الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( باب الماء من الماء )

حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي قال أخبرنا غير واحد من ثقات أهل العلم عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي أيوب عن أبي بن كعب قال { قلت : يا رسول الله إذا جامع أحدنا فأكسل ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ليغسل ما مس المرأة منه وليتوضأ ثم ليصل } ( قال الشافعي ) وهذا من أثبت إسناد الماء من الماء أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين فقال لقد شق علي اختلاف أصحاب محمد في أمر إني لأعظم أن أستقبلك به ، فقالت : ما هو ؟ ما كنت سائلا عنه أمك فسلني عنه فقال لها : الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل فقالت : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ، فقال أبو موسى [ ص: 607 ] لا أسأل عن هذا أحدا بعدك أبدا .

حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي قال أخبرني إبراهيم بن محمد عن محمد بن يحيى بن زيد بن ثابت عن خارجة بن زيد عن أبيه عن أبي بن كعب أنه كان يقول : ليس على من لم ينزل غسل ثم نزع عن ذلك أي قبل أن يموت .

( قال الشافعي ) : وإنما بدأت بحديث أبي في قوله { الماء من الماء } ونزوعه أن فيه دلالة على أنه سمع { الماء من الماء } عن النبي ولم يسمع خلافه ، فقال به ثم لا أحسبه تركه إلا لأنه ثبت له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعده ما نسخه .

أخبرنا الثقة عن يونس عن الزهري عن سهل بن سعد الساعدي قال بعضهم عن أبي بن كعب ووقفه بعضهم على سهل بن سعد قال كان الماء من الماء في أول الإسلام ثم ترك ذلك بعد وأمروا بالغسل إذا مس الختان الختان .

أخبرنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب أن أبا موسى سأل عائشة عن التقاء الختانين فقالت عائشة : قال النبي صلى الله عليه وسلم { إذا التقى الختانان أو مس الختان الختان فقد وجب الغسل } . أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا قعد بين الشعب الأربع ثم ألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل } . أخبرنا الثقة عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أو عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن { عائشة قالت إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا } ، وحديث { الماء من الماء } ثابت الإسناد وهو عندنا منسوخ بما حكيت فيجب الغسل من الماء ويجب إذا غيب الرجل ذكره في فرج المرأة حتى يواري حشفته .

( باب الخلاف في أن الغسل لا يجب إلا بخروج الماء )

حدثنا الربيع قال ( قال الشافعي ) فخالفنا بعض أصحاب الحديث من أهل ناحيتنا وغيرهم فقالوا لا يجب على الرجل إذا بلغ من امرأته ما شاء الغسل حتى يأتي منه الماء الدافق واحتج فيه بحديث أبي بن كعب وغيره مما يوافقه ، وقال : أما { قول عائشة فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا } فقد يكون تطوعا منهما بالغسل ولم تقل إن النبي عليه السلام قال عليه الغسل ( قال الشافعي ) : فقلت له الأغلب أن عائشة لا تقول إذا مس الختان الختان أو جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل وتقول : فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا إلا خبرا عن رسول الله بوجوب الغسل منه قال فيحتمل أن تكون لما رأت النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل اغتسلت ورأته واجبا ولم تسمع من النبي صلى الله عليه وسلم إيجابه فقلت : نعم ، قال فليس هذا خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقلت الأغلب أنه خبر عنه قال ، وأما حديث علي بن زيد فليس مما يثبته أهل الحديث وهو لا تقوم به الحجة فقلت له : فإن أبي بن كعب قد رجع عن قوله : الماء من الماء بعد قوله له عمرا من عمره وهو يشبه أن لا يكون رجع إلا بخبر يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن هذا لأقوى فيه من غيره وما هو بالبين وقلت له ما أعلم عندنا من جهة الحديث شيئا أكبر من هذا قال فمن جهة غير الحديث فقلت نعم قال الله - جل ثناؤه - { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } إلى قوله { حتى تغتسلوا } فكان الذي يعرفه من خوطب بالجنابة من العرب أنها الجماع دون الإنزال ولم تختلف العامة أن الزنا الذي يجب به الحد الجماع دون الإنزال وأن من غابت حشفته في فرج امرأة وجب عليه الحد .

وكان الذي يشبه أن الحد لا يجب إلا على من أجنب من حرام وقلت له : قد يحتمل أن يقال حديث أبي إذا جامع أحدنا فأكسل أن ينزل أن يقول إذا صار إلى الجماع ولم يغيب حشفته فأكسل فلا يكون حديث الغسل { إذا التقى الختانان } مخالفا له قال : أفتقول بهذا ؟ فقلت إن الأغلب أنه إذا بلغ أن يلتقي الختانان ولم ينزل وكذلك ، والله أعلم الأغلب من { قول عائشة فعلته أنا والنبي صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا } على [ ص: 608 ] إيجاب الغسل لأنها توجب الغسل إذا التقى الختانان قال فماذا التقاء الختانين ؟ قلت إذا صار الختان حذو الختان وإن لم يتماسا قال فيقال لهذا التقاء ؟ قلت نعم أرأيت إذا قيل التقى الفارسان أليس إنما يعني إذا تواقفا فصار أحدهما وجاء الآخر أو اختلفت دوابهما فصار أحد الرجلين وجاء صاحبه ، ويقال إذا جاوز بدن أحدهما بدن صاحبه قد خلف الفارس ؟ قال : بلى قلت ، ويقال إذا تماسا التقيا لأنه أقرب اللقاء وبعض اللقاء أقرب من بعض قال : إن الناس ليقولونه قلت وهذا كله صحيح جائز في لسان العرب فإنما يراد بهذا أن تغيب الحشفة في الفرج حتى يصير الختان الذي خلف الحشفة حذو ختان المرأة وإنما يجهل هذا من جهل لسان العرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث