الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن قال : بعتك هذه الدار دخل فيها ما اتصل بها من الرفوف المسمرة والخوابي والأجاجين المدفونة فيها للانتفاع بها . وإن كان فيها رحا مبنية دخل الحجر السفلاني في بيعها ; لأنه متصل بها وفي الفوقاني وجهان ( أحدهما ) أنه يدخل وهو الصحيح ، ; لأنه ينصب هكذا ، فدخل فيه كالباب ( والثاني ) لا يدخل ; لأنه منفصل عن المبيع ، ويدخل الغلق المسمر في الباب ، وفي المفتاح وجهان ( أحدهما ) يدخل فيه ; لأنه من مصلحته فلا ينفرد عنه ( والثاني ) لا يدخل ; لأنه منفصل فلم يدخل فيه كالدلو والبكرة ، وإن كان في الدار شجرة فعلى الطرق الثلاثة التي ذكرناها في الأرض )

التالي السابق


( الشرح ) الخوابي والأجاجين بجيمين ، وهي الأواني التي تغسل فيها الثياب قال ابن معن : وتسمى المراحض ، والمقصود هنا كل ما ثبت من ذلك للصبغ أو الدبغ أو العجن ، أو الإخراج الشيرج من كسب السمسم ، ونحو ذلك ، والغلق والبكرة . ( أما الأحكام ) فقال الأصحاب : إذا قال : بعتك هذه الدار دخلت في البيع الأرض والأبنية على تنوعها ، سفلها وعلوها ، حتى يدخل الحمام المعدود من مرافقها ، وحكي عن نصه أن الحمام لا يدخل ، وحمله الأصحاب على حمامات الحجاز ، وهي بيوت من خشب تنقل في الأسفار ، فأما الحمامات المبنية من الطين والآجر إذا كان بحيث لا يمكن نقله ، فإنه يدخل في العقد ، [ ص: 514 ] وحكوا أن الربيع حمله على ذلك ، وفصل الغزالي في الحمام فقال : إن كان لا يستقل دون الدار اندرج ، وإن استقل فهو من الدار كالبناء من البستان ، يعني فيجري فيه الخلاف في ذلك . واختار ابن الرفعة أن الحمام الخشب الذي لا ينقل لا يدخل لقول الشافعي رضي الله عنه : وما كان مما يجب من البنيان مثل البناء بالخشب ، فإن هذا متميز كالنبات والحديد فهو لبائعه إلا أن يدخله المشتري في صفقة البيع . وقال : إنه لم ير أحدا من الأصحاب تعرض له ، وأنه فقه ظاهر ; لأن ما كان من أجزاء الأرض إذا أثبت فيها وإذا تغيرت صفته كاللبن يجعل أجزاء ، أو لم يتغير كالأحجار واللبن يقرب أن يتبعها كما لو كان متصلا من أصل الخلقة بخلاف ما إذا كان من خشب ، وإن كان الشجر الأخضر يتبع في بيع الأرض ولكنه ليس بجزء منها . وإنما تبعها ; لأنه صار كالجزء المتصل بها ، ولهذا ينمو بها بخلاف البناء .

( قلت ) وقد رأيت النص المذكور في الأم في باب ثمر الحائط يباع أصله ، ولكني لم أعرف ما معنى قوله : يجب من البنيان ، ولا ضبط هذه الكلمة أيضا عني يجب ، غير أنه إذا كانت الحمام كلها من خشب وهي مثبتة في الدار لا تنقل ولا تحول ، كانت كالسور الخشب المسمرة التي لا تحول ، وفي دخولها وجهان ( أصحهما ) الدخول كما سيأتي ، وإذا كان كذلك فيكون ما قاله ابن الرفعة موافقا لأحد الوجهين ، وليس مما انفرد به عن الأصحاب كما ظن ، ولكن مأخذ الأصحاب القائلين بذلك غير المأخذ الذي ذكره ، وذلك عندهم في كل متصل مثبت يمكن الانتفاع به بعد انفصاله ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون من خشب أو طين أو غيرهما . وكذلك طردوه في صندوق رأس البئر وهي الخرزة التي على فوهتها ، والغالب إنما تكون من حجر أو رخام ، وكذلك طردوه في معجن الجيار ، والغالب أنه يكون من فخار فهو كالآجر الذي جعله هو من جنس أجزاء الأرض ، وفرق بينه وبين الخشب ، وكذلك حجر الرحا ، وغير ذلك مما ستأتي أمثلته ، حتى لو فرضنا حماما من حجر ، وهي مثبتة في الدار ، وكان [ ص: 515 ] يمكن أن تنقل وهي على حالها ، وينتفع بها ، اقتضى أن يجري فيها الخلاف المذكور في الأمثلة المذكورة ، ثم إن الشافعي رضي الله عنه إنما ذكر النص المذكور في الأرض ، والمعنى الذي أبداه ابن الرفعة وهو اعتبار أجزاء الأرض إنما يتم فيها ، والكلام هنا إنما هو في بيع الدار ، ومن المعلوم أن الدار في العرف غالبا يشتمل على أجناس من أجزاء الأرض وغيرها ، ولا يلزم من القول بعدم دخول ما ليس من أجزاء الأرض تحت اسم الأرض القول بعدم دخوله تحت اسم الدار ، والتحقيق ما قدمته من إلحاقها بالسرير ونحوه والله أعلم .

هذا ما يتعلق بالحمام ( وأما ) الآلات فهي على ثلاثة أضرب ( أحدها ) ما أثبت تتمة للدار ليدوم فيها ويبقى كالسقوف والأبواب المنصوبة وما عليها متصلا بها من الأغاليق والحلق والسلاسل والضباب والجناح والدرج والمراقي المعقود من الآجر والجص وغيره ( والآجر ) المغروس في الدار ، والبلاط والطوابيق يدخل في البيع ، فإنها معدودة من أجزاء الدار . ( الثاني ) ما هو مثبت فيها متصل بها ولكن لا على هذا الوجه كالرفوف المتصلة ، وهي المسمرة أو التي أطرافها في البناء والخوابي ، واحدتها خابية وهي الزير عند أهل مصر ، والأجاجين ، والدنان المبنية للانتفاع بها في ترك الماء فيها ، أو غسل الثياب ، والسلالم المسمرة والأوتاد المثبتة للانتفاع بها في الأرض والجدران ، والتحتاني من حجر الرحا المثبتة ، وخشب القصار ، ومعجن الخباز ، والسرر المسمرة ، والدرابزين ، وصندوق رأس البئر ، وصندوق الطحان وفي جميع ذلك وجهان ( أحدهما ) وهو الذي جزم به المصنف أنها تدخل لثباتها واتصالها ( والثاني ) لا تدخل ; لأنها إنما أثبتت لسهولة الارتفاق بها كي لا تتزعزع وتتحرك عند الاستعمال ، وعند القاضي حسين المغلاق من هذا النوع الذي فيه وجهان ، وجعله في كل ما هو متصل ، ويمكن الانتفاع به بعد الانفصال والأكثرون عدوا الأغاليق من القسم الأول . [ ص: 516 ]

وقد تقدم في حجارة رحا الماء عن صاحب الحاوي وغيره أربعة أوجه ، ومحلها هناك في بيع الأرض ، وما نحن فيه في بيع الدار ، وفصل الماوردي في الحباب المدفونة فقال : إن كان دفنها استيداعا لها في الأرض لم تدخل في البيع ، وإن كان دفنها للانتفاع بها على التأبيد كحباب الزياتين والبزارين والدهانين دخلت ، وهذا جزم منه بأحد الوجهين المتقدمين كي لا يتزعزع ويتحرك عند الاستعمال . ( الضرب الثالث ) المنقولات كالدلو والرشا والمجارف والسرر والرفوف الموضوعة على الأوتاد ، والسلاليم التي لم تسمر ولم تطين ، والأقفال والكنوز والدفائن والصناديق والمتاع ، ورحا اليد التي تنقل وتحول ، والخزائن المنفصلة وأقفالها ومفاتيحها ، والأبواب المقلوعة ، والحجارة المدفونة ، والآجر الذي دفن ليخرج ويستعمل ، وكذا كل ما فصل من آلة البناء من آجر وخشب فلم تستعمل ، أو كان أبوابا ولم تنصب ، وجزم الرافعي وجماعة بأن البكرة كالدلو من هذا النوع الذي لا خلاف فيه ، وحكى القاضي حسين في البكرة وجهين وليس ببعيد فإن البكرة كالمتصل ، وليس كالدلو ، فلا يدخل شيء منها في البيع جزما . وفي حجر الرحا الفوقاني إذا كان الرحا مبنيا وجهان ( أصحهما ) عند المصنف وشيخه أبي الطيب والرافعي ، وهو اختيار أبي إسحاق الدخول ، ومقابلة قول ابن أبي هريرة ، وهما مفرعان على قولنا : إن التحتاني يدخل .

أما إن قلنا بعدم الدخول فيه ففي الفوقاني أولى ، والأقيس عند الإمام أن لا يدخل واحد منهما ، وفي مفتاح المغلاق المثبت وجهان ( أحدهما ) أنه لا يدخل كسائر المنقولات ، وهو قول ابن أبي هريرة ( وأصحهما ) عند الرافعي وغيره ، ويحكى عن صاحب التلخيص وأبي إسحاق المروزي أنه يدخل ، ; لأنه من توابع المغلاق المثبت ، قال صاحب الحاوي : وهكذا كل ما كان منفصلا لا يمكن للانتفاع به إلا مع متصل بالدار فيه وجهان ، ورتب القاضي حسين [ ص: 517 ] الوجهين في المفتاح على الوجهين في المتصل ، وأولى بعدم الدخول وفي ألواح الدكاكين مثل هذين الوجهين ; لأنها أبواب لها ، وإن كانت تنقل وترد ، وقيل : تدخل وجها واحدا ; لأنها كالجزء منها . حكاه الروياني وهو المذكور في التتمة .

قال الرافعي : والذي يقتضيه العرف الدخول ، وهذا ميل منه إلى ، الطريقة التي حكاها الروياني ، وإن لم يذكرها ، وجزم ابن خيران في اللطيف بعدم دخول شريحة الدكان ودراباتها إلا ما كان من الدرابات مسمرا ، والبغوي صحح الدخول كما اقتضاه كلام الرافعي ، ولو جعل في الدار مدبغة وفيها أجاجين مبنية فإن قال : بعتك هذه الدار ففي دخول الأجاجين خلاف مرتب على الخلاف المتقدم فيها ، حيث لا تكون الدار مدبغة ، فالدخول هاهنا أولى ، وإن قال : بعتك هذه المدبغة دخلت الأجاجين قطعا ، فإن لفظ المدبغة والمصبغة متضمنين للأجاجين المبنية فيها . قال الإمام : ومراقي الخشب إذا أثبتت إثبات تخليد فهي على الأصح كمرقى الآجر والجص ، بخلاف السلاليم ، وفي التتمة أن في أصل هذه المسائل الخلاف في تجويز الصلاة إلى العصا المغروزة في سطح الكعبة إن جوزنا فقد عددناها من البناء ، فتدخل وإلا فلا ، قال الرافعي : وهذا يقتضي التسوية بين اسم الدار والمدبغة ، قال ابن الرفعة : وفيه نظر ; لأن مأخذ الدخول على هذا ما يشير إليه اللفظ ، فنزل ذلك منزلة التصريح والدخول " ويدخل في بيع الدار التنور ، وعبر الشيخ أبو حامد عن هذا التقسيم بعبارة أخرى فقال : ما يكون في الدار على ثلاثة أضرب : متصل ومنفصل لا يتعلق بمنفعة المتصل ، ومنفصل متعلق بالمتصل ، فالأول يدخل ، والثاني لا يدخل ، والثالث فيه وجهان كالحجر الفوقاني من الرحا والمفتاح وذكر الروياني في توجيه القول بدخول الحجر الفوقاني القياس على الأبواب ، مع أن الأبواب قائمة في الدورات غير مغروزة فيها ، والقائل الآخر يفرق بأن الأبواب البقاء محيط بها ، وإنما تثبت منفصلة ليمكن ردها وفتحها .

( فرع ) ذكر الإمام أن هذا الخلاف المذكور في الأجاجين المثبتة [ ص: 518 ] والحجر الأسفل من الرحا والسلاليم المسمرة يجري في بيع الأرض إذا قلنا : إنه يدخل في بيعها البناء والغراس . ( فرع ) تقدم الخلاف في دخول الرحا مرتبا ، ومن ذلك يأتي فيهما ثلاثة أوجه ، وقال ابن الرفعة : إنها مفرعة على النص في أن البناء والغراس يدخلان في بيع الأرض ( أما ) إذا قلنا بعدم الدخول فلا يدخل واحد من الحجرين قولا واحدا ، وهذا منه رحمه الله إنما يحسن إذا كان الكلام في دخول ذلك في الأرض ، ولم يجر لذلك ذكر ، وإنما كلامنا وحكاية الأصحاب الأوجه في ذلك في دخولها تحت اسم الدار ، وحينئذ فيتجه الخلاف مطلقا ، ; لأن الأبنية تندرج في بيع الدار إلا على ما قاله الجوري ، وذلك ضعيف جدا ، والله أعلم . ( فرع ) الميزاب عده صاحب الحاوي مما يدخل ، فيحتمل أن يكون ملحقا بالأبواب والضباب ، فيدخل جزما ويحتمل أن يكون ملحقا بالرفوف المتصلة ; فيجري فيها الوجهان ، ويكون أطلق القول فيه على رأي المصنف في دخولها ، ويدخل الاختصاص التي على السطح ، قاله صاحب التتمة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث