قوم سوء من الروافض وأهل البدع، وأشاعوها في الناس الجهلة، والعامة الذين لا تمييز لهم أصلا بين الصحيح والسقيم، والحسن والقبيح، وذكر بها الوعاظ الجاهلون، فصارت بعد زمان كأنها الدين والعقيدة، ودسوا موضوعات كثيرة فيها، فعاد الإسلام وأهله غريبا وغرباء. ولولا عصابة المحدثين، لقال من شاء ما شاء، ولكن الله حافظ دينه، ورقيب أمره، صان الدين عن انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، بإظهار جماعة السنة، وظهور المحدثين على فرق المبتدعين.

قال في «الترجمة»: مناقبه -رضي الله عنه- خارجة عن هذا الحصر والإحصاء، وهي مذكورة في كتب الحديث زيادة على ما لغيره من الصحابة -رضي الله عنهم- وتطرق إلى بعضها الوضع أيضا.

قال الشيخ مجد الدين الشيرازي : وضعوا في مناقبه أحاديث لا يأتي عليها الحصر، كما قال في الصديق -رضي الله عنه- أنهم وضعوا في مناقبه أحاديث كثيرة، علم بطلانها ببداهة العقل. ثم قال هنا: ومن أفضح الأحاديث ما جمع في كتاب يسمى بالوصايا، وفي أول كل حديث منها لفظ: «يا علي »، ولم يثبت منها حديث غير هذا الحديث الواحد: « يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى ». انتهى.

وبالجملة: فلا ريب في وقوع الأحاديث من الطرفين على جهة التعصب والغلو، الحاصلين بينهما، وتطرق حكم الوضع إليها من الجانبين على جهة التعصب والمكابرة، والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى حاصل الترجمة.

[ ص: 438 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث