الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب المجمل والمفسر

حدثنا الربيع قال : ( قال الشافعي ) قال الله - عز وجل - { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } الآية وقال الله - جل ثناؤه - { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }

أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي قال { لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله } حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي قال أخبرنا الثقة عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر فيمن منع الصدقة أليس قد قال رسول الله : { لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ؟ } فقال أبو بكر هذا من حقها يعني [ ص: 621 ] منعهم الصدقة وقال الله { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } الآية .

أخبرنا الثقة عن محمد بن أبان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشا أمر عليهم أميرا وقال فإذا لقيت عدوا من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال أو ثلاث خصال شك علقمة ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم وادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم إن هم فعلوا أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما عليهم فإن اختاروا المقام في دارهم فأخبرهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله كما يجري على المسلمين وليس لهم في الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن لم يجيبوك إلى الإسلام فادعهم إلى أن يعطوا الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم ودعهم وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم } .

( قال الشافعي ) وليست واحدة من الآيتين ناسخة للأخرى ولا واحد من الحديثين ناسخا للآخر ولا مخالفا له ولكن أحد الحديثين والآيتين من الكلام الذي مخرجه عام يراد الخاص ومن المجمل الذي يدل عليه المفسر فأمر الله بقتال المشركين حتى يؤمنوا والله - تعالى أعلم أمره بقتال المشركين من أهل الأوثان وهم أكثر من قاتل النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبي بكر وعمر إياهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين من أهل الأوثان دون أهل الكتاب وفرض الله قتال ، أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون إن لم يؤمنوا وكذلك حديث ابن بريدة في أهل الكتاب خاصة كما كان حديث أبي هريرة في أهل الأوثان خاصة قال فالفرض في قتال من دان وآباؤه دين أهل الأوثان من المشركين أن يقاتلوا إذا قدر عليهم حتى يسلموا ولا يحل أن تقبل منه جزية بكتاب الله وسنة نبيه قال والفرض في أهل الكتاب ومن دان قبل نزول القرآن كله دينهم .

أن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية أو يسلموا وسواء كانوا عربا أو عجما قال ولله كتب نزلت قبل نزول القرآن المعروف منها عند العامة التوراة والإنجيل وقد أخبر الله أنه أنزل غيرهما فقال { أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى } وليس تعرف تلاوة كتب إبراهيم وذكر زبور داود فقال { وإنه لفي زبر الأولين } قال والمجوس أهل كتاب غير التوراة والإنجيل وقد نسوا كتابهم وبدلوه فأذن رسول الله في أخذ الجزية منهم .

حدثنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع بجالة يقول ولم يكن عمر بن الخطاب أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ودان قوم من العرب دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن فأخذ رسول الله من بعضهم الجزية فدل ذلك على أن أهل الكتاب الذين أمرنا بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد أهل التوراة وأهل الإنجيل دون غيرهم فإن قال قائل : هل حفظ أحد أن المجوس كانوا أهل كتاب ؟ قلت : نعم أخبرنا سفيان عن أبي سعد سعيد بن المرزبان عن نصر بن عاصم قال : قال فروة بن نوفل الأشجعي علام تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب ؟ فقام إليه المستورد فأخذ بلببه فقال يا عدو الله تطعن على أبي بكر وعمر وعلى أمير المؤمنين يعني عليا وقد أخذوا منهم الجزية فذهب به إلى القصر فخرج علي عليهما فقال البدا فجلسنا في ظل القصر فقال علي أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه وأن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم فدعا أهل مملكته فقال تعلمون دينا خيرا من دين آدم قد كان آدم ينكح بنيه من بناته فأنا على دين آدم ما يرغب بكم عن دينه ؟ فاتبعوه وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم وهم أهل كتاب وقد [ ص: 622 ] أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر منهم الجزية . قال فهل من دليل على ما وصفت غير ما ذكرت من هذا ؟ فقلت : نعم أرأيت إذ أمر الله بأخذ الجزية من الذين أوتوا الكتاب أما في ذلك دلالة على أن لا تؤخذ من الذين لم يؤتوا الكتاب ؟ فقال : بلى لأنه إذا قيل : خذ من صنف كذا فقد منع من الصنف الذي يخالفه . قلت أرأيت حين أمر الله أن يقاتل المشركون حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وأمر إذا انسلخ الأشهر الحرم أن يقتل المشركون حيث وجدوا ويؤخذوا ويحصروا ويقعد لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة خلي سبيلهم أما في هذا دلالة على أن في أمر الله أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب دون أهل الأوثان وأن الفرض في أهل الكتاب غيره في أهل الأوثان ؟ قال أما القرآن فيدل على ما وصفت .

( قال الشافعي ) وقلت له وكذلك السنة . فإن قال قائل : إن حديث ابن بريدة عام بأن يدعوا إلى إعطاء الجزية فقد يحتمل أن يكون عني كل مشرك وثني أو غيره قلت له وحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله } عام المخرج فإن قال جاهل بل هو على كل مشرك فلا تؤخذ الجزية من كتابي ولا غيره ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل هل الحجة عليه إلا كهي على من ذهب إلى جملة حديث ابن بريدة وادعى أن حديث أبي هريرة ناسخ له ؟ قال ما لواحد منهما في الحديثين شيء إلا كما لصاحبه مثله لو لم يكن إلا الحديثان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث