الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوجه الثالث

والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العبد أن يقول: آمنت بالله. وفي رواية: ورسوله، فهذا من باب دفع الضد الضار بالضد النافع، فإن قوله: آمنت بالله، يدفع عن قلبه الوسواس الفاسد.

ولهذا كان الشيطان يخنس عند ذكر الله، ويوسوس عند الغفلة عن ذكر الله، ولهذا سمي الوسواس الخناس، فإنه جاثم على فؤاد ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، والخنوس: الاختفاء بانخفاض. ولهذا سميت الكواكب الخنس.

وقال أبو هريرة: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، وأنا جنب، فانخنست منه. [ ص: 317 ]

ويقال: انخنست من فلان، وهو اختفاء بنوع من الانخفاض والذل له، فالمختفي من عدو يقاتله لا يقال: انخنس منه، وإنما ينخنس الإنسان ممن يهابه ويعظمه فيذل له وينخفض منه في اختفائه، فهكذا الشيطان في حال ذكر الله يذل ويخضع ويختفي، وإذا غفل العبد عن ذكر الله وسوس.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد أن يقول: آمنت بالله، أو آمنت بالله ورسوله، فإن هذا القول إيمان، وذكر الله يدفع به ما يضاده من الوسوسة القادحة في العلوم الضرورية الفطرية، ويشبه هذا الوسواس الذي يعرض لكثير من الناس في العبادات حتى يشككه هل كبر أو لم يكبر؟ وهل قرأ الفاتحة أم لا؟ وهل نوى العبادة أم لم ينوها؟ وهل غسل عضوه في الطهارة أو لم يغسله، فيشككه في علومه الحسية الضرورية.

وكونه غسل عضوا أمر يشهده ببصره، وكونه تكلم بالتكبير أو الفاتحة أمر يعلمه بقلبه ويسمعه بأذنه، وكذلك كونه يقصد الصلاة مثل كونه يقصد الأكل والشرب والركوب والمشي، وعلمه بذلك كله علم ضروري يقيني أولي لا يتوقف على النظر والاستدلال، ولا يتوقف على البرهان، بل هو مقدمات البرهان وأصوله التي يبنى عليها البرهان، أعني البرهان النظري المؤلف من المقدمات. [ ص: 318 ]

وهذا الوسواس يزول بالاستعاذة وانتهاء العبد، وأن يقول إذا قال: لم تغسل وجهك؟ بلى، قد غسلت وجهي، وإذا خطر له أنه لم ينو ولم يكبر، يقول بقلبه: بلى قد نويت وكبرت، فيثبت على الحق ويدفع ما يعارضه من الوسواس، فيرى الشيطان قوته وثباته على الحق، فيندفع عنه، وإلا فمتى رآه قابلا للشكوك والشبهات، مستجيبا إلى الوسواس والخطرات، أورد عليه من ذلك ما يعجز عن دفعه، وصار قلبه موردا لما توحيه شياطين الإنس والجن من زخرف القول، وانتقل من ذلك إلى غيره إلى أن يسوقه الشيطان إلى الهلكة.

فالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [سورة البقرة: 257] إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون [سورة الأعراف: 201-202].

فصل

ومما ينبغي أن يعرف في هذا المقام -وإن كنا قد نبهنا عليه في [ ص: 319 ] مواضع- أن كثيرا من العلوم تكون ضرورية فطرية، فإذا طلب المستدل أن يستدل عليها خفيت ووقع فيها شك، إما لما في ذلك من تطويل المقدمات، وإما لما في ذلك من خفائها، وإما لما في ذلك من كلا الأمرين.

والمستدل قد يعجز عن نظم دليل على ذلك، إما لعجزه عن تصوره، وإما لعجزه عن التعبير عنه، فإنه ليس كل ما تصوره الإنسان أمكن كل أحد أن يعبر عنه باللسان، وقد يعجز المستمع عن فهمه ذلك الدليل، وإن أمكن نظم الدليل وفهمه فقد يحصل العجز عن إزالة الشبهات المعارضة: إما من هذا، وإما من هذا، وإما منهما.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث