الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 604 ] باب الفطر والصوم في السفر )

حدثنا الربيع قال ( قال الشافعي ) قال الله - جل ثناؤه - في فرض الصوم { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } فكان بينا في الآية أنه فرض عليهم عدة فجعل لهم أن يفطروا فيها مرضى ومسافرين ويحصوا حتى يكملوا العدة وأخبر أنه أراد بهم اليسر ( قال الشافعي ) وكان قول الله : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } يحتمل معنيين أحدهما : أن لا يجعل عليهم صوم شهر رمضان مرضى ولا مسافرين ويجعل عليهم عددا إذا مضى المرض والسفر من أيام أخر ويحتمل أن يكون إنما أمرهم بالفطر في هاتين الحالتين على الرخصة إن شاءوا لئلا يحرجوا إن فعلوا وكان فرض الصوم والأمر بالفطر في المرض والسفر في آية واحدة ولم أعلم مخالفا أن كل آية إنما أنزلت متتابعة لا متفرقة .

وقد تنزل الآيتان في السورة مفترقتين فأما آية فلا ; لأن معنى الآية أنها كلام واحد غير منقطع يستأنف بعده غيره فلم يختلفوا كما وصفت أن آية لم تنزل إلا معا لا مفترقة فدلت سنة رسول الله على أن أمر الله المريض والمسافر بالفطر إرخاصا لهما لئلا يحرجا إن فعلا لأنهما يجزيهما أن يصوما في تينك الحالين شهر رمضان لأن الفطر في السفر لو كان غير رخصة لمن أراد الفطر فيه لم يصم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حدثنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن { رسول الله خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فأفطر الناس معه } وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا الشافعي قال أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الرحمن أن عبد الله بن سعد بن معاذ قال : قال جابر بن عبد الله { كنا مع رسول الله زمان غزوة تبوك ورسول الله يسير بعد أن أضحى إذا هو بجماعة في ظل شجرة فقال من هذه الجماعة ؟ قالوا رجل صائم أجهده الصوم أو كلمة نحو هذه فقال رسول الله : ليس من البر أن تصوموا في السفر } أخبرنا سفيان عن الزهري عن صفوان بن عبد الله عن أم الدرداء عن كعب بن عاصم الأشعري أن رسول الله قال للصائم في السفر : { ليس من البر أن تصوموا في السفر } أخبرنا مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله أن { النبي أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر ، وقال تقووا للعدو وصام النبي } قال أبو بكر قال الذي حدثني { لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب فوق رأسه الماء من العطش أو من الحر فقيل : يا رسول الله إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت فلما كان رسول الله بالكديد دعا بقدح فشرب فأفطر الناس } .

أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فقيل له : يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعضهم فبلغه أن ناسا صاموا ، فقال : أولئك العصاة } .

وفي حديث الثقة غير الدراوردي عن جعفر عن أبيه عن جابر { فخرج رسول الله عام الفتح في رمضان إلى مكة فصام وأمر الناس أن يفطروا ، وقال : تقووا بعددكم على عدوكم فقيل له : إن الناس أبوا أن يفطروا حين صمت فدعا بقدح من ماء فشربه ثم ساق الحديث } أخبرنا الشافعي قال أخبرنا الثقة عن حميد عن أنس بن مالك [ ص: 605 ] قال { سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم } .

أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن { حمزة بن عمرو الأسلمي قال يا رسول الله أصوم في السفر ؟ وكان كثير الصيام فقال رسول الله : إن شئت فصم وإن شئت فأفطر } ( قال الشافعي ) رحمه الله فقال قائل من أهل الحديث ما تقول في صوم شهر رمضان والواجب غيره والتطوع في السفر والمرض ؟ قلت : أحب صوم شهر رمضان في السفر والمرض إن لم يكن يجهد المريض ويزيد من مرضه والمسافر فيخاف منه المرض فلهما معا الرخصة فيه قال : فما تقول في قصر الصلاة في السفر وإتمامها ؟ فقلت قصرها في السفر والخوف رخصة في الكتاب والسنة وقصرها في السفر بلا خوف رخصة في السنة اختارها ، وللمسافر إتمامها فقال : أما قصر الصلاة فبين أن الله إنما جعله رخصة لقول الله : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فلما كان إنما جعل لهم أن يقصروا خائفين مسافرين فهم إذا قصروا مسافرين بما ذكرت من السنة أولى أن يكون القصر رخصا لا حتما أن يقصروا لأن قول الله { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } رخصة بينة .

وظاهر الآية في صوم أن الفطر في المرض والسفر عزم ; لقول الله : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } كيف لم تذهب إلى أن الفطر عزم وأنه لا يجزي شهر رمضان من صام مريضا أو مسافرا مع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم { ليس من البر الصيام في السفر } ومع أن الآخر من أمر رسول الله ترك الصوم ، وأن عمرا أمر رجلا صام في السفر أن يقضي الصيام قال فحكيت له قلت في قول الله { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } أنها آية واحدة وأن ليس من أهل العلم بالقرآن أحد يخالف في أن الآية الواحدة كلام واحد وأن الكلام الواحد لا ينزل إلا مجتمعا وإن نزلت الآيتان في السورة مفترقتين لأن معنى الآية معنى قطع الكلام ، قال : أجل قلت فإذا صام رسول الله في شهر رمضان وفرض شهر رمضان إنما أنزل في الآية أليس قد علمنا أن الآية بفطر المريض والمسافر رخصة ؟ قال : بلى فقلت له ولم يبق شيء يعرض في نفسك إلا الأحاديث ؟ قال : نعم ولكن الآخر من أمر رسول الله أليس الفطر ؟ قال : فقلت له : الحديث يبين أن رسول الله لم يفطر لمعنى نسخ الصوم ولا اختيار الفطر على الصوم ألا ترى أنه يأمر الناس بالفطر ، ويقول { تقووا لعدوكم } ويصوم ثم يخبر بأنهم أو أن بعضهم أبى أن يفطر إذ صام فأفطر ليفطر من تخلف عن الفطر لصومه بفطره كما صنع عام الحديبية فإنه { أمر الناس أن ينحروا ويحلقوا فأبوا فانطلق فنحر وحلق ففعلوا } قال : فما قوله { ليس من البر الصيام في السفر } ؟ قلت : قد أتى به جابر مفسرا فذكر أن { رجلا أجهده الصوم فلما علم النبي به قال : ليس من البر الصيام في السفر } فاحتمل ليس من البر أن يبلغ هذا رجل بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة وقد أرخص الله له وهو صحيح أن يفطر فليس من البر أن يبلغ هذا بنفسه ويحتمل ليس من البر المفروض الذي من خالفه ثم قال فكعب بن عاصم لم يقل هذا قلت : كعب روى حرفا واحدا وجابر ساق الحديث ، وفي صوم النبي دلالة على ما وصفت وكذلك في أمر حمزة بن عمرو : { إن شاء صام وإن شاء أفطر } وفي قول أنس : { سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم } قال فقد روى سعيد أن النبي قال : { خياركم الذين إذا سافروا أفطروا وقصروا الصلاة } .

قلت وهذا مثل ما وصفت خياركم الذين يقبلون الرخصة لا يدعونها رغبة عنها لا أن قبول الرخصة حتم يأثم به من تركه ، قال فما أمر عمر رجلا صام في السفر أن يعيد قلت : لا أعرفه عنه ، وإن عرفته فالحجة ثابتة بما وصفت لك وأوصل ما نذهب إليه أن ما ثبت عن رسول الله فالحجة لازمة للخلق به وعلى الخلق اتباعه وقلت له من أمر المسافر أن يقضي الصوم فمذهبه والله أعلم أنه رأى الآية حتما بفطر المسافر والمريض ومن رآها حتما قال المسافر منهي عن [ ص: 606 ] الصوم فإذا صامه كان صيامه منهيا عنه فيعيده كما لو صام يوم العيدين من وجب عليه كفارة وغيرها أعادهما فقد أبنا دلالة السنة أن الآية رخصة لا حتم قال فما قول ابن عباس يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ؟ فقلت روي أنه صام وأفطر فقال ابن عباس أو من روى عن ابن عباس هذا برأيه وجاء غيره في الحديث بما لم يأت به من أن فطره كان لامتناع من أمره بالفطر من الفطر حتى أفطر وجاء غيره بما وصفت في حمزة بن عمرو وهذا مما وصفت أن الرجل يسمع الشيء فيتناوله ولا يسمع غيره ولا يمتنع من علم الأمرين أن يقول بهما معا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث